الاتحاد

عربي ودولي

لماذا أطلقت القوات الأمريكية زعيم (جماعة أنصار الإسلام) في العراق؟


د· رسول محمَّد رسول:
اثارت عملية إطلاق القوات الامريكية سراح الشيخ علي بابير ' امير جماعة أنصارالإسلام' دهشة الشارع العراقي على اعتبار أنه كان من المحسوبين على الجماعات الإسلامية المتشدِّدة التي ناوأت المشروعات الأمريكية في العراق جذريا، فضلاعن أن توقيت الإفراج عنه تمَّ بعد أن تولى جلال الطالباني رئاسة جمهورية العراق وهو أعلى منصب في الدولة ما عنى لدى كثير من المراقبين في العراق أن الرئيس الكردي الجديد، العَلماني الاتجاه، هو همزة الدعم للشيخ الإسلامي المتشدِّد، وهو الدعم الذي لم يمض على هواه دون ما يمكن تسميته بالصفقة بين أطراف المشهد، أي الطالباني والأمريكان والشيخ! ولكن ما حكاية هذه الجماعة؟
كان المشهد الإسلامي في المنطقة الكردية شمال العراق بعد حرب الخليج الثانية وبعد الانتفاضة الشعبانية المباركة في آذار (مارس) 1991 قد تطوَّر من حيث صعود الحراك الإسلامي تزامنا مع صعود الحراك السياسي الحزبي العَلماني في المنطقة الكردية، والذي ظلَّ ينمو باطراد بعد أن تحصَّلت المنطقة على الاستقلال الذاتي تحت رعاية أمريكية وأُممية· وكانت في هذا المشهد مجموعة من الحركات الأصولية المعتدلة والمتشدٍّدة؛ فهناك (الحركة الإسلامية في كردستان)، وإلى جانبها (حركة النهضة الإسلامية)، وصار لهما الاتفاق بالعمل الاندماجي المشترك تحت مسمى (حركة الوحدة الإسلامية في كردستان العراق)· وكانت هناك أيضاً (حركة الاتحاد الإسلامي في كردستان)، ومن ثم (الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق)، إلى جانب (الحركة الإسلامية لتركمان العراق)، و(الحركة الإسلامية للأكراد الفيليين)، و(حركة التوحيد الإسلامية)·
صدّام والقاعدة
وفي ظل مشهد العمل الإسلامي الحثيث، تشكَّلت خلال عقد التسعينات منظمات متشدِّدة عدة في منطقتي (بيارة) و(طويلة) الكرديتين المتاخمتين للأراضي الإيرانية، مثل (الحركة الإسلامية)، و(الجماعة الإسلامية) و(حركة النهضة الإسلامية)، و(الحركة الإسلامية الموحّدة) التي انشقت الى حركتين هما: (الحماس الإسلامي)، و(التوحيد الإسلامي) التي أنشأها عقيد في المخابرات العراقية كان يُلقَّب بـ ( أبو وائل )، الذي كانت مخابرات بغداد قد دفعت به إلى المنطقة الكردية متخفيا بمظهر رجل دين·
وأصل الحكاية، إنه في عام 1996 بدأ (جهاز المخابرات العراقي) بربط بعض الخيوط مع تنظيم (القاعدة) وأنصارها في المناطق الكردية؛ فبدأت اتصالات مع أسامة بن لادن، الذي كان يعيش في السودان آنذاك، عبْر العقيد (أبو وائل)، واستمرت هذه الاتصالات حتى وصول بن لادن الى أفغانستان قادما من السودان عام ،1996 وأعقب ذلك قيام العقيد نفسه بثلاث زيارات الى أفغانستان بهدف تأسيس جماعة إسلامية أصولية قوية في كردستان العراق قادرة على توحيد الفصائل الإسلامية الأخرى·
اتفاق الجماعات الاسلامية
وفي بداية عام 2001 اتفق زعماء الجماعات الإسلامية المتشدِّدون الذين اتصل بهم العقيد في كردستان على السفر إلى أفغانستان للقاء زعماء (القاعدة)، وفي حزيران ( يونيو ) من العام ذاته ذهب وفد منهم إلى هناك، وكان العقيد من بين أعضائه، فالتقوا بأسامة بن لادن ومساعديه: أيمن الظواهري وأبو حفص القومندان، وطرح زعماء هذه الجماعات على قادة (القاعدة) فكرة إيجاد جماعة واحدة قوية، فتم الإعلان عن جماعة (جُند الإسلام) السَّلفية، التي تحوَّل اسمها فيما بعد الى (أنصار الإسلام) حيث تلقَّت دعماً مالياً كبيرا من (القاعدة) لتستطيع أنْ تطرح نفسها بقوة في منطقة الشمال الكردي العراقية، كما تم انتخاب كردي كان يتردَّد على أفغانستان منذ العام ،1988 وتدرب في معسكرات القاعدة هناك وهو ( وريا رش ) الملقب بأبي عبد الله الشافعي·
في بداية تموز ( يوليو ) 1996 عاد الوفد الى كردستان واستقر في منطقة (بيارة) يرافقه الممثل الشخصي لإسامة بن لادن (أبو عبد الرحمن الشامي) واسمه الحقيقي (رائد عبد الله الخريسات/ أردني الجنسية)· وفي الأول من أيلول ( سبتمبر ) عام ،2001 وقبل تفجيرات نيويورك بعشرة أيام، تم الإعلان رسميا عن تشكيل (جُند الإسلام)، وتمَّ انتخاب أبو عبد الله الشافعي أميراً لها، فباشر إجراءات تأمين ملاذات آمنة في المنطقة لعناصر (القاعدة) التي كانت تتوقَّع تعرضها لضربات أمريكية انتقامية بسبب تورطها في أحداث واشنطن ونيويورك· وبالترافق مع هذا التطوُّر وضعت المخابرات العراقية أمامها، عبر عناصرها في هذا التنظيم الجديد، مهمتين، الأولى: داخلية، تهدف الى مراقبة ورصد الهيئات والوفود الأجنبية وخاصة الأمريكية التي تصل الى كردستان للقاء زعمائها· والثانية: خارجية، تهدف إلى رصد السفارات والقوات الأمريكية في تركيا بالتعاون مع جماعة تركية متطرِّفة تدعى (جماعة الخلافة الإسلامية)، التي وفرت جماعة (أنصار الإسلام) لعناصرها الحماية داخل الأراضي العراقية بالمال والسلاح للقيام بأعمال مسلحة ضد الأمريكان وضرب أهداف تركية أيضا·
في هذه الأثناء باشرت مخابرات بغداد بإرسال الأموال لخلايا سرية تابعة لـ (أنصار الإسلام) في مدينة (أربيل) تتستَّر بالعمل التجاري، وتقوم بدورها لإيصال الأموال الى الأنصار··، كما كانت تهرِّب الأسلحة التي توصلها الى بلدة (خانقين)، ومنها تُنقل سراً إلى جماعة (أنصار الإسلام)· وبالفعل بدأت هذه الجماعة، مطلع عام ،2001 بعملياتها المُسلحة؛ فقد هاجمت قواعد تابعة لحزب (الاتحاد الوطني الكردستاني) بزعامة جلال الطالباني، وقتلت في عمليتين أكثر من 88 فردا من (جيش البيشمركة)، كما قامت باغتيال (فرنسوا الحريري)، الوزير في حكومة مسعود البارزاني، وسط أربيل، واغتالت أيضا (شوكت الحاج)، القيادي في الاتحاد مع ثلاثة من مرافقيه، كما حاولت اغتيال رئيس حكومة السُّليمانية (برهم صالح)، وزير التخطيط العراقي الحالي، بالإضافة محاولة اغتيال مدير الأمن العام هناك·
تفجيرات نيويورك
بعد تفجيرات نيويورك بدأت قوافل (الأفغان العرب) تتدَّفق على إقليم كردستان العراق، وبينهم قادة معروفون اتخذوا من منطقة (بيارة) والجبال المحيطة بها ملاذا لهم، وقدَّرت مصادر كردية عليمة عدد عناصر (أنصار الإسلام) في العراق لغاية عام 2003 بنحو 1500 فرد بعد أنْ كان عددهم لا يتجاوز 800 عند بدء الحرب ضد النظام العراقي السابق حيث تدفَّق الباقون على العراق من أقطار متعددة وهم من يُسمون بـ (الأفغان العرب)·
والمعروف عن الشيخ علي بابير أنه كان أحد مؤسسي جماعة (أنصار الإسلام) منذ إنشائها في عام ،2001 وكان الرجل يراقب تحرُّكات المخابرات العراقية عن كثب، ويتواصل مع تنظيمات القاعدة على نحو محايث، ولم يكن بعيدا عن اتصالات الجماعات الإسلامية المتشدِّدة بالمخابرات العراقية عن طريق العقيد (أبو وائل)، لكنه في عام ،2001 وفي لحظة ما أدرك أن شن عمليات ضد الأكراد لحساب صدام أمر لا جدوى منه في ظلِّ الحكم الذاتي للأكراد في تلك الفترة، والأبعد من ذلك أنه أدرك أن اللعب مع مخابرات صدام لا جدوى منه وهي المجرَّبة في طعن الحركات الإسلامية العراقية من الظهر وبدم بارد· وعلى ما بدا أنه كان ينتظر اللحظة المناسبة لخلع عمله عن عمل (جماعة أنصار الإسلام) التي كان على رأسها (الملا كريكر) والذي آثر العمل المسلح في المنطقة الكردية وفق ما كانت تمليه عليه مطالب وتصورات ورؤى المخابرات العراقية، فاندفع في هذا السبيل، الأمر الذي كان منه أن افترق الشيخ علي بابير عن الجماعة وانصرف إلى العمل الإسلامي السلمي، في حين حتى الملا كريكر اختلف مع أسياده وخرج من العراق بعد أن أدانته الجماعة التي خلفه على إمارتها ( وريا رش ) الملقب بأبي عبد الله الشافعي·ٍقبل أن تبدأ عمليات الحرب على نظام صدام، تحصلت دوائر الاستخبارات الأمريكية على معلومات مؤكدة زودتها بها الفصائل الكردية في السُّليمانية وأربيل عن وجود تنظيمات إسلامية أصولية متشدِّدة ذات ارتباط بتنظيم (القاعدة) من جهة، وبالمخابرات العراقية من جهة ثانية، وأنها ستواجه القوات الأمريكية في عمليات اجتياح العراق·وبالفعل، وبينما كانت القوات الأمريكية تجتاح العراق من مدينة البصرة وتخومها الجنوبية، انطلقت المقاتلات الأمريكية العملاقة من مواقعها لقصف جحور الجماعات الإسلامية في أقصى الشمال العراقي، وفيها تمَّ قتل العشرات من عناصر تلك الجماعات، وتدمير مواقعها، وأسر آخرين وكان منهم الشيخ علي بابير·
وحدة العراق
في لقائه الإحتفائي بعد خروجه من المعتقل، خطب الشيخ بابير بجمع من مستقبليه، وعبر في خطبته عن موقف بدا جديدا على مستمعيه، وفي هذا الصدد قال: إنني اليوم حر لكي أعمل على نصرة الدين الإسلامي، ومواجهة أعدائه، والعمل على وحدة المسلمين، ووحدة العراق· وأشكر أنصاري من المسلمين الذين جاهدوا مثلما جاهدت في سبيل الحق بعد عامين من اعتقالي· وعن اعتقاله من قبل الأمريكيين قال الشيخ: لقد أساؤوا معاملتي في الشهور الأولى من اعتقالي، ولكن بعد معرفتهم بي، وإنني زعيم الجماعة الإسلامية، أحسنوا معاملتي في بعض الحالات· وأطلقوا سراحي لعدم ثبوت أي شيء عليَّ· وأنا أثمِّن جهود المخلصين في العراق وكردستان من أجل إطلاق سراحي·
الواضح من هذا النص أن الشيخ بابير، وبعد الفترة التي أمضاها في الاعتقال، قد توفر له مزيد وقت للتفكير في الحال الذي كان عليه، والعبارة التي جاءت في سياق خطبته (العمل على وحدة المسلمين ووحدة العراق) تنم عن تعهدات قدمها الشيخ للأمريكان بأن عمله ألإسلامي لن يشهر سلاح العُنف ضد العراق ولا ضد القوات متعدِّدة الجنسيات ولا حتى المشروع الأمريكي الجديد بالبلاد· لكن الأهم من ذلك هي الوساطة التي لجأ إليها الرئيس العراقي المنتخب جلال الطالباني لإطلاق سراح الشيخ، وهذا ما أكدَّه الشيخ محمود عبد الله رؤوف، زعيم إحدى الجماعات الإسلامية السلمية في المنطقة الكردية عندما قال: إن تولي زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني رئاسة العراق عجَّل بإطلاق سراح الشيخ بابير على رغم الخلاف الفكري بينهما·
يبدو هنا أن المرجعية العرقية لعبت دورا كبيرا في عملية الإفراج بوصف الزعيم الديني كرديا والرئيس الجديد كرديا، إلا أن ذلك لا يمنع من أن يكون الباعث لدى الطالباني سياسيا كان وراء إطلاق الشيخ الإسلامي؛ فالطالباني يسعى إلى تخفيف حدَّة التصادُم بين المجموعات الإسلامية الكردية ذات الشأن المهم والفاعل في المجتمع الكردستاني وفي أجواء نظام العراق الجديد· كما أنه يريد أن يسحب البساط من الحركات أو المجموعات الإسلامية المتطرفة التي انخرط عملها في مشهد العنف الصارخ الذي تكرُّسه الجماعات الإسلامية المتحالفة مع أتباع النظام السابق من البعثيين وضباط وعناصر المخابرات والاستخبارات العسكرية، ولعل العملية الإجرامية التي أقدمت عليها جماعة (أنصار السنة) يوم الأربعاء الماضي 4/5/2005 والتي راح ضحيتها نحو خمسين قتيلا وثلاثة أضعاف من هذا العدد جرحى في منطقة كردستان خير رد فعل على المنحى السلمي الذي أبداه شركاء السلام الجدد، الشيخ بابير والرئيس طالباني، من أجل إشاعة روح التسامح والتفاهم بين الاتجاهات السياسية والدينية·

اقرأ أيضا

إجراءات الصين تنجح في كبح كورونا