أرشيف دنيا

الاتحاد

قاتل بلا قتيل

لم يتحمل «سعيد» الألم الذي عاوده شديدا هذه المرة، ولم يطقه وهو يتلوى فطلب من أسرته أن تحمله على الفور للمستشفى ونقلوه بسيارة وهو يتعجل الوقت حتى وصل وازداد الألم عليه ولم يعد قادرا على التركيز فيما حوله.
رقد أمام الطبيب الذي يفحصه وبعد لحظات قليلة قرر إدخاله غرفة العمليات ويأتي طبيب التخدير ليقوم بمهمته، حيث يحقنه بالمخدر كي لا يشعر بألم الجراحة التي استغرقت ما يزيد على ثلاث ساعات وظل بعدها عدة ساعات أخرى لا يشعر بما يدور حوله ولا يعرف ماذا حدث إلى أن بدأ يفيق، فتح عينيه ليجدها أمامه إنها «رشا» الممرضة التي تتولى رعايته وتقديم الأدوية له في مواعيدها التي حددها الأطباء، مازالت بقية من الألم تعاوده بين الحين والآخر فيستنجد بها وتهرع إليه تسبقها ابتسامة عريضة على وجه طفولي تفيض حنانا ورحمة واعتادت ذلك مع كل المرضى الذين يحضرون إلى المستشفى فهي تعلم أنهم ضعفاء في هذه اللحظات ويحتاجون إلى ابتسامة الأمل والحنو، لكن سعيدا اعتقد أنها تعامله معاملة خاصة وجد فيها ما يجذبه إليها، حتى أنه كان يختلق الأسباب التي تجعلها قريبة منه معظم الوقت وأيضا عندما قرر الأطباء خروجه وعودته إلى بيته بعد تمام شفائه طلب البقاء بضعة أيام من باب الاحتياط للتأكد من أنه ليس بحاجة إلى المستشفى والتمريض، لكن الأطباء طمأنوه وأكدوا صحة قرارهم وخرج بغير الوجه الذي دخل به.
ذهبت آلامه ودق قلبه بالحب ولم يبرح قبل أن يبوح لها بإعجابه بها ثم عاد إليها بعد عدة أيام زائرا لا مريضا، هذه المرة نظر إليها بعين العاشق الولهان كانت في عينيه جميلة الجميلات، اللقاء كان قصيرا عبر خلاله عما يجيش بداخله ورغبته في الاقتران بها وحصل على عنوان منزلها وطلب تحديد موعد للقاء أبيها كي يطلب يدها رسميا. تحول الحلم إلى حقيقة ووافقت أسرة «رشا» على الخطبة وهام «سعيد» بها حبا وكاد يطير من السعادة وسابق الزمن في تأثيث عش الزوجية بمنزل أسرته الكبيرة، فمازال أهل هذه المنطقة متمسكين ببعض التقاليد والعادات، حيث يعيش الأبناء مع الآباء في بيت واحد، يستقل فيه كل منهم بغرفة أو غرفتين، انتقلت إليه العروس تغمرها الفرحة وتبدأ مع عريسها الحياة الزوجية الجديدة، ولم يكن شهر العسل أكثر من عدة أيام يستقبلان فيها المهنئين ولحظات انفرادية في المساء أمام التلفاز وتبادل الحديث في أمور شتى، والمهم في الأمر كله الاستقرار الذي يبتغيه الزوجان.
عدة أشهر مضت، تأكدت معها العروس من عدم قدرتها على المعيشة في البيت الكبير، فهي تفتقد حريتها تماما بل اكتشفت أنها لا تعيش أصلا، لم تخف ذلك عن زوجها، أفصحت عما يدور في صدرها وأعلنت رغبتها في منزل مستقل تستطيع فيه أن تتحرك وتأكل وتشرب وتنام كما يحلو لها بينما هنا تجد نفسها تحت المراقبة في كل تحركاتها وسكناتها، حتى وإن كان أفراد الأسرة لا يقصدون ذلك، تريد أن تكون مثل زميلاتها وقريناتها لكل منهن شقتها المستقلة مع زوجها وأبنائها ولا يوجد بينهم من يشاركهم كل صغيرة وكبيرة كما هو الحال بالنسبة لها وكررت مطلبها عدة مرات لكنها في كل مرة لا تجد جوابا شافيا غير الوعود والتسويف بلا حزم أو جزم أو خطوة عملية، لدرجة أنها حفظت كلماته وردوده على ذلك عن ظهر قلب وتبادره بها قبل أن يقولها ولم يشفع مجيء الطفل الذي رزقا به لتهدئة التوتر، فلا هي توقفت عن مطلبها ولا هو حسم الأمر، فليس بمقدوره أن يلبي رغبتها ولا أن يعترف صراحة بعجزه عن تدبير مسكن مستقل لضيق ذات اليد، فمارست بعض الضغوط عليه، استغلت حبه لها وتمسكه بها وهي ابنة الثانية والعشرين وتشع جاذبية وجمالا، فاض بها الكيل وأعلنت قرارها النهائي، حملت ولدها الصغير وعادت إلى بيت أبيها وقد أنذرته بألا ترى وجهه إلا عندما يكون مستعدا لاستعادتها واصطحابها إلى بيتها المستقل، وفشلت مساعي أهل الخير في الإصلاح والتوفيق بينهما فظلت الأحوال على ما هي عليه.
تأكدت «رشا» من أن أملها لن يتحقق فطلبت الطلاق صراحة، لكن الزوج العاشق رفض من اجل حبه لها ومن أجل ابنهما وكي لا يتربى يتيما وأبواه على قيد الحياة، فلجأت إلى المحكمة تطلب الطلاق للضرر، ولأن زوجها غير قادر على تدبير مسكن مستقل لها، كان لها ما أرادت وحصلت على الطلاق فازداد جرحه وشعر بأن كرامته قد أهينت وغلت الدماء في عروقه وتقدم إلى المحكمة هو الآخر ليقيم دعوى بأحقيته في حضانة ابنه، لكن المحكمة رفضت، فشعر بأن تلك هزيمة جديدة وأنه خسر معركته فجددها بإقامة دعوى أخرى يطالب فيها بأحقيته في رؤية طفله ابن الرابعة، وهذه المرة كسب القضية وقضت له المحكمة بأن يراه مرة كل أسبوع وإلزام مطلقته بذلك، لكن لم يكن الحكم قادرا على تخفيف آلامه. وللحقيقة، فإنها تسامحت معه وأصبحت تترك له الطفل لعدة أيام بدلا من عدة ساعات حددتها المحكمة، فهي ترى أن من حقه أن يشارك في تربية ابنه، ومن حق الصغير أيضا أن يعيش مع أبيه ولا يحرم من حنانه.
هذه المرة طالت الأيام ومر شهر كامل ولم يقم بإعادة الطفل إلى أمه، فاضطرت للتوجه إليه تسأل عنه وتسترده، لكن المفاجأة وقعت على أم رأسها كالصاعقة، جعلتها تفقد توازنها وعقلها، فقد أخبرها أنه لا يعرف عنه شيئا، وأنه فقده وحرر محضرا بغيابه وجن جنونها وخرجت تسابق الريح إلى قسم الشرطة تبلغ ضد طليقها تتهمه بإخفاء ابنهما وتطلب إعادته إليها، ويتم استدعاء الأب الذي يقرر أن الصغير قد ضل الطريق ولا يعرف أين ذهب، ويدعي صحة كلامه بأن حرر محضرا رسميا بذلك، لكن مع كثرة الأسئلة وتكرار صياغتها وتتبع تحركاته وتصرفاته انهار واعترف بالحقيقة المرة والجريمة البشعة التي لم تخطر على بال أحد، ودون أن يذرف دمعة واحدة على فلذة كبده وما اقترفت يده، قال إنه لم يجد وسيلة لينتقم بها من «رشا» غير أن يحرق قلبها على من تحب حتى لو كان ابنه، خنقه بيديه وهو يجلس معه على حافة الترعة، أطبق على رقبته الغضة الضعيفة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ثم ألقى به في الماء الجاري وغاصت جثته في الأعماق.
وألقى «سعيد» نظرة على مطلقته وهي تضرب صدرها بيديها وتصرخ وتتعذب وقلبها يحترق وأطلق ضحكة هستيرية تنم عن عدم اتزان يعلن معها أنه كسب الحرب واستطاع هذه المرة أن يجعلها الطرف الخاسر، وكأن هذا القتيل ليس ابنه بعدما تحجرت مشاعره وأصبح بلا إحساس. وحتى الآن مر خمسة وثلاثون يوما على الجريمة، تم حبس الأب الذي لا يستحق هذا اللقب ومازال البحث جاريا عن جثة القتيل، فقد فشلت الضفادع البشرية طوال هذه الأيام في العثور عليها

اقرأ أيضا