أرشيف دنيا

الاتحاد

طعنة في نهاية المشوار

تفتحت عيناي فوجدته أمامي، منذ نعومة أظفاري، فهو ابن عمي ويكبرني بخمسة أعوام، وألهو معه بصحن البيت الكبير الذي يضمنا، أحتمي فيه من كل غريب وأشعر بالأمان في وجوده، حتى عندما تخطيت العاشرة من عمري، استمرت معي هذه المشاعر وعندما أصبحت أستطيع التمييز أكثر اكتشفت أنني أحبه، لا أستطيع فراقه في الصيف عندما كان يغادر إلى العاصمة، حيث يعمل هناك في الإجازة، حتى أنني كرهت هذا الفصل وهذه الشهور لا لارتفاع الحرارة والرطوبة، وإنما لفقدانه وتعود إليَّ روحي بعودته بعد هجرة إجبارية خلال تلك الأشهر، وأصبحت عادة سنوية لا يمكنني تغييرها ولا تعديلها، فأنا أضعف من ذلك بكثير والفائدة الوحيدة من هذه الأسفار أنها تختبر حبي له، الذي أكدت الأيام أنه لم يكن جنونا ولا شطط مراهقة، ولم يكن حبا ذائع الصيت بالكلام، وإنما لمسه كل من حولنا من عائلتنا وباركوا مشاعرنا، رغم أننا لم نصرح بكلمة واحدة، إلا أن عيوننا تفضح ما بداخلنا.
توقفت عن الاستمرار في التعليم لظروف أسرتي الصعبة، فأنا أكبر إخوتي التسعة وفي زمان لم يكن هناك اهتمام بتعليم البنات، فكان من المعتاد عدم تعليم الإناث، وإن كنت قضيت عدة سنوات في المدرسة القريبة من المنزل، كانت كافية لإجادة القراءة والكتابة، والحق أنني لم أكن راغبة في الدراسة وأشعر بأنها حمل ثقيل يؤرقني، لدرجة أنني فرحت بقرار عدم الذهاب إلى المدرسة والتوقف عن الدراسة، وإن كان سببه الأول هو الفقر المدقع، لكن ابن عمي استمر في رحلة التعليم وكنت أرى أن ذلك في صالحي ومن مصلحتي، وبعدما أدركت أنني كنت مخطئة في فرحتي وسعادتي الوهمية بترك الدراسة، رأيت أن تعليمه تعويض لي عما فاتني، والمهم أن يحقق هو أحلامه التي هي أحلامي في الوقت نفسه، فلا فرق بيني وبينه، باعتبار ما سيكون، وأنا وهو شخص واحد، وكان حصوله على مؤهل متوسط فرحة لا توصف غمرتنا كلنا.
لم تكن لي في يوم من الأيام ألعاب ولا دمي ولا عرائس، خاصة مثل بقية الأطفال، بل إنني لم أعش طفولتي ولا حتى الصبا، وأحلم بأن أعيش حياتي القادمة في بيت مستقل يجمعني مع ابن عمي، تحملت كل ما واجهته من صعاب من أجل هذا اليوم، خرجت للعمل في مواقع متعددة وكلها لم تكن مناسبة، حتى استقر بي المطاف بمشروع صغير إن جازت التسمية مجرد ماكينة لحياكة وتطريز ملابس السيدات، بعد تدريب وتعلمت فنون الخياطة وأتقنت بعض أشكالها وحاولت أن أساير الجديد في هذا المجال، وإن لم يكن ذلك ضروريا في تلك الأوقات، إلا أنني أجتهد كي أتميز في عملي وأجذب الزبائن، خاصة بعد أن احترفت عدة فتيات في المنطقة هذه المهنة، وتميزت في عملي وتفوقت عليهن جميعا وتوافدت السيدات إليَّ وجرت الأموال بين يدي، لكن حبي مازال في نقطة البداية من حيث التحول إلى ترجمة الأحلام لم نتخط نقطة الصفر، منذ أن تمت قراءة الفاتحة وإعلان الخطبة فرحتي بها لم تتزحزح قيد أنملة إلى الأمام، فلم يتم اتخاذ أي خطوة إيجابية، غير أنني أصبحت أستطيع التحدث معه في وجود الآخرين في أمور شتى وعامة، دون أن نتطرق إلى حياتنا القادمة، فهذا من شأن الكبار وليس من حقي، إلا أن أحلم، ولأن خطيبي لم يجد فرصة عمل بالمؤهل الدراسي الذي حصل عليه.
وحتى لا تفشل الخطبة التحق بالتعليم الجامعي، بحجة استكمال تعليمه ليجد وظيفة مناسبة، وشجعته على ذلك وتوليت الإنفاق عليه وتحملت كل مصروفات دراسته وإقامته في مدينة نائية وأنا سعيدة بأن أشاركه هذا الإنجاز، هو بمجهوده ومذاكرته وأنا بما أملك من أموال قليلة ليكون كل شيء بيننا مشتركا، نتعود على التعاون في جميع أمورنا، نحتمل أعباءنا معا، ونحل مشكلاتنا بأيدينا، أشعر بسعادة غامرة عندما يعود كل أسبوعين، أدفعه إلى الإنجاز الكبير، أقف خلفه لكي يبذل المزيد من الجهد من أجل تحقيق الهدف.
تحملت كل تكاليف دراسته الجامعية كاملة على مدى أربع سنوات إلا قليلا مما كان يساهم به هو من خلال عمله الصيفي الذي لم يتوقف في تلك الفترة، لكنه ينفق معظمه على ملابسه واحتياجاته الخاصة، ومع هذا فقد استطعت أن أدخر مبلغا لا بأس به يساهم في حياتنا المقبلة، حرمت نفسي من كل متعة وأعلنت التقشف ولم يطلب مني أبي شيئا من هذه الأموال، رغم أنني في بيته وتحت ولايته، بل شجعني على المضي في خطتي، وساعدني ووقف بجانبي بالنصيحة والمؤازرة، وعندما انتهى خطيبي من دراسته، كانت قد مضت فترة طويلة على إعلان الخطبة، وصلت إلى ست سنوات وبدأ الحديث يكثر عن موعد الزواج ومن حولنا يتساءلون عن سبب التأخير.
وتزايد الكلام في الموضوع، مما جعلني أتساءل: متى يتحقق هذا الحلم أو بعضه؟ ولم أجد جوابا، لكن طرح الموضوع على بساط البحث والمناقشة جعل الحلول تتوالى، ومنها أننا يمكن أن نتزوج وتكفينا غرفة في هذا البيت الكبير، نبدأ فيها وننطلق منها إلى الفضاء الفسيح ونبني مستقبلنا كما نريد، وكان هذا الحل هو الأمثل ولقي ترحيبا واسعا، وسعدت به فهو الخطوة الحقيقية الأولى.
لم يقدم عمي والد خطيبي كثيرا من المال، بل ساهم مساهمة بسيطة بجانب ما ادخرته وتحملت العبء الأكبر من نفقات هذه الزيجة، كما تحملت مصروفات تعليمه، ولا أحسب لأي شيء من هذا حسابا، فكل ما يدور برأسي أنه ابن عمي وحبيب عمري، وربما يعوضني عن معاناتي، لا من قبيل رد الدين، وإنما من قبيل الشراكة العاطفية التي بيننا.
وفي حفل بسيط استمر ساعات معدودة، تم الزفاف، كنت سعيدة بما لا أستطيع وصفه، يمكنني أن أقول إنني نسيت تعب السنين، ووجع الحرمان وألم العوز والحاجة وقرصات الجوع، وكان لزاما على زوجي أن يبحث عن وظيفة بمؤهله العالي، غير أنه كان يصطدم بواقع أليم مرير، لا توجد فرصة عمل، لا وظائف في أي مكان بالطبع، كانت صدمة لي وله بعد محاولات عديدة، فقدنا الأمل في هذا الباب، وبدأت آلام الحمل الأول تطاردني، وأثرت على عملي، لابد أن يبحث زوجي عن عمل أي عمل لتستمر حياتنا، وغادر إلى العاصمة، حيث الفرص متوفرة في مجالات شتى، وإن لم تكن وظائف ثابتة ودائمة.
عادت حياتي إلى ما كانت عليه، بل أسوأ، فقد أصبحت أعول طفلا له احتياجاته وأعباؤه وأصبح العام كله لزوجي غيابا بدلا من الصيف فقط في السنين الماضية، ولا يحضر إلا أياما معدودة على عجل ويزورنا وكأنه ترك خلفه المصانع والشركات، ولابد أن يعود إليها، رغم أنه لم يرسل لي شيئا خلال فترات غيابه إلا الفتات كلما تذكر أن له زوجة وابنا ولم يتغير الحال حتى بعد أن أنجبنا ثلاثة أبناء أصبحت أتحمل مسؤوليتهم وحدي وهو يتحجج بضيق ذات اليد وقلة الدخل أو انعدامه، يدعي أنه يأكل يوما ويجوع أياما وأنا أصدقه، وواصلت المشوار الذي بدأته بلا كلل أو ملل أو تذمر، راضية بما شاء الله، أملا في أن يأتي اليوم الذي نخرج فيه من السنين الكبيسة.
وجاءتني البشارة من بعض معارفنا، يزفون إليَّ النبأ السعيد، لقد حصل زوجي على فرصة عمل ممتازة ستعوضنا عما نحن فيه، وتحقق أحلامنا، وسنغرق في الأموال التي ستنهال على رؤوسنا أنهارا، ولم أتحقق من هذه المعلومات، فلا أعرف إن كانت صادقة أم كاذبة، إن كانت حقيقية أم وشاية لإفساد ما بيننا، لكنني أخذتها على أنها خير ساقه الله إلينا إن صحت الأخبار، ولا سبيل للتحقق منها بنفسي من زوجي؛ لأنه لم تكن هناك في تلك السنين الغابرة وسائل اتصالات مثل «الموبايل» ولا حتى الهاتف المنزلي، فربما تمضي شهور ولا أعرف عنه أي خبر وهو أيضا لا يدري أي شيء عما نحن فيه وأضفت إلى صبري مزيدا من الصبر إلى أن تظهر الرؤية جلية.
مات عمي والد زوجي، فجاء من سفره ولم يبق معنا إلا ثلاثة أيام، وكما اعتاد التعجل، سافر دون أن أستطيع معرفة حقيقة عمله الجديد، إذ لم يكن من اللائق أن أناقشه في أمر كهذا وهو في حالة حداد على أبيه، ولم أخل به كي أسأله ولو خلوت به ما سألته، فيجب أن يبادر هو بذلك، فأنا بحاجة ماسة إلى كلمة تطمئن قلبي مثل الغريق الذي يتشبث بقشة أو الظمآن الذي أوشك على الهلاك ويريد قطرة ماء، لكن الأخبار التي توالت أكدت في النهاية أن ذلك صحيح وأن آثار النعمة ظهرت عليه وبقدر ما سعدت، بقدر ما حزنت، فلم يكن لي ولا لأبنائه نصيب من هذا النعيم، وبحثت عن حجة ولو وهمية أتصبر بها، قلت: لعله يدخر الأموال لتأمين مستقبلنا وبناء بيت خاص بنا، بدلا من هذه الغرفة التي ضاقت بنا، لعله يؤمن مستقبل هؤلاء الصغار الذين التحقوا بالمدارس وازدادت مطالبهم، لكن لا أخفي أنني كنت أتوق إلى القليل الذي يشعرني بأنه يتذكرنا وأنه يعمل من أجلنا. وبعد طول صبر ومعاناة وانتظار وبعد ترقب وأمل جاءتني المكافأة ، الجائزة الكبرى. أتدرون ما هي؟ لقد رد إليَّ الجميل وصفعني ووجه إليَّ ضربة قاصمة لقد تزوج بأخرى، وضرتي مطلقة ولديها ثلاثة أطفال وامرأة لعوب التفت حوله وهو كالمسحور انساق لرغبته ونسى تضحياتي وألقى بي مع أول اختبار ورسب في الامتحان البسيط ولم أصدق كعادتي، مرضت لعدة أشهر وتدهورت صحتي وكدت أفقد حياتي حزنا وألما على هذه الخيانة، نعم هي خيانة لحبي وتضحياتي وعمري الذي أفنيته من أجله، وأنا أعمل وأنفق على تعليمه وعلى زواجنا وعلى أبنائه، فهذا كله واجب عليه تحملته عنه وكان هذا هو رد الجميل أن يأتيني بضرة وأولادها ليتحمل مسؤوليتهم ويهمل أبناءه.
شعرت بالعجز أمام هذا الخنجر المغروس في ظهري وعجزت عن التصرف، ولم أجد حلا يرضيني وتراجعت عن فكرة ترك الصغار له؛ لأنني متأكدة من أن ضياعهم هو النتيجة المؤكدة، ولم أجد غير الطلاق، فلا يجب أن أظل زوجة لخائن لا يعرف الوفاء بعد كل هذه السنين والتضحيات والعطاء الذي لم يتوقف، فأبنائي في كل الأحوال محرومون من أبيهم. ومازلت مصرة على قراري ولا أحد ممن حولي يشاركني الرأي لا بالرفض ولا القبول.

اقرأ أيضا