الاقتصادي

الاتحاد

الأسواق الناشئة تدشن مرحلة «الاعتماد على الذات»

حاويات تصدير في ميناء ريو دي جانيرو بالبرازيل

حاويات تصدير في ميناء ريو دي جانيرو بالبرازيل

تحول تركيز اهتمام العالم نحو واشنطن وأثينا في الوقت الذي تعاني فيه دول الاتحاد الأوروبي لإيجاد حلول لأزمة ديونها السيادية وأميركا من القلق الذي ينتابها جراء تنامي عجزها المالي. وتبرز التغييرات الاقتصادية طويلة الأجل والأكثر أهمية في أقصى الجنوب، بقيام شبكة تجارية تربط آسيا بأميركا اللاتينية ودول ناشئة أخرى.
ويبدو دليل هذا التغيير في النمط التجاري والاستثماري المُتبع في معظم الدول الناشئة. ومن أكثر الأمثلة وضوحاً ظهور باخرة الشحن “فيل برازيل” في ريودي جانيرو وهي فئة جديدة من بواخر “شايناماكس” والتي من المتوقع أن تقوم بشحن ما يقارب ضعف ما نقلته البواخر الأخرى في السابق من خام الحديد إلى الصين. وتمثل الباخرة الضخمة تجسيداً للزيادة التي يشهدها الحجم التجاري عبر المحيط الهادئ، حيث تسعى الاقتصادات الآسيوية التي تركز على الصادرات للحصول على موارد أميركا الجنوبية الطبيعية التي تتنوع بين النحاس في شيلي إلى الذهب في بيرو وفول الصويا في الأرجنتين.
وفي ورقة نشرها مؤخراً “مورجان ستانلي”، توقع البنك الاستثماري نمواً كبيراً في الطلب الصيني لسلسلة واسعة من السلع الزراعية الغذائية وغير الغذائية نظراً للانتعاش الاقتصادي الذي تعيشه الصين هذه الأيام. والطريق التجارية ليست ذات اتجاه واحد فقط، حيث تخطط كولومبيا الغنية بالفحم لإنشاء خط حديد بتمويل صيني يربط سواحل المحيط الهادئ بالأطلسي. كما تلاقي السلع الصينية والكورية الجنوبية شهرة واسعة في سانتياجو كما هو الحال في سان فرانسيسكو، حيث أصبحت بعض واردات السلع الصينية تفوق تلك القادمة من البرازيل والمكسيك.
وينتاب المستثمرون القلق الآن في كلا جانبي المحيط الهادئ نتيجة للمشاكل المالية التي تعاني منها الدول الأوروبية. وفي مسح أجرته مؤسسة “بي دبليو سي” للخدمات، ذكرت أن نحو ثلث شركات آسيا والمحيط الهادئ تأثرت بضعف وتيرة التعافي التي يمر بها الاقتصاد الأميركي في الوقت الحالي، كما ذكرت أن خمسها تقريباً طاله نفس التأثير من أوروبا.
ويقول المحللون إن مثل هذه المشاكل قصيرة الأجل ربما لا يكون لها تأثير كبير على مستقبل نمو تجارة آسيا والمحيط الهادئ على المدى البعيد، إلا في حالة انهيار اقتصادات الغرب بالكامل مصحوب بكساد اقتصادي مستمر. وذكر ويليام بويتر، كبير الاقتصاديين في بنك “سيتي جروب” في تقرير، أن الأنماط التجارية المتغيرة خلال الأربعين سنة المقبلة ليست بالكافية لإحداث تغيير كبير، حيث من المتوقع أن تحل دول آسيا الناشئة محل غرب أوروبا كأكبر منطقة تجارية في العالم بحلول العام 2025، على الرغم من أن حصتها من التجارة العالمية لم تتجاوز نصف نصيب غرب أوروبا في 2010. ويتوقع التقرير أن تتفوق الهند على أميركا وألمانيا على الرغم من أنها ليست ضمن قائمة أكبر 10 دول تجارية في العالم، لتصبح ثاني أكبر دولة تجارية بحلول العام 2050.
ويضيف التقرير أن أهمية الأسواق الناشئة ستزيد على صعيدي الصادر والوارد، وأن التجارة المتبادلة بين هذه الأسواق التي حققت ارتفاعاً في التجارة العالمية من 6% في العام 2000، إلى 15% في 2010، مهيأة لتبلغ 27% في 2030 ونحو 38% في 2050. والمحرك الفعلي لكل هذا النشاط هو النمو السريع في دول آسيا الناشئة، وذلك منذ الأزمة المالية الآسيوية في 1997 -98، عندما دفعت جملة من الإصلاحات الهيكلية في المنطقة بعجلة نموذج التنمية الذي يعتمد على الصادرات، يساعدها في ذلك انخفاض أسعار الفائدة في أسواق الغرب في ظل تراجع مخاوف التضخم. كما ارتفع الطلب الأسيوي للسلع من أفريقيا وأستراليا وأميركا اللاتينية.
ومع ذلك، هناك عقبات محتملة تقف في الطريق الحريري الجديد. وحتى في حالة السماح للاستهلاك المحلي بالنمو السريع، فإن معظم مقدرة الاقتصادات الناشئة على الاستمرار في النمو على المدى البعيد، تعتمد على مقدرتها على مزاولة التجارة. لكن تظل العقبات التجارية على قوتها بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة وفي ما بين الاقتصادات الناشئة نفسها. وتدرك مجموعة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ المعروفة باسم “أبيك” أبعاد هذه المشكلة حيث أشارت لعقبات الرسوم الجمركية الرسمية وإلى مشاكل ما وراء الحدود، المتمثلة في التعدي على حقوق الملكية الفكرية والفساد والتي تشكل عقبات حقيقية تعترض سبيل الوحدة التجارية في المنطقة.
ويُذكر أن دول آسيا الناشئة وقعت على أكثر من 100 اتفاقية تجارية ثنائية ومتعددة خلال العقد الماضي في محاولة منها تخفيف عقبات الحمائية الرسمية. ونتيجة لذلك، بلغ إجمالي الصادرات بين دول ساحل المحيط الهادئ في العام الماضي نحو 3,542 مليار دولار، حيث تم معظمها بين المجموعات شبه الإقليمية على كلا جانبي المحيط داخل أميركا الشمالية وشمال شرق و جنوب شرق آسيا.
ووفقاً لـ “مجلس التعاون الاقتصادي للمحيط الهادئ”، بلغت صادرات دول أميركا الجنوبية الواقعة على ساحل المحيط الهادئ إلى جميع دول آسيا الناشئة نحو 14 مليار دولار، بينما ذهبت 25 مليار في الاتجاه العكسي. والتزم قادة “أبيك” في مؤتمرهم الأخير في يوكوهاما باتخاذ خطوات ملموسة نحو إنشاء منطقة تجارة حرة تشمل دول آسيا والمحيط الهادئ، لجني أفضل الفوائد من الصفقات الثنائية الحالية.

نقلاً عن: «فاينانشيال تايمز»
ترجمة: حسونة الطيب

اقرأ أيضا

المحكمة العليا في المملكة المتحدة تعيّن حارساً قضائياً لـ «إن إم سي»