أرشيف دنيا

الاتحاد

مسيرة سيارات تنشر الفرح في ياس وتعزف سيمفونية حب للإمارات

تصوير: جاك جبور

تصوير: جاك جبور

المكان: جزيرة ياس.. الزمان: بعد ظهر الخميس الفائت، عشية اليوم الوطني لدولة الإمارات.. أما المشهد فعصي على الوصف.. أسطول لا متناه من السيارات، وقد جرى تزيينها بالأعلام وصور القادة الشيوخ تمخر عباب الشوارع الواسعة في الجزيرة الهادئة، التي صارت الآن محطة لأعذب أنواع الصخب، أشكال تعبيرية لا حصر لها تفتقت عنها موهبة التزويق حتى بدا الجميع متشابهين في رغبتهم بالتمايز، مثل ما بدا أن اختلاف الشكل مؤشر إلى تكامل الجوهر، فالمنظر واحد وإن تشعبت مكوناته، كما أن القلب واحد وإن تنوعت شرايينه، كذلك فإن الوطن واحد وإن تعددت جهاته، الجميع جاءوا من الوطن ليسيروا نحوه، رحلة في أرجاء الجسد الواحد، لفتة بين العين والعين، همسة تسكن المدى القابع بين شفتين تشغلهما أغنية في حب الإمارات.

في موازاة أرتال السيارات الزاحفة بانسياب محير تتراءى جحافل من الدراجات النارية الموشاة هي الأخرى بأعلام وصور، لم يكن تواضع حجم الدراجة سبباً أو ذريعة للامتناع عن تزيينها، دوماً هناك وسيلة للتعبير عن الحب والاحتفاء بمن نحبه، وهكذا لو كان لمسيرة ياس أن تتعرف بوصف لأمكن القول إنها منافسة حامية في حب الوطن، الكل شاء أن يتفرد في التعبير عن ذاك الإحساس المتقد في داخله حيال وطنه، والكل أمكنه أدراك وسيلة تقوده نحو التمايز المنشود، والكل حرص على أن يكون المشهد في ذروة الإدهاش.
تنظيم متقن
تدريجياً كانت السيارات المشاركة في المسيرة تتوافد إلى مكان الحدث، تتجمع في النقطة المخصصة لها بمحاذاة حلبة ياس، وكانت الأعلام العملاقة تتقدم كل مجموعة منها، ثم لا تلبث أن تنضم إلى السيل الهادر الذي أحسن المشرفون من رجال شرطة ومنظمين تنسيق مساراته، فأمكن للمسيرة المتصاعدة بصورة مستمرة، ومتواصلة أن تنساب دون أزمات سير، ودون تزاحم معطل، اجتازت السيارات بيسر إشارات ضوئية دون الالتزام بمعطيات ألوانها، وذلك لمرة نادرة الحدوث، لون الإشارة الأحمر بدا باهتاً مقارنة بتموجات ألوان العلم الإماراتي الذي اقترب من اللانهاية في عدده، إذا كان البحر هو ذلك المسطح المائي الذي لا يمكن حصر مكوناته عدداً، فإن جزيرة ياس في تلك الأمسية الضاجة فرحاً، والصاخبة لوناً، كانت بحراً لمركبات لا تشبه إلا نفسها.
داخل المسيرة كان المحتفون يبتكرون وسائلهم للاحتفاء بالمناسبة، وكان التجمهر فرصة لإطلاق ملكات التعبير بما يفاجئ حتى أصحابها، هنا يصير الواحد جزءاً من جماعة، يندمج معهم، يبحث عن ملامحه في وجوههم، تتكامل كلمته وحركته وسلوكه مع مثيلاتها الصادرة عنهم، ترى أليس هكذا تُبنى الأوطان وتعلو مداميكها وتشمخ حصونها؟
تكامل الموسيقى
ضاقت السيارات بركابها فاعتلوا السطوح ومن هناك راحوا يعرضون ويستعرضون، كانت الأغاني الوطنية تنبعث من أجهزة الصوت المختلفة، وكانت متجانسة وإن شابها اختلاف لم يدرك مرحلة التنافر، هي نوع من السيمفونية المرتجلة، حيث يمكن للحن يصدر من هنا أن يتكامل عفوياً مع آخر يصدر من هناك لتأخذ الموسيقى بعدها اللانهائي. بدا الجميع أبناء عائلة واحدة يحرصون على تبادل الود، كان منطقياً أن يتسابق العابرون إلى إلقاء التحيات ونثر التهاني في ما بينهم، وأن يتراشقوا بود ظاهر بألوان العلم تصدر عن قوارير معدنية خصصت للمناسبة، لم يجد الصغار صعوبة في كسر حواجز الرهبة مع كبار كانوا يظنونهم غرباء عنهم، لكنهم اكتشفوا في سياق مسيرة الفرح تلك أنهم بمثابة الأهل، وأن بوسعهم ممارسة التجرؤ العاطفي حيالهم، تماماً كما يفعلون حيال ذويهم.
أبواق السيارات كان لها وقع مغاير للمألوف، هي الآن تعبير عن فرح حقيقي، وتكاد أصواتها تنطوي على شيء من الموسيقى، هكذا إذن يمكن الزعم أن الوسيلة تعبر عما يعتمل في أفئدة مستخدميها، فصوت بوق يطلقه سائق حانق هو بالضرورة غيره عندما يصدر عن محتف بمناسبة غالية على قلبه، قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأسانيد النظرية، أما عملياً فهو حقيقي بقدر حقيقة أن مئات السيارات كانت تطلق أبواقها دفعة واحدة دون أن يتسبب ذلك بانزعاج أحد من الحاضرين.
الفضاء أيضاً
على الرصيف المحاذي لمسار المسيرة كان المشاة يتزاحمون لرؤية المشهد، وكانت حماستهم ظاهرة في التفاعل معه، لوحت الأيدي بحرارة، تصاعدت الصيحات الحماسية، بعضهم كان يصفق لا إرادياً لمنظر سيارة متقنة التزيين، وعلى مفاصل حيوية جرى توزيع أجهزة تتولى ضخ قصاصات صغيرة من الأوراق الملونة بلون علم الإمارات، تدريجياً راحت الألوان المتوزعة بين أبيض وأخضر وأحمر وأسود تنثال كمطر في ليلة شتاء دافئة، أما منظرها على الأرض فكان مذهلاً، بدا كما لو أن الدنيا بأكملها صارت بلون الوطن، وأن السماء مرآة تعكس الإمارات على صفحة وجهها الباسم.
بالحديث عن السماء فقد كانت هي الأخرى تمارس طقوس احتفائها باليوم الاستثنائي، إذ شهدت مع بداية المسيرة استعراضاً مميزاً لطائرة مدنية كانت تتلوى بين أيدي الزرقة الصافية، وتجوب الفضاء الذي بدا كما لو أنه كان ينتظرها، إذ خلت مساحته من أي كائن مهما كان، ثمة ما بوسع هذا الجسم المعدني العملاق أن يبوح به من علوه الشاهق «الأرض لنا والفضاء أيضاً.. وطن على الأرض وآخر في السماء». أما عندما اكتظت ياس بضيوفها فقد راحت طائرات مروحية تحوم فوق المكان ليتلقط من فيها صوراً للحدث المدهش، على الأرجح أن بريقه من فوق كان أكثر تألقاً، وهذا كان بالوسع تبيانه بسهولة في ملامح المتجمهرين على سطوح المباني المحيطة وشرفاتها، حيث ارتسمت على الوجوه مشاعر تقارب الذهول.
استعداد مسبق
في لحظة نادرة توقف فيها المسير، وأمكن خلالها لسائقي السيارات أن يغادروا سياراتهم، بدا عامر الشحي منهمكاً في أمر ما، هو اتجه مسرعاً نحو صندوق سيارته الخلفي ليحمل بضع قوارير تصدر منها خيوط ملونة، ويعطيها لفتاة كانت تقف على سطح سيارة محاذية لسيارته. نسأله إذا كانت ابنته، فيرد بالنفي «أنا لا أعرفها لكنني لاحظت أن القوارير نفذت منها، وكنت متشوقاً للوقوف حتى يسعني إمدادها ببعضها، فقد تحسبت لمثل هذا الأمر».
على محطة توقف ثانية، يقول سالم المنصوري إنه جهز للمسيرة جيداً بحيث لا ينقص الأبناء أي شيء من مستلزمات المشاركة، ويوضح مسرعاً «لم نأت إلى هنا لتمضية الوقت، هو يوم الوطن وعلى الجميع أن يحتفلوا به بكل ما تطاله أيديهم».
قرابة الساعتين من المسير كانت كافية لوصول السيارات نحو نفق ياس، بعضها اختار المغادرة وكثيرون اتجهوا نحو المسار نفسه مجدداً كما لو أنهم يرغبون في إعادة الكرة، انتهت المسيرة؟ الجواب المنصف لا يسعه أن يكون إيجابياً، فالمسيرة الحقة الواثقة مستمرة ومتواصلة، وإن قررت السيارات مغادرة ياس وتركها ترتع في هدوئها الأسطوري مجدداً.

اقرأ أيضا