أرشيف دنيا

الاتحاد

البحر والبر يتنافسان في إدهاش زوارهما

أجواء احتفالية يعيشها كورنيش أبوظبي

أجواء احتفالية يعيشها كورنيش أبوظبي

إنه السحر أو شيء يشبه السحر.. مساحة واسعة من كورنيش أبوظبي تحولت إلى معين لا ينضب من الإبهار، حيثما يممت وجهك على هذه البقعة المسورة بالمفاجأة ستجد حتماً ما يجعلك تحملق فيه مأخوذاً، دهشة لا تزيل مفعولها إلا دهشة أخرى، وهذا ما لا بد له أن يحصل عندما تكون الأرض أرض الإمارات واليوم يومها الوطني، وقد أدرك الأربعين من عمره المديد، محتفظاً بالكثير الكثير من حيويته ونشاطه وقدرته على التغلغل عميقاً في الوجدان.
خيمة التراث
منذ الخطوة الأولى تطالعك خيمة التراث، وقد خصص جانب كبير منها للطعام الإماراتي: سيدات بكامل اندفاعهن وحرصهن على نثر النكهة الرائعة في الأجواء اتخذن لهن أمكنة متقاربة، ورحن يطهين ما يكفي لدفع العابرين إلى التحلق حولهن، يحركهم شعور بالفضول في بداية الأمر، لا يلبث أن يتحول إلى إحساس حقيقي بالجوع، إنه شغف بما لا يسع المرء إدراكه في كل يوم، تمتد الأيدي، وتلتقط الصحون الورقية، ثم يتحول الموقف تلقائياً إلى طابور منتظم، الجميع ينشد تذوق اللقيمات الخارجة لتوها من مقلاة اتخذت لون الذهب، أو الحصول على وجبة تشي رائحتها بمقدار ما ينطوي عليه طعمها من لذة. في الجهة المقابلة من الخيمة يلفتك منظر سيدات يقبلن على صناعة الخوص والتلي بمهارة مدهشة، وبثقة فائقة بالنفس أيضاً، فيما وقفت على مقربة منهن مجموعة أخرى من عابرات الدرب يتطلعن بتمعن كما لو أنهن يحاولن فك الألغاز المحيطة بالعملية، وهي تبدو معقدة وبسيطة في آن واحد.
مزرعة عضوية
خطوات قليلة وسيطالعك مشهد لا يسعك تخطيه؛ مزرعة للأطعمة العضوية توزعت مساحتها بين النبات المتجذر في التربة، وبين الخيمة البلاستيكية الخضراء التي تسمح بالحصول على الثمرة المنشودة بالرغم من رعونة المناخ، وثمة أيضاً بيت للمزارع في آخر المطاف.
ويوضح صاحب المشروع خالد الشامسي أن ما نشهده هنا هو نموذج لمزرعة حقيقية أقامها سابقاً، وقد رأى في المناسبة فرصة لجعل الناس يتعرفون عليها مباشرة، والهدف هو الحصول على الطعام الخالي من الشوائب والإضافات، غذاء صحي روعي في استخراجه أحدث قوانين الإنتاج الصحي، كما تطبق في أرقى دول العالم. بفضل هذا النمط من الإنتاج، الذي يتوقع له أن يشهد انتشاراً وتطوراً في الدولة خلال فترة قريبة مقبلة، لن تعود الإمارات بحاجة لاستيراد حاجياتها من الأغذية العضوية، وسيكون الإنتاج المحلي كافياً لينعم الجميع بغذاء مستوف للشروط الصحية الضرورية. في الجهة المقابلة للمزرعة يقف عبد الشكور البلوشي، وهو من العاملين فيها كما سيخبرنا، ليقدم عصير القصب للعابرين، وقد تجمهروا حوله بأعداد تفوق المتوقع. يقول البلوشي متباهياً «هذا القصب مزروع في الإمارات، في حين أن آلة العصير مستوردة، حيث لم تعرفها الدولة سابقاً لعدم وجود مواد أولية، وهي المرة الأولى التي يسعنا فيها تذوق عصير القصب الإماراتي».
قارعو الطبول
ثمة ضجة محببة تلفتك: على الجهة اليمنى من موقعك الحالي هناك قرع منسق للطبول، وبوقوفك بمحاذاة الحلقة المستديرة ستكتشف بعضاً من مجريات اللعبة، مجموعة متحلقة في دائرة واسعة تضرب بإيقاع منتظم على طبول متوسطة الحجم، فيخرج الصوت متناغماً، قليل من التمعن سيتيح لك مزيداً من الإلمام بحقيقة ما يجري: عدد المحترفين من جماعة الحلقة ضئيل جداً مقارنة بالآخرين ممن استهوتهم اللعبة، وهم متفرجون في الأساس، هل العملية من السهولة بحيث يمكن لمن يرغب في إنجازها دون جهد؟ أم أن الطريقة التي يضبط عبرها المحترفون إيقاعاتهم تحرض المبتدئين لا إرادياً على الانسجام؟ سؤال تملك أن تطرحه لكنك لا يسعك أن تحظى بإجابة مقنعة عليه، فمن يستطيعون الإجابة مشغولون الآن بما هو أهم منها، وأكثر راهنية. ليست اليابسة وحدها ما يسعها أن تحمل لك الإبهار في هذه الليلة المنعشة، البحر أيضاً يمتلك وسائل دهشته، وها هي الأضواء تنبعث من جوفه معلنة عن شيء ما، تقترب من مصدر الضوء لتجد حشداً جماهيرياً هائلاً، لعله الأكبر بين الحشود المتوزعة على أمكنة شتى، إنه مزيج من الألعاب الضوئية والصوتية تتكامل مكوناتها في جذب الاهتمام، أما عن مصدرها وطريقة عملها، فالأفضل لك أن تظن خيراً، ولا تسأل عن السبب.
مفترق طرق
هنا أنت على مفترق طرق: بوسعك أن تمضي في طريقك الرملي نحو مزيد من الحشود المتحلقة لترضي فضولك النهم، وتعرف الأسباب التي حدت بهذه الجموع لأن تقف مصوبة نظراتها في اتجاه واحد.. لكن ثمة مشهد يناديك في الجهة المقابلة: رجل يرتدي ثياب نجم الكوميديا التاريخي شارلي شابلن، يحمل عصاه التقليدية، ويعتمر قبعته الشهيرة، يقف على مرتفع من المكان محاطاً بمجموعة من الناس ترقبه كيف يتحرك ببطء لا متناه، كما لو أنه تمثال حجري يدور في غفلة عن صانعيه. اللون البرونزي للرجل التمثال يمنحه مزيداً من الصلادة، لا بد من التمعن جيداً في المنظر، فالأمر محير أيا يكن التفسير: إذا كان ما تراه رجلاً حقيقاً فذلك مبعث على الدهشة، أو كان اختراعاً تقنياً فالدهشة أكبر بلا شك. ما يزيد الأمر تعقيداً أن المتفرجين لا يمارسون فرجتهم بالحياد المألوف، هم يحاولون إخراج هدفهم البرونزي عن مساره المقرر عبر حركات من أيديهم الملوحة حوله، لكن ذلك لم يكن ليجدي.
عروض متجولة
ثمة أنشطة ضمن الفعاليات المقررة لا تنتظرك لتأتي إليها، بل هي تقتحم عليك مسيرك فجأة لترسم على ملامح؛ علامات الاستفهام، هي بعض ما أدرج تحت خانة العروض المتجولة: رجل وامرأتان يسيرون فوق عصي عملاقة فيغدون أقرب إلى أعمدة ضوئية متجولة، هم لا يقبلون التجاهل، وإذا آنسوا منك شيئاً مماثلاً، فسيعمدون إلى محاولة قطع طريقك، محاولين إرباكك، ومعلنين أنهم لم يكلفوا أنفسهم هذا العناء لتمر بمحاذاتهم كما لو أنك لا تراهم.
والمشهد يتسع ليكشف عن عروض نارية، حلقات من النار تتسع تدريجياً حتى يستعصي النظر خارج دائرتها، وبمحاذاتها فرق موسيقية راقصة تقدم عروضاً محترفة، وتلقى قبول معجبين ينحازون لها في الفطرة. ومن ينشد بعض الهدوء بوسعه أن يمضي بعض وقته متأملاً في لوحات قماشية تخرج متقنة الصياغة من بين أيدي صانعيها، أو يتمعن في لوحات للخط العربي يجري العمل عليها مباشرة، وربما أمكنه أن يسلس قياده لرسام كاريكاتوري كي يمنحه لوحة مقنعة لوجهه، وإن كانت تنطوي على قدر من السخرية.
«ليلة مؤنسة»، هكذا تصف أم عبدالله أمسيتها في رحاب فعاليات اليوم الوطني على كورنيش أبوظبي، وتوضح أنها معجبة بالبراعة التي تصوغ من خلالها سيدات الخوص والتلي أعمالهن، أنه أسلوب السهل الممتنع، تقول، وتضيف «حاولت أن أتعلمه، وليست المرة الأولى، لكنني لم أوفق حتى اليوم». أما ناديا أبوحسنة فتصف الموقف بالرائع، وهو لشدة روعته لا يتيح التمييز بين فعالية وأخرى، كل الأنشطة مصاغة بأسلوب ينطوي على الكثير من الإبداع، سيكون من الظلم تفضيل موقف على آخر.

اقرأ أيضا