أرشيف دنيا

الاتحاد

الفهيم: كنا نحاول تقليد زايد كمقاتل مقدام وشجاع عندما كنا نلعب «لعبة الحرب»

مشهد من شارع حمدان قديماً

مشهد من شارع حمدان قديماً

« أَسَرتني دائماً حكايات أبي وأعمامي عن المآسي والمحن التي تعرضوا لها، وعن النجاحات أوالانتصارات التي ذاقوا طعمها، وفي الوقت الذي كانوا يسردون لي فيه قصصهم وتجاربهم، كنت أعيش هذه التجارب في خيالي. تطور هذا الشعور لديّ إلى اهتمام حقيقي بتاريخ شعبي، ورغم أنني قرأت الكثير من الكتب عن تاريخ الإمارات، إلا أنني لم أعثر على شيء يشبه تلك القصص، ففي الوقت الذي كان هناك تسجيل حقيقي للأحداث التاريخية، إلا أنه لم يكتب إلا القليل عن شعب أبوظبي والإمارات وكفاحه البطولي ضد الطبيعة القاسية والجوع والفقر والحرمان وتصميمه وعزمه الثابت على مواجهة الأوقات الصعبة، لقد عايشت فترة مفصلية شهدت ميلاد الكيان العملاق لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتحولات والتطورات الجذرية والإنجازات العملاقة في جميع مناحي الحياة طيلة العقود الأربعة الأخيرة من عمر أبوظبي والإمارات».

بهذه الكلمات حاول رجل الأعمال الشهير محمد عبدالجليل الفهيم، استرجاع تفاصيل ذكريات أيامه ونشأته الأولى أيام الطفولة، وقد أمضى عدة سنوات في قصر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ عندما كان حاكما للعين وتوابعها، وقد قضى والده ما يقرب من أربعين عاماً، وهو يعمل ويسافر ويرافق المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه. الفهيم، يتذكر بعضاً من مشاهد تلك الحقبة الخصبة، كما عاشها ولامسها وعرفها من والده، ويقول:
«ولدت عام 1948، في واحة العين، في بيئة بسيطة، ومجتمع يفتقر إلى كافة سبل الرعاية الصحية والتعليمية، أو حتى مرافق الحياة الأساسية، وغالباً ما كانت الأسرة تقضي شهور الشتاء في أبوظبي، وشهور الصيف في العين، متنقلة بالاعتماد على ركوب الجمال، لعدم وجود سيارات أو طرق ممهدة في وقتها».
مرحلة الطفولة
يعود الفهيم بذكرياته إلى طفولته الأولى، وما تحمله من ذكريات حفرت في الذاكرة، ويقول «عرفت المغفور له الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ منذ أن كنت صبياً صغيراً، وذكرياتي عنه تعود إلى بداية الخمسينيات عندما بدأت أتعرف على الناس من حولي وأفهم علاقتهم بي وبأهلي، لقد كبرنا في ظله ـ طيب الله ثراه ـ، فأينما كان يتجه كان والدي يتبعه ويرافقه، وكنا دائماً قريبين منه بسبب هذه العلاقة الأخوية المتينة، فإن بنى بيتاً، كان يطلب من والدي أن يبني بيتاً قريباً منه حتى يمكن له استدعاؤه لمشاطرته الرأي عند الضرورة، وحينما كنا نعيش في»المويجعي»ـ تلك القرية الصغيرة قرب العين ـ كان يزورنا بانتظام، ورغم أنني كنت أعيش مع ابنه ـ صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، في القصر، كنت أتردد بالطبع على بيتنا، وكثيراً ما يصادف وجود المغفور له الشيخ زايد عندنا، وفي مجلسنا سرعان ما كان ينضم إليه والدي وأعمامي وجيراننا، وكان يقضي ساعات المساء بصحبة أصدقائه ومستشاريه لتبادل الرأي ومناقشة الأحداث العامة، وبدا لي وقتئذ أنه ـ رحمة الله عليه ـ موجوداً في كل مكان أتوجه إليه، في المجلس، وفي القصر، وتحت ظلال أشجار النخيل، ولم نكن نراه بمفرده أبداً، وفهمت لاحقاً أن حبه الكبير لأبوظبي وشعبها، هو الذي كان يشغله في محادثات ولقاءات ومداولات دائمة. كانت تلك الأمسيات هي وقت راحته، بعد أن يكون قد استقبل الناس من القرى المتناثرة والقبائل في مجلسه بالقصر طيلة اليوم، فقد كانت تلك الأمسيات هي بعض الراحة التي يحتاجها بعيداً عن تلك المسؤوليات والأعباء الملقاة على عاتقه. فقد كان المغفور له رجلاً ذا مهابة، شجاعاً وقوياً، وكانت شخصيته تتجلى في كل تصرفاته، من الثقة التي كان يحمل بندقيته بها، إلى الطريقة التي كان يلف بها حزام الرصاص حول جسمه، ومهارته في ركوب حصانه الأبيض الرائع، لقد كان يستقطب احترام وانتباه من حوله بقوة شخصيته، وقد عمل جاهداً على استمرار الاتصال بسكان المنطقة حول العين، وبقية أنحاء المشيخة يساعدهم في حل مشاكلهم، لذلك كان دائم السفر، وكان والدي يرافقه في معظم الأحوال مع رفاقه الآخرين في رحلات الصيد، أو عند زيارة القبائل المجاورة، وتسوية النزاعات القبلية، أو لقاء الأشخاص المهمين».
ثقة كبيرة
يستطرد الفهيم «كان المغفور له الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ يحرص على أن يزور مدرسة تعليم القرآن من حين إلى آخر، وكان والدي يرافقه عادة، وعندما جاء إلى أبوظبي كان يطلب من والدي مرافقته لزيارة العين حتى يكون له مرافقاً، وكان يعتبره المسؤول المشرف على العين، وحافظ وأمين لسره، وكان قد وكّل إليه مسؤولية الإمداد والأكل والمؤونة في العين والمويجعي، وكان يوكله نيابة عنه لثقة فيه لتفقد أحوال الرعية والناس، خاصة في المويجعي، عندما كان يخرج في رحلة للقنص». يكمل الفهيم «كان المغفور له الشيخ زايد، معروفاً للجميع وكانت سيرته كرجل حكيم وكريم وعادل على لسان الجميع، فكان يعطي أي شيء وكل شيء لديه، ويترك أثراً إيجابيا راسخاً لدى كل من يقابله، ولم يكن يتعب أبداً من لقاء العائلات حوله، وكان رجلاً يتمتع بقدر هائل من العمق الإنساني، ومخلصاً لعائلته وحساساً للغاية بمشاعر من حوله، وكان دائماً يضع نفسه في موضع الذين يقابلهم، وخصوصاً إذا كانوا محتاجين إليه، ثم يساعدهم قدر استطاعته، لقد كان بمثابة الوالد لي ولعائلتي، كان ودوداً وكريماً جداً».
ويقول الفهيم «لما كنا صغاراً كنا ننظر إليه بإكبار دائماً ونحاول تقليده، وحينما كنا نلعب «لعبة الحرب»، كان كل منا يلعب دوره كمقاتل مقدام وشجاع، كان قوياً وشجاعاً بمقدار ما كان لطيفاً ومتعاطفاً، وخصوصاً مع الأطفال الذين يكن لهم حباً خاصاً، وكان يلاطفهم حين يراهم ويسألهم عن أسمائهم ويتحدث إليهم، وحينما كنت وإخوتي صغاراً، كنا نشعر بحبه لنا، ونكن له من الحب والاحترام والولاء الكثير، ولم نشعر بالخوف منه، فقد كان دائماً يعاملنا بلطف وود ورعاية، وحينما كبرت قليلاً كنت أحرص على زيارته في مجلسه بعد الظهر بقصره في أبوظبي، فقد كنت شغوفاً بالاستماع والإصغاء إليه وهو يتحدث عن الأحداث التاريخية والأمور المعاصرة، وكان ـ طيب الله ثراه ـ ماهراً في إسداء النصح والتوجيهات التي استفدت منها منذ طفولتي، وكان يتجنب توجيه النصح أو الإرشادات إلى شخص واحد، لكنه كان يخاطب الجميع في المجلس، بحيث يكون بوسع الجميع الاستماع والاستفادة من حكمته».
وفي الوقت الذي كان فيه يضطلع بدور مهم في الحياة اليومية للسكان، فقد كانت له يد طولى في وضع الأمور في نصابها لتشكل نسيج تاريخنا الحديث، وخلال الخمسينيات انشغل المغفور له بالمشاكل الحدودية، وأمور السيادة على المنطقة، بحيث لم يكن يقيم في مكان واحد أكثر من يومين، وساهم في تجميع القبائل حول حكم أبوظبي، في الوقت الذي كانت فيه هذه القبائل بحاجة إلى دعم مادي، ولم تكن لديه الموارد المالية لمساعدتهم، لكنه كان قادراً على كسب تأييدهم بقوة شخصيته وإرادته».
تطور الأحداث
يشير الفهيم إلى الفترة ما بين عامي 1950و1971، ويقول «مع التطور المحدود الذي حدث في أبوظبي في تلك الفترة، كان المغفور له يرسل الوالد كمندوب عنه إلى شيوخ وتجار دبي للتواصل معهم وبحث جلب الإمدادات التي تحتاجها منطقة العين، لأنه لم يكن هناك محلات ولا وكالات تجارية في تلك الأوقات. وكان يتصرف كوزير مالية وتجارة وتموين وحفظ الحسابات في ذلك الوقت.
وبمرور الوقت ومع بداية عمل الشركات البريطانية، أخذت ترسل مندوبين إليها للتشاور في المواضيع الإدارية والتجارية، وكان والدي يقوم بعمل الحاكم «حافظ السر»، والمفاوض مع الجانب البريطاني وكان يحظى بمعرفة وعلاقات طيبة مع المندوبين السامين في أبوظبي. ومن بداية الستينيات حتى 1971 شهدت البلاد بعض التطور، وكان المغفور له يتفاوض مع الشركات البترولية والتجارية برفقة والدي، وكثيراً ما كانت تتم المباحثات التجارية في محل قطع غيار السيارات في منطقة السوق المركزي القديم الذي افتتحه والدي في أبوظبي أو في منزلنا في كثير من الأحيان.
خلال هذه الفترة كان رحمة الله عليه يتواصل مع المسؤولين والمندوبين من الحكومة البريطانية ومع حكام المنطقة الخليجية، وكان يحب الحركة والتنقل والتجوال بين الناس أينما حل ويحضر مناسباتهم باستمرار وكان يتمتع بعلاقات واسعة ويبدي رأيه في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالسياسة أو التجارة أو غيرها من شؤون الحياة ويحرص أن يحل ويتدخل في تفاصيل حياة الناس ويشاركهم همومهم ومشاكلهم ويحرص على حلها».
إرهاصات
لا ينسى الفطيم، تلك الفترة التي شهدت إعادة تخطيط مدينة أبوظبي، ففي عام 1966 عُين والده في لجنة التعويضات التي عوَّضت المواطنين عن بيوتهم التي أُزيلت بسبب أول إعادة تخطيط لمدينة أبوظبي، ثم عينه في أول مجلس بلدي، مما أتاح له أن يلعب دوراً مؤثراً في تأسيس الدولة، فقد كان حلقة الوصل بين المواطنين والشيخ زايد عندما كثُرت مسؤولياته ومشاغله وكان لسان حاله وكثيراً ما كان يقوم بتكليفاته المباشرة، وكانت كلمته بمثابة رسالة من الشيخ زايد، وكانت تحظى بثقة كبيرة بين الناس. وفي عام 1968 بدأ المغفور له الشيخ زايد في التحرك لتأسيس دولة الاتحاد وشهدت هذه الفترة تحركات مكثفة في اتجاه حكام الإمارات الأخرى، وكثيراً ما كان والدي حلقة وصل بينه وبين حكام الإمارات في التواصل معهم عندما كانت المباحثات واللقاءات تتم بشكل غير معلن في الخوانيج في دبي مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي أو الشيخ أحمد المعلا حاكم بن سعيد أم القيوين أو الشيخ خالد القاسمي حاكم الشارقة، وكثيراً ما كانوا يلتقون على موائد غداء في تلك الفترة التي شهدت إرهاصات لتأسيس دولة الاتحاد.
ميلاد شعب ودولة
يحاول الفهيم أن يصور المناخ الذي شهدت فيه البلاد ميلاد شعب ودولة أعادت رسم خريطة منطقة الخليج العربي، والأمة العربية بأسرها، ويقول:«ان انسحاب البريطانيين من الإمارات المتصالحة كان يعني تركها دون مظلة للحماية التي منعت الاعتداءات الخارجية على المنطقة الساحلية منذ عام 1892، مما فتح الباب بالبلدان المجاورة للمطالبة بأقاليم تابعة لنا، وسرعان ما أدرك المغفور له الشيخ زايد رحمه الله الخطر فاقترح أن تشكل الإمارات المتصالحة اتحاد يمنع الدول المجاورة الكبيرة من ابتلاع واحدة أو أكثر من المشيخات الموجودة، ولم ينجح البريطانيون في اقناع الحكام بالوحدة، ووقع عبء لم الشمل على عاتقه طيب الله ثراه، فكان يواجه مهمة عسيرة للغاية في إقناعهم بالاتحاد إلا أنه تمكن مع المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي في حل مسألة الحدود، ووضع آلية للاتحاد، وواصلا جهودهما مع الحكام الآخرين لوضع اللبنة الأولى للاتحاد، وعمل دون كلل أو ملل ليلاً ونهاراً وكان يسافر من أقصى البلاد إلى أقصاها ويجتمع مع الحكام فرادى لإيجاد صيغة مقبولة وحل كل الخلافات العالقة، وكنا في أبوظبي مشغولين بعملية البناء والتطور وبناء البنية التحتية، وكان الناس متشككين في إمكانية نجاح تلك الجهود؛ نظراً للأجواء العربية التي كانت سائدة إثر فشل الوحدة بين مصر وسوريا، وتشكيك الإنجليز في نجاح الاتحاد، لكن الناس كان لديهم ثقة كبيرة وأمل يعولون عليه في حكمة وقدرة وصلابة إرادة المغفور له الشيخ زايد، وجهد إخوانه الحكام، في تحقيق الحلم الكبير. فبعد سنتين ونصف تقريباً من الجهد الشاق ألهَم الله الشيوخ والحكام بما هو صواب، وكان ميلاد الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971، وأطل فجر جديد لولادة دولة فتية استطاعت أن تواجه تحديات عديدة، وتحقق إنجازات غير مسبوقة نجني ثمارها اليوم وغداً».



شارع حمدان
في ستينيات القرن الماضي، كان والدي قد كلفني في البداية بمسؤولية محل قطع غيار السيارات الذي كان قد افتتحه قبل عدة سنوات، وحين توليت إدارة المحل كان والدي قد أبرم فعلياً بعض اتفاقيات الوكالات مع سيارات مرسيدس بنز، وكرايزلر، وإطارات ميشلان، وفايرستون، والزيوت والمنتجات البترولية مع شركة شل البريطانية وهوكر سيدلي وان سي آر وبي اي سي سي، وهي شركة كابلات بريطانية معروفة، كما افتتح وكالة سفر صغيرة كانت هي وكيل المبيعات العام لخطوط طيران الشرق الأوسط، وسرعان ما غدت وكيلاً للخطوط الجوية السويسرية، وكانت تلك الاتفاقية التي أكملتها أنا في أوائل أيامي مع الشركة،
وبالاضافة إلى ذلك فقد بنى ستة محلات صغيرة لممارسة أعمال مختلفة في شارع حمدان، الذي أمر المغفور له الشيخ زايد ببنائه عام 1961، وكان يحده صف من المحلات الصغيرة والمساكن على كلا الجانبين، ولم نحلم وقتئذ أبداً أن هذا الشارع سيتحول خلال أقل من خمس وعشرين سنة إلى مركز تجاري وسكني للمدينة تصطف على جانبيه الأبنية الشاهقة والفنادق.

اقرأ أيضا