صحيفة الاتحاد

ألوان

«الفنون الشعبية الإماراتية».. بهجة تفوح منها رائحة الماضي

أحمد السعداوي (أبوظبي)

تضفي عروض الفنون الشعبية الإماراتية التي انتشرت في ساحات مهرجان الشيخ زايد التراثي منذ انطلاقه في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، أجواء فولكلورية رائعة على الحدث التراثي الضخم الذي تشهده منطقة الوثبة بأبوظبي، وكانت واحدة من أهم أسباب زيادة أعداد زوار المهرجان بشكل لافت لمتابعة ألوان مختلفة للفنون وأهازيج شعبية إماراتية مرتبطة بمختلف المناسبات الاجتماعية والوطنية في الإمارات منذ أزمنة بعيدة، ولا تزال تقدم بطريقة الأقدمين نفسها، ومن أبرز هذه الفنون: العيالة والحربية والتي تقدم على وقع أنغام تراثية عريقة وشلّات شعرية تتغنى بحب الوطن والولاء للقيادة التي قدمت كل الخير لشعبها، فبادلها حباً بحب.

ويحرص أبناء هذا الوطن على تقديم هذا اللون من الأهازيج في كل الفعاليات التي تشهدها الدولة ومنها، مهرجان الشيخ زايد التراثي التي ينتهي في الثاني عشر من ديسمبر الحالي، في تجسيد حي للاعتزاز بماضي الأقدمين، ورفع التراث عالياً ليكون تاجاً فوق الرؤوس تفتخر به كل الأجيال.

تناغم راق
توزعت الفرق الشعبية لأبناء الإمارات في ساحات المهرجان وزينت جنباته، باستعراضاتهم الفنية ذات التناغم الراقي بين المؤدين، التي ازدادت ألقاً بارتدائهم الأزياء التراثية الجميلة بلونها الأبيض الناصع، مقدمين إلى الأعداد الكبيرة من الجمهور التي امتلأت به أرجاء المهرجان، أنماطاً من الفنون والموسيقى الإماراتية تعكس ثراء الموروث المحلي الإماراتي الذي يتم تناقله عبر السنين حتى أيامنا هذه في إطار من الجاذبية والإبهار بفضل التنظيم الرائع للمهرجان التراثي الضخم الذي يحمل اسم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لكونه الراعي الأول للتراث والتاريخ الإماراتي الذي أرسى قواعد احترام وتقدير هذا الإرث الغالي في نفوس كل أبناء الإمارات.
يقول خميس المقبالي، مؤسس فرقة خميس المقبالي الحربية، إن مشاركته في مهرجان الشيخ زايد التراثي مهمة وطنية، يفخر بالقيام بها من أجل التعريف بتراث بلده، وإنجاح مهرجان يحمل اسم «زايد»، مشيراً إلى أنه وبقية أعضاء الفرقة الـ25، منذ اليوم الأول للمهرجان يقدمون أربع فقرات يومياً يعملون من خلالها على تعريف جمهور المهرجان بهذا اللون من الفن الشعبي الإماراتي، الذي نستخدمه في كافة مناسباتنا الاجتماعية من أعراس وغيرها، كما نزهو بتقديمها في الفعاليات التراثية المختلفة سيراً على نهج القائد المؤسس، حفاظاً على موروثنا وملامح ثقافتنا، كما نعمل على توصيل رسائل واضحة تحكي تاريخنا وثقافتنا إلى الأجيال الجديدة من أبناء الإمارات أو السائحين الذين ازدادت أعدادهم بشكل لافت في المهرجانات التراثية وغيرها من الفعاليات التي تنظمها الدولة، وهو ما يعكس نجاح مجهودات التعريف بالإرث المحلي للمجتمع الإماراتي، وإحداث حالة من الشغف لدى الآخرين للتعرف إلى ملامح هذا التراث واكتشاف أسراره.

تشجيع الشباب
ويلفت المقبالي إلى أن من الأهداف التي يتطلع إلى تحقيقها من وراء فن الحربية برفقة زملائه، تشجيع الشباب والأجيال الصاعدة على ممارسة هذا الفن الإماراتي الخالص، الذي يستخدم أبياتاً شعرية «شلّات» متنوعة تتناسب مع كل مناسبة تقدم فيها الحربية، التي تعتمد في إيقاعها بشكل رئيس على الصفوف المتراصة للعارضين مع تحريك «عصا الخيزران» التي يحملوها بشكل إيقاعي متناغم مع حركات الرأس المائلة إلى الأمام قليلاً، حيث يتقدمهم أحد الشعراء ليلقي ما لديه من أبيات من الشعر النبطي المعروف لدى أهل الخليج وسكان بعض المناطق الصحراوية في العالم العربي، غير أن عروض الحربية تعتمد على الشلات الإماراتية فقط، لافتاً إلى أن الحربية الأصيلة تعتمد على الشعر الذي يأتي بشكل تلقائي وليد اللحظة خلال تقديم فن الحربية مباشرة أمام الجمهور
وعن فنون العيالة، يقول الشاعر عوض خليفة علي العزاني، مسؤول فرقة خير بن الحاي الكويتي للعيالة، إن الفرقة قدمت أنماطاً مبهرة من فنون العيالة على مدى أيام المهرجان بشكل يومي من الساعة الثالثة عصراً وحتى العاشرة مساءً، من خلال 80 من أبناء الإمارات وهم عدد أعضاء الفرقة، بحيث يتم تنظيمهم واختيار مجموعات منهم لتقديم العروض المختلفة.

أنواع الطبول
وبين العزاني، أن العيالة تعتمد على أنواع معينة من الطبول هي التي تحدد الأنغام التي تؤدى بها العيالة، ولا تختلط بها أي آلات موسيقية أخرى، وقال: تقدم العيالة في المناسبات الوطنية والمجتمعية كافة، ومنها الأعراس والمناسبات الخاصة، وفنون العيالة ليست بها أي نوع من أنواع الموسيقى، ولم يكن تستخدم سوى الأشعار القديمة فقط لها، ولكن حديثاً بدأ الكثير من عارضي العيالة في الاستعانة بأبيات شعرية لشعراء معاصرين ويختارون منها بعض الشلّات التي يمكن أن تؤدى بشكل يرضي ذائقة الجمهور خلال الفعاليات المختلفة. أما الشلّات الأصيلة القديمة التي تؤدى بها فنون العيالة فهي شلّات نجدية قادمة من السعودية، ولكن الآن بدأ يتم اقتباس بعض القصائد التي يمكن أن تناسب فن العيالة فيتم الاستعانة بها، وهذا التجديد لاقى قبولاً من كثير من متابعي فن العيالة، ولكن يستلزم الحذر والحرص عند انتقاء الشلّات الشعرية الحديثة حتى تضيف إلى رصيد مقدمي هذا النوع من الفن.
وأكد مسؤول الفرقة أن فن العيالة الإماراتي صار فناً عالمياً بعد إدراجه رسمياً ضمن التراث غير المادي للبشرية في نوفمبر عام 2011، وهذا الإنجاز يسهم في حفظ هذا النمط التراثي الفريد الذي تركه لنا الآباء والأجداد، ويجعلنا أكثر تمسكاً بكل ما تركه لنا الأقدمون من عادات وتقاليد ومفردات تراثية غالية اعتمدوا عليها بشكل أساسي في تسيير أمور حياتهم على أرض الإمارات على مدى أزمنة طويلة.
ويشرح، أن كلمة العيالة يقصد بها الاصطفاف في مواجهة الأعداء، وكل صف يبلغ عدد أفراده من 15 إلى 20 مؤدياً إلى جانب اليوّيلة «لاعبي اليولة»، الذين يحيطون بعازفي الإيقاع، الذين ينتشرون في المنطقة الوسطى بين الصفين المتقابلين من راقصي العيالة، والعازف المتحكم في الإيقاع يسمى «الرأس» ويكون ممسكاً بـ «الكاسر» (وهي أصغر طبلة مستخدمة في العرض)، لافتاً إلى وجوب تعريض الدفوف والطبول المستخدمة على النار فترة قليلة من الوقت قبل العرض حتى تعطي الصوت المطلوب منها، وأنواع الطبول المستخدمة هي الرحماني «الطبلة الكبيرة»، والسماع «الدف»، والكاسر «الرأس» وهي طبلة صغيرة التي تضرب بالعصا. والشاعر في العيالة يسمى «المُبلّغ» لأنه ينقل الشعر فقط ولا يؤلفه، بحيث ينقله الشلّات من الصف إلى الصف الذي يقابله.

مهمة كبيرة
ولفت العزاني إلى أنه يمارس فنون العيالة منذ طفولته ورثها عن والده الذي كان يقدم فنون العيالة منذ سبعينيات القرن الماضي، ويسعى بدوره إلى نقل ما يعرفه عن فنون العيالة إلى غيره من أبناء الإمارات وهو يرى أنها مهمة كبيرة أن يسهم بجزء ولو بسيط في حفظ تراث الآباء والأجداد، خاصة في ظل الدعم الكبير الذي يلقاه التراث والفنون الشعبية بأنواعها من المسؤولين وأولي الأمر الذين لا يقصرون أبداً في مساندة كل ما يتعلق بتاريخ وتراث الإمارات، ومهرجان الشيخ زايد التراثي ثمرة واضحة على هذا الاهتمام البالغ، وإبقاء التراث والعادات والتقاليد على مكانتها العالية في نفوس أبناء الإمارات وأشقائهم من الشعوب الأخرى الذين صاروا يعرفون الكثير عن الإمارات وأهلها وتاريخها بفضل هذه الفعاليات والمهرجانات التراثية الكبرى التي تشهدها الإمارات على مدار العام.
ويلفت إلى شعوره بالفخر حين يرى تجاوب الكثيرين مع ما يقدمه من فن إماراتي أصيل أمام كل هذا الكم من الأهالي والناس، ويقول : بعض هؤلاء الناس يقوم بمناقشتنا حول بعض ما نقدمه ويقدمون لنا نصائح أو انتقادات بسيطة وهذا يشعرنا بالفرح بمدى تجاوبهم مع ما نطرحه عليهم بوصفي «راعي عيالة»، لأنها فن عريق منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبعد نجاح أبناء الإمارات في إدراجها ضمن التراث المعنوي للبشرية وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة «اليونسكو»، وطالبنا بتدريسها في المدارس نظراً لأهمية هذا الفن الأصيل في الإمارات والمنطقة وحصوله على تقدير عالمي، وإقبال جماهيري منقطع النظير في كافة الفعاليات التراثية الإماراتية التي تنظم محلياً وعالمياً.

عرس كبير
إبراهيم سالم الجابري، يقول إن الفنون الشعبية الإماراتية سواء كانت الحربية أو العيالة، نجحت في جعل المهرجان أشبه بعرس تراثي كبير، من خلال وجود الفرق الفنية على مدار الساعة وفي أكثر من مكان، وهي بادرة جيدة من إدارة المهرجان التي سعت إلى جمع هذا العدد من مؤدي الفنون الشعبية وتوزيعهم بشكل راق على ساحات المهرجان، ما يتيح الفرصة للجمهور لمطالعة فنون الحربية والعيالة والاستمتاع بأنغامها وأهازيجها الجميلة، وهو ما كان واضحاً من خلال حرص كثير من الجماهير على التقاط صور الفرق الشعبية المختلفة، وعن نفسه أكد الجابري أنه يؤدي رقصات الحربية والعيالة لأنها تراث الأهل والأجداد، ولكنه يمارسها كهواية في المناسبات المختلفة مثل سائر أبناء الإمارات الذين يعتزون بموروثهم الحضاري والثقافي الذي تركه لنا الأقدمون.

لوحات بديعة
قدم خميس المقبالي جزيل شكره إلى إدارة المهرجان وشركة فوعة التي أتاحت له ولغيره من أبناء الإمارات الفرصة لتقديم موروثهم المحلي أمام الجمهور، الذي كان متفاعلاً مع ما يقدموه من فقرات خلال أيام المهرجان، مشيراً إلى ازدياد الإقبال على ألوان الفولكلور الإماراتي من حربية أو غيرها من الفنون، سواء من جانب الأجيال الصاعدة أو جمهور المقيمين والسائحين، وهو ما يشعرنا بالنجاح، ويدفعنا إلى المزيد في إظهار موروثنا الثقافي الثري إلى العالم في أبهى صورة.
وعبر عن سعادته بإقبال الشباب على أداء الكثير من الرقصات الشعبية التي تقدم لوحات فنية بديعة تعبر عن تراثنا العريق.

رحلة جميلة
من جمهور المهرجان، يقول إلياس الجابري، إنه يزور المهرجان للمرة الثالثة على التوالي، ويرى أن الإضافات التي حدثت على المهرجان خلال هذه السنوات الثلاث الماضية كبيرة جداً، من حيث الخدمات المقدمة إلى الجمهور وأنماط التراث والثقافة الإماراتية التي شملت كل مفردات الحياة في المجتمع الإماراتي القديم، وتجعل الزائرين يعيشون رحلة جميلة ومشوقة إلى أعماق تاريخ الآباء والأجداد، ويتعرفون إلى حياتهم في هذه الأزمنة البعيدة، وكيف كانت الحياة صعبة آنذاك، وهذا يجعلنا نحن الشباب نشكر الله على ما نعيشه حالياً بفضل الله وبفضل جهود ولاة الأمر، وفي الوقت ذاته نكن كل الحب والاحترام والتقدير للأقدمين الذين تركوا لنا هذا الموروث الغالي الذي نفخر به دوماً، خاصة حين نراه يقدم بهذا الشكل الراقي الذي يبهجنا جميعاً، ويجعل من التجوال في المهرجان متعة وفائدة، ويشجع على زيارته أكثر من مرة حتى نتابع أكبر قدر من كنوزنا التراثية.