الاتحاد

الرياضي

دموع وشموع في الكالديرون

اختلف النشيد الجنائزي بملعب فيسنتي كالديرون توأم ملعب سانتياجو برنابيو بالعاصمة مدريد عنه في كل ملاعب إسبانيا نهاية الأسبوع الماضي، والإسبان يدعون إلى دقيقة صمت ترحماً على من وصف بالأستاذ، ومن لقب بصانع المجد الكبير لـ «الماتادور»، ومن نعت بالحكيم، لويس أراجونيس الذي أسلم الروح لبارئها يوم السبت الماضي.
بقلعة أتلتيكو مدريد كانت لأراجونيس أيام لا تنسى عندما كان لاعباً في صفوف الروخي بلانكوس، أو عندما مر على أتلتيكو مدرباً، كما مر على غيره من الأندية الإسبانية والأوروبية كسحابة ترش عطراً فريداً، وتسوق للملعب فلسفة كروية بكل الأبعاد الجمالية. لذلك حرص أكثر من خمسين ألف متفرج على أن يصمموا في مباراة ناديهم أتلتيكو مدريد أمام ريال سوسيداد نشيداً بتراتيل تعبر عن الحزن الشديد على الفقد الجلل، وعن الفخر الكبير بأن لويس أراجونيس الذي يعتبر أبا روحيا للجيل الإعجازي لـ«الماتادور» هو ابن الأتلتيكو، وكان رائعا أن تشهد تلك الأمسية انصهاراً غير مسبوق بين نشيد الحزن ونشيد الفخر لنقف في النهاية على سيمفونية رائعة، فقد بدأت الأمسية التاريخية بدموع ساخنة تنهمر من العيون أسى وحزنا وانتهت بدموع تذرفها المقل فرحاً وسعادة، وكأن لاعبي أتلتيكو مدريد أرادوا أن يخلدوا لرحيل أراجونيس بشيء يحكي عن رسوخه في القلب والذاكرة، فقد أنهوا مباراتهم متفوقين برباعية نظيفة على ريال سوسيداد ليتصدروا الليجا لأول مرة متفوقين على برشلونة بثلاث نقاط كاملة.
كنت من الذين قالوا: إن «الليجا»، وهي تبرز الوجه القبيح للاحتكار والمنافسة، تقتصر على الغريمين ريال مدريد وبرشلونة، في طريقها لأن تفقد بهجة الروح، ولأن تحولنا نحن من يريدون تنفس أريج الإثارة إلى دوريات أوروبية أخرى لم تصب بنفس الفيروس، وأظنني كنت مبالغا كغيري في ذلك، لأن النجاح في كرة القدم لا يحتكر، وإن تم احتكار كل الصنابير التي تضخ الأموال الكثيرة، وقد جاءنا الدليل من أتلتيكو مدريد الذي هيأ على نار هادئة ما يمكن اليوم تسميته بالثورة الجديدة، الثورة على الاحتكار الذي يقتل الإبداع والمبادرة ويجهز على الإثارة، والثورة على النمطية في كرة القدم، فمع بروز منظومات كروية «التيكي تاكا» تقترن بلاعب معجزة مثل ليونيل ميسي تكون كرة القدم بحاجة لمن يقيم الدليل على أنها إنما قامت على الإبداع الجماعي الذي لا يتأسس على إعجاز لاعب، وإنما يتأسس على إعجاز جماعي.
من يشاهد أتلتيكو مدريد اليوم يقول إنه صورة من فكر وروح مدربه الأرجنتيني دييجو سيميوني، فما عرفته شخصياً عن هذا اللاعب الذي مثل لزمانه وسط ميدان سقاء، متعصب للفوز، حارق كالشهب وعصي على الانهيار والاستسلام، أجده مجسداً في الروخي بلانكوس، الذي يتمثل عنصر التماسك الجماعي والإتقان اللامتناهي في تنفيذ كل ما يوصي به مدربهم، الذي يسوق لفلسفة قديمة في كرة القدم تختلف عن فلسفة مورينيو وعن فلسفة جوارديولا بما فيهما من أنماط مستحدثة، فلسفة الجماعية التي تهد الجبال، إنها نفس فلسفة أراجونيس.



drissi44@yahoo.fr

اقرأ أيضا

رومينيجه يعلن عن رضاه التام عن سوق الانتقالات