صحيفة الاتحاد

ثقافة

وزير الثقافة المغربي: علينا أن نحافظ على الموقع الاعتباري للمثقف

إيمان محمد (أبوظبي)

أوضح وزير الثقافة المغربي معالي محمد الأمين الصبيحي، الذي يزور الإمارات، بمناسبة الأسبوع التراثي المغربي، أن المعرض الدولي للكتاب والنشر في الدار البيضاء ينظم وفق المعايير الدولية المعروفة لمعارض الكتب، إلا أن المكان الذي ينظم فيه المعرض لا يرقى إلى مستوى المعرض عند مقارنته مع المعارض الدولية في الإمارات أو دول الخليج.
وقال الصبيحي لـ«الاتحاد»: في كل عام يستقطب المعرض أكثر من 700 دار نشر دولية من أكثر من 40 دولة ويزوره أكثر من 350 ألف زائر، ولكن لا يتوافر لدينا مكان مناسب يتسع لإقامة المعرض، فالمكان الحالي للمعرض (مكتب معارض الدار البيضاء) يعود بناؤه إلى الأربعينيات من القرن الماضي، وقد وصلتنا بعض الانتقادات المحلية لهذا السبب. ونحاول من جهتنا الدفع باتجاه إيجاد مكان عصري يتماشى مع المستوى الذي وصلت إليه الثقافة في المغرب.
ويمتد المعرض إلى عشرة أيام تنظم خلالها أكثر من 10 جلسات حوارية يوميا مع الكتاب والمؤلفين، وتعرض فيه أكثر من 120 ألف عنوان من الكتب بتنوع معارفها، ويعكس المعرض حيوية الحياة الثقافية في المغرب حسب الصبيحي.
وكان الصبيحي قد رفض هذا العام صرف 6 ملايين درهم مغربي لتوسيع المعرض حتى يذهب الدعم إلى الكتاب والنشر، وقال «لدينا اليوم آلية لدعم نشر الكتاب، حيث نتحمل ما يصل إلى نسبة 70 بالمئة من تكاليف نشر الكتب، وندعم عروض المشاريع الموجهة للكتاب والناشرين ومؤسسات بيع الكتب والجمعيات التي تعمل في مجال التوعية الثقافية. وأفضل استثمار هذا المبلغ لتنظيم توقيع كتب مع مؤلفين وتنظيم أنشطة في المكتبات العمومية، وبناء مكتبات جديدة ونقاط لتشجيع القراءة في العالم القروي، حيث نقوم بمجهود جبار لتوسيع شبكة المكتبات، ومثل كل وزارات الثقافة العربية نعاني قلة الإمكانات البشرية والمادية، لذلك نعطي الأولوية للاستثمار في هذه السياسات، وليس لبناء مواقع تدوم لبعض أسابيع فقط».
وستحل دولة الإمارات ضيف شرف على الدورة الثانية والعشرين من المعرض التي تنظم خلال الفترة من 11 إلى 21 فبراير 2016.

مبادرة القراءة
أطلقت وزارة الثقافة المغربية مبادرة «القراءة من أجل مجتمع متوازن» في مختلف المدن المغربية في محاولة لتشجيع الجيل الشاب على القراءة، وقال الصبيحي «المبادرة تنطلق من معطيات من أرض الواقع، فهناك نحو 20 ألف أستاذ جامعي وباحث، ونحو 250 ألف أستاذ في السلك التعليمي بمراحله الثلاث، بالإضافة إلى فئة وسطي تتوسع سنة بعد سنة، أي أن هناك ما يقرب من مليون شخص لديهم القدرة الشرائية والتكوين حتي يصبحوا قراء، في حين أن أفضل كتاب في المغرب لا يباع منه إلا 4 أو 5 آلاف نسخة فقط، وهذا أمر غير مشجع حتى بالنسبة لمؤسسات النشر التي ندعمها والكُتاب الذين نقف وراءهم، فتراجع القراءة لن يمكننا من تطوير صناعة النشر، لذلك نقوم بعمليات توعية مع جمعيات محلية تشتغل مع طلبة المدارس والجامعات لتنظيم لقاءات في ساحات عمومية، وتقديم كتب هدية لرواد وسائل النقل العام، وتنظيم قراءات جماعية وأنشطة متنوعة في المكتبات والمراكز الثقافية».
ويرى الوزير أن البرنامج سيحظى بالمزيد من الاهتمام في العام القادم، حيث عُقدت اتفاقية مع وزارة التعليم العالي لتنظيم معارض للكتاب في الجامعات ولقاءات أدبية مع الطلبة، ورغم أن المبادرة لم تعطي ثمارها بعد، إلا أن الصبيحي يلمس بعض التجاوب من قبل الشباب، وقال«علينا أن نطور شبكة المكتبات التي تبيع الكتب، فكتاب بدون مكتبة لبيعه لا قيمة له، فصناعة الكتاب تتضمن عدة مستويات أولها، توعية الناشئة بأهمية القراءة داخل المؤسسات التعليمية، وبالتعاون مع وزارة الاتصال، ونطبق سياسة تحفيزية لدور النشر لدعم انتشار الكتاب».

تحدي الانفتاح
وشرح الصبيحي، أن عند وصوله إلى قطاع الثقافة عام 2012 كانت السياسة المتبعة موجهة إلى النخبة التي لديها إمكانيات مادية تمكنها من الوصول إلى المنتوج الثقافي، وقال «في تلك الفترة اعتبرنا أن المغرب أمام تحديات أخرى، هي تحدي الاستقرار، وتحدي الاندماج الاجتماعي، وتحدي صنع القيم التي تجمعنا كمغاربة، وتحدي الانفتاح على الثقافات الأخرى، وتحدي الوسطية والاعتدال، لاحقاً طورنا سياسة ثقافية إرادية تتوجه إلى عموم المواطنين».
وترتكز هذه السياسة على خمسة مبادئ أساسية، أولاً، سياسة القرب الثقافي، والتي تقتضي توسيع شبكة المؤسسات الثقافية والفنية، مع تحسين مستوى الخدمات الثقافية التي تقدمها بما في ذلك رفد هذه المؤسسات بالموارد البشرية المتخصصة في المسرح والموسيقى وإدارة المكتبات وغيرها، أما المبدأ الثاني، فهو دعم الإبداع والمبدعين عبر مقاربة تعزز وترسخ الصناعات الثقافية والابداعية، والمبدأ الثالث، هو تثمين التراث المادي المعنوي، بحيث لا يقتصر عمل الوزارة على ترميم المعالم التاريخية، بل جعلها معبرة عن ثراء وعراقة التاريخ والحضارة المغربية وتجذب إليها الزوار من خلال خطط مدروسة للدعاية والإعلام. ويرتبط المبدأ الرابع بالدبلوماسية الثقافية بالشراكة مع وزارة الخارجية للوصول إلى جمهور الدول الصديقة، ويقوم المبدأ الخامس على الحَكمة الجيدة لبلورة سياسة إرادية تستثمر الإمكانيات البشرية والمادية بشكل دقيق.
وكشف الصبيحي أن التحدي الأكبر الذي واجهه منذ توليه وزارة الثقافة هو تدبير الإمكانيات المادية، وقال «من الصعب تدبير الأمور بإمكانيات محدودة لتحقيق مقاربة ورؤية تتصادم مع الواقع، فرؤية الحكومة تعمل على جعل الثقافة أساس التنمية المستدامة بالشراكة مع الرموز الثقافية، حيث وضعت الوزارة سياساتها بالتشاور مع المشتغلين في القطاع من كتاب وفنانين ومسرحيين وناشرين، حتى تتماشى هذه السياسة مع تطلعاتهم، وحتى نجعل من الثقافة مشاعاً داخل المجتمع».
ولمس الصبيحي وجود حاجة لعقد المزيد من اللقاءات الحوارية والنقاشية التي تجمع المثقفين بالجمهور، وقال «هناك طلب من داخل المجتمع موجه إلى المفكرين للقيام بدورهم التنويري المتوقع، وطرح التساؤلات والتذكير بالمبادئ الإنسانية الأساسية وزعزعت الأمور أحيانا، نحن بحاجة إلى مثقف يتفاعل مع المجتمع، ويعرف كيف يلعب هذا الدور باحترام استقلالية المثقف والاختيارات الفكرية، في إطار المقومات الوطنية، وعلينا أن نحافظ على الموقع الاعتباري للمثقف لتربية المجتمع على تقبل أفكار الآخر وإن اختلفنا معه، فهذا التفاعل هو ما يسمح بخلق توافقات كبرى داخل المجتمع، فأنا ضد خلق شرخ داخل المجتمع بتصنيفه إلى تيارات فكرية متنافرة ومتضادة».