أرشيف دنيا

الاتحاد

خيمة الفنون للأطفال تنقل شعلة التراث إلى الأجيال الطالعة

الأهل يعملون بالمشاركة مع الأبناء

الأهل يعملون بالمشاركة مع الأبناء

يتأثر الطفل كغيره من أفراد المجتمع بالمؤثرات البيئية والثقافية والحضارية المحيطة به، والتي تحفزه على التفكير الإبداعي والتعبير الفني. وتلعب المظاهر المادية والأنشطة والأحداث اليومية وأسلوب الحياة الذي يعيشه الطفل، مضافاً إليها فرص التعلم والتدريب والتثقيف، دوراً بارزاً في استثارة ملكة الإبداع، وتفتح طاقات الخيال لديه...


لأنَّ التربية الفنية جزء لا يتجزأ من حاجات الطفل التي لابدَّ من تنميتها على اعتبار أنها الوسيلة التي تكتشف بها شخصية الطفل، وما لديه من طاقات، عبر إطلاق العنان لها، فقد عمدت مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون إلى افتتاح خيمة الفنون للأطفال في متنـزّه العين للحياة البرّية خلال الفترة الممتدة من 19 ولغاية 26 فبراير الجاري.
وتعد خيمة الفنون للأطفال، التي تنظّم للمرة الأولى في دولة الإمارات العربية المتحدة داخل متنزّه العين للحياة البرّية، ملتقًى تتشارك فيه الأجيال لتنمية مواهبها وحسّها الفني، وفي ذلك تقول هدى كانو مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون: «إن خيمة الفنون للأطفال هي المنبر الذي سيمكنّنا من أن نسلّم شعلة تراثنا الثقافي والفني الأصيل إلى الأجيال القادمة، عن طريق غرس روح الإبداع لديهم، مما سيؤهلهم إلى تقدير الفنون بكافة أنواعها. وقد قامت مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون بإعداد هذا البرنامج لأطفال العين والإمارات المجاورة، بما يندرج ضمن إطار رؤيتها وأهدافها الرئيسية القائمة على تعليم الأطفال من كافة الشرائح العمرية، وتعزيز حسهم الفني.»
وتضيف كانو: «تعمل الخيمة النابضة بالحياة، كما يصح أن نسميها، على تنمية الحسّ الفني لدى الأطفال بأسلوب أكاديمي وتعليمي سهل وجديد، فعلى مدى ثمانية أيام ستتيح خيمة الفنون للأطفال الفرصة للأطفال من مختلف الأعمار، ولعائلاتهم كذلك، الاستمتاع بتصميم الأعمال الفنية الإبداعية. حيث مرح الأطفال بصحبة إخوانهم وأهاليهم وأفراد العائلة، وتمكنوا من اكتساب مهارات جديدة، والتعبير عن مواهبهم من خلال النشاطات الفنية المتنوعة، التي أتاحت لهم فرصة اختيار الأجواء الترفيهية، وعيش تجربة تعليمية لا تنسى، في أحضان الطبيعة المتناغمة».
وتفسر كانو سبب اختيار متنزه العين للحياة البرية، على وجه التحديد، مكاناً لنشاط خيمة الأطفال للفنون، بأن هذا المكان الجميل يوفر للطفل مساحة واسعة وسط الطبيعة والخضرة والحيوانات، تشعره بالراحة والحرية والانطلاق إلى أقصى الحدود، فيلعب ويتخيل ويتعلم، ويبدع أكثر مما لو تم حصره داخل بيت أو غرفة صفية»...

برنامج متخصص
من جانبها تشير الفنانة التشكيلية، والمشرفة المختصة ليندا باستيان، إلى أنها أعدت برنامجاً متكاملاً خصيصاً لاستقطاب الأطفال، وحثّهم على تعزيز معارفهم واهتماماتهم في شتى مجالات الثقافة والفنون، حيث تقول: «تتضمن فعاليات البرنامج إعداد أعمال يدوية ثلاثية الأبعاد من الأوراق، الطين، البلاستيك والعلب المعدنية. كما ومن خلال التقنيات الثنائية الأبعاد، سيعلّم الأساتذة الأطفال كيفية تصميم الأعمال الفنية باستخدام الألوان الزيتية والألوان المائية، وتقنيات إعداد الأعمال الفنية التلصيقية، واستخدام الأشياء التي تصادفهم في الحياة اليومية لإعداد أعمال حرفية وفنية مميزة».
وتشرح باستيان أنَّها قسمت الأطفال في الخيم حسب أعمارهم: «جرى توزيعهم على 12 طاولة، حيث وضعت الأطفال من عمر 2-4 سنوات معا على طاولة واحدة، ليكون النشاط الذي يمارسونه مناسب لأعمارهم وهو اللعب بالمعجون يشكلون به أشكالا من مخيلتهم، ثم يكتبون قصة قصيرة عن هذا الشكل الناتج بمساعدة ذويهم أو أحد المشرفين والمتطوعين المساعدين، وذلك لعدم قدرة هؤلاء الأطفال على الرسم أو الكتابة بعد، أما الأطفال من عمر 5-10 سنوات فيمنحون فرصة الرسم بالألوان المائية والخشبية والشمعية والزيتية وغيرها، ويصنعون الأقنعة. كما قام الأطفال بعد سن 10 سنوات بنشاط آخر يتضمن استلقاء الطفل على ورقة كبيرة بمقدار حجمه، يتم تحديد ملامح جسمه عليها وكأنها صورته ليقوم بتلوينها معبرا من خلالها عن نفسه، بالإضافة إلى قيامه بصنع أشكال من ورق الجرائد كالقفص وبرج إيفل وغيره».
وتلفت باستيان إلى أن الممتع في الأمر يكمن في مشاركة الأهل لأطفالهم في الرسم والتلوين وغيره، وفي ذلك فرصة ليتعرفوا على مواهب أطفالهم عن قرب، وتقوى الأواصر والروابط بينهم من خلال مشاركتهم في هذا العمل البسيط».

دهشة المشاركة
ترسم باستيان ابتسامة فرح ودهشة على وجهها، وهي ترد على تساؤل يفيد بوصفها لمدى الإقبال على الخيمة والمشاركة بنشاطاتها من قبل الأطفال وذويهم، حيث تقول: «لم أكن أتوقع هذا الإقبال وهذا الحماس، فأنا مندهشة فالأطفال يقبلون بلا خجل أما أهاليهم فيرفضون المشاركة في بادئ الأمر ثم تتسلل أنفسهم مشاركين أطفالهم دون أن يشعروا أو يتقصدوا ذلك وليس أدل على الإقبال الذي حققته الخيمة من تجمع ما يزيد عن 500 رسمة رسمها، ولونها الأطفال خلال أول يومين فقط، وأنا متفائلة بأن الأيام القادمة لن يقل الناتج فيها عن هذين اليومين، بل سيزداد، وفي حفل الختام سيتم عمل معرض فني تعرض فيه هذه الرسومات، وتوزع فيه الهدايا الرمزية على الأطفال، حيث يمنح كل طفل الحق باصطحاب رسوماته وأعماله التي أنجزها معه، ليعلقها في غرفته سعيدا ومفتخرا بما أنجزه...
كما ارتسمت ملامح الفرح والسرور على ملامح الأطفال الذين سارعوا إلى المشاركة بأنشطة الخيمة، وقد حضروا مع أسرهم بعدما سمعوا عن أنشطتها عبر الإذاعة، أو قرأوا عنها في إحدى الصحف بينما حضر بعضهم الآخر إلى المتنزه صدفة».

خلية نحل
بدورهم عبر أهالي الأطفال عن سعادتهم بهذه الأجواء العفوية الجميلة، التي بدت كخلية نحل تملأ المكان بضجيجها وحماسها ونشاطها.
فقد شاركت منى عثمان ابنتها ليلى 8سنوات الرسم والتلوين واللعب بالمعجون، وقد أثنت منى بدورها على هذا النشاط المميز الذي نظمته الخيمة للأطفال، ووصفته بقولها: «لاحظت مدى سعادة ابنتي وهي ترسم وتلون وتشكل أشكالا بالمعجون، وهذه فرصة لها ولغيرها من الأطفال ليلعبوا ويلهوا ويتعلموا دون أن يدروا، فالفن ينمي الحس والذوق الجمالي عند الأطفال وغيرهم. وأنا أعتقد بأن هذه التجربة ناجحة على صعيد الأسرة بأكملها، وليس على صعيد الطفل لوحده، فعندما يشاركه والداه اللعب والمرح والرسم والتلوين، يشعر الطفل بالفرح والسعادة والأمان ويتحفز نحو التخيل والإبداع والانطلاق، كما ويشعر الوالدان في نفس الوقت بالفرح لما يجدونه من طاقات مدفونة داخل أبنائهم، لم يتوقعوا وجودها سابقاً، فتقوى العلاقات والأواصر بين الطرفين أو الجيلين: جيل الآباء والأمهات وجيل الأبناء».
وتقترح منى إضافة مسرح عرائس للأطفال يعلمهم ويثقفهم بموجودات المتنزه من بيئة ونباتات وحيوانات وغيرها، على أساس أن هذا المكان يعتبر مقصدا لكثير من العائلات وأطفالهم في العطل وغيرها.

صدفة خير من ميعاد
أما أبو محمد فقد حضر مصطحباً زوجته وأطفاله الأربعة إلى المتنزه صدفة، ولفتت الخيمة انتباههم، وبعدما اقتربوا لاستطلاع الأمر انضموا للمشاركة، خصوصا أنَّ أم محمد رسامة منذ الصغر، حيث وجدناها تجلس بجانب أطفالها ترسم منفردة تارة، وتشاركهم رسوماتهم تارات أخرى، وتقول: «جميل أن نرفه عن أنفسنا، ونمارس شيئا نحبه في آن واحد، فأنا أعشق الرسم وأمارسه منذ الصغر وأقمت العديد من المعارض في بلدي مصر، وورث عني أطفالي الصغار هذه الموهبة التي أحرص على تنميتها فيهم باستمرار، وإنَّها فرصة اليوم، تتيح لنا أن نجلس سوية، ونرسم معاً، فيتسنى لي مراقبتهم وتوجيههم بما أملكه من خبرات فنية»..
ويرفض أبو محمد أن يشارك زوجته وأطفاله الرسم على أساس أنه لا يملك اهتمامات فنية مثلهم، لكنه يقوم بدور آخر جميل، يتمثل بالنظر إليهم وتشجيعهم ومشاركتهم فرحتهم .

عودة إلى الطفولة
بينما كان سعيد أحمد والد الطفلين علاء 9سنوات وأسامة 11 سنة، يشاركهما بقص ولصق لوحة فنية من الكرتون الملون، نسي نفسه وظن أنه طفل في نفس عمريهما فصار يشاركهما الضحك واللعب، وفي ذلك يقول: «هذه أول مرة أشارك فيها أطفالي عملا من هذا النوع، لقد نسيت نفسي ونزلت إلى تفكيرهم وصرت أشاطرهم ما يقومون به، فتفاجأوا بأنَّ والدهم يقص ويلصق معهم، فتحمسوا وتفاعلوا مع العمل البسيط الذي يقومون به، وقد حصل ذلك بنكهة أبوية خاصة، فنحن نحب أطفالنا، ونريد أن نقترب منهم لكننا لا نعرف كيف نشعرهم بصداقتنا لهم».
وسيشهد اليوم الجمعة معرضاً فنياً ختامياً، يستضيف إبداعات الأطفال والأهالي المشاركين. وذلك من الثالثة بعد الظهر وحتى السابعة مساءً.

اقرأ أيضا