الاتحاد

الملحق الثقافي

العين.. عشب القلب مقلة على السماء

قلعة الجاهلي في مدينة العين (أرشيفية)

قلعة الجاهلي في مدينة العين (أرشيفية)

تخرج من عاصمة الوطن باتجاه عاصمة الخضرة والعشب الحسن، يحتويك الشارع المزمل بأوراق الحياة، برفقة الرمل المتزحلق على صفحات الذاكرة، أشياء تمارس عفة العشق بحيوية البهجة اليانعة في عروق الأشجار والأطيار وأخبار الذين خبوا على ظهور النوق تبدو بالغة النصوع والينوع، تتحدث عن رجال ونبال، تحرت الدقة في حفر الأحلام، عند شفة الأيام، كانوا هنا وآثار الأقدام ترسم خارطة الألق الوجودي تحلب ضرع الفكرة، تجلب ما قد تقرع وتوزع واتسع حتى بلغ مبلغ الطفرة، وأنت تمضي مستدعياً بلاغة القلب في حشد ما تبقى من عمر، كي يحفظ الود ويتسرب بلا هوادة نحو غايات تجعلك تتمنى أن يعود الشباب لتخبره كيف بدت الأرض وهي تضع أحمر الشفاه عند وجنة الشارع ليصير المكان حقلاً مزهراً، مبهراً منعماً منمنماً، بأطياف ما تورق وازدهر، وما حدق وأثمر مزداناً بروعة قلوب الذين صنعوا المجد بجد وأعلنوا التصريح الأخير بأن الأرض تورق بتورد قلوب أصحابها وتزهر بازدهار البياض في صدور الذين عشقوا الحياة وتفانوا وما توانوا في صناعة الحُلُم بحلِمْ وصياغة الكَلِم بعلم، القريحة والسجية العفية العفيفة المتعافية بثقافة نهلت من نبع التعب.

سطر العين الأول
عند الخزنة فاتحة العين، وسطرها الأول في كتابة الرواية في البداية تملؤك بحنان وامتحان الرؤية الأولى، تغدقك بلمس “السُّهام” يدغدغ الوجه متمرغاً عند الأنف بحلاوة وطراوة طفولية، غضة بضمه وأنت الحالم تستيقظ مستشهداً بالمعالم، مسترشداً بالنظرة الأولى، العشق الأول، الرمق البدائي يداهمك، يأخذك بعنف الشغوف اللهوف، الكلف المتلف، يأخذك إلى حيث أنت تشاغبك الفطرة قبل الفكرة، تتسرب أنت كسِم الخياط عند الغروب، مجاوراً العتمة الخفيفة بنبرة الضوء، تستفيء، متوضئاً بالضباع، مجللاً بمشاعر تستعيد فيك نشوة مفقودة تتفقد ذاتك المنتعشة، المفتشة عن لحظة مباغتة تكتب تاريخاً للوطن بأحلى أيامه، وأجمل عهده، والشارع يسير بسرعة فائقة نحو الدائرة الفضية تحاول أن تتوقف قليلاً، تحاول أن تجدف وسط أمواج هائلة من مركبات وحافلات وساريات ومتسربات ما بين الخضرة وحضرة الأنساق المتألقة كأنها النجوم المرصعة على نحر مستاء ناهد كاعب.. تقول في نفسك.. يا خلي القلب إغرق لتستحق الحياة ومزق ثياب الهوى، فالهواء منعش والوجوه تبعث على الانتماء لوجود لا ينضب رضابه، ولا يجف خضابه، ولا تعبس هضابه، ولما تحاذي القلعة الشامخة، قلعة الباهلي يناظرك التاريخ بعين لم تغشيها غاشية، يقول لك ببليغ العبارة إن للعين عيناً على التاريخ وأخرى تتهجى حروف الجغرافيا بتأنٍ وتفنن بأوان الذين سكبوا الرضاب على الهضاب، فأينع الخضاب على كف رائعة ألفت بين البضاضة والفضاضة بفعل عالي الوجودة.. تدور أنت حول دوائر وأساور ومحاور، تجاور طموح العشاق باستباق اللوعة للوصول إلى مكان يتجلى بنغمة النخل وعطر الرطب وما تحولق من حوله من فراشات لونت أجنحتها من فرشاة العذوق المتحدرة من شموخ أزمنة وأمكنة.. تقول لك النخلة الفارعة أنا الهيفاء، أنا النجلاء، أنا عبلة الأرض، أنا قبلة الحض، أنا من نثيث وحثيث، أثثت وجداناً ومكاناً، ونسجت من خيوط الحرير قصائد للفرزدق وجرير، ومن جاء بعدهما من أفراد العاشقين وصداح الهديل.. تتوقف بابتهال وبلا استعجال، تتوقف ومعك الزمن يستدير ناحية العين، يقرأ التفاصيل وبسبابته مرتجعة يعيد التراتيل، فتقول أنت.. هذه الشجرة المعتصمة بحبل الصمود، هذه النجمة الوارفة، هذه النعمة تساور القلب وتناور وترفرف بخصلات النعيم في خيلاء بعد نعماء تحاول أنت أن تعدد المناقب لكنك لا تستطيع لأن الوطن تتسع فخراً بمعجزاته وإنجازاته ومعطياته وهباته، ولأن الوطن مايزل بعد ماضياً باتجاه الفرحة المضاعفة، يستضيف ويضيف، إلى مكانه وجوهاً تلون لوحته بأجمل وأكمل الخطوط.. وطن من أثمد “العين” يروي مشاعر الناس، بإحساس الفرح ليغتسل الحافي والمتشظي ويتطهر البائس واليائس والعابس من شجون المعضلات ونوافل التعب الكوني.. وتلك عناقيد البيوت توحدت في حارات تحرسها أزقة تختزق أمانها واطمئنانها وتلون زواياها ونواصيها، وجوه صغار التأموا، وتواءموا وتلثموا بابتسامات صريحات واضحات، ناصعات ناضحات بالفرح، صغار تجاورت بيوت ذويهم فتحاذت أفئدتهم الخضراء، صغار تناولوا رغيف الحياة من تنانير تاريخ ملح خبزه الألفة والدفء وماء عجينة رضاب امرأة، حذرت صغيرها بامتحان الألفة دون كلفة، والوقوف كتفاً بكتف مع ابن جار، فحق الجار على الجار بأن يكون له دارا وستارا وضارا، من نظرة كمشهد كهذا، تعرف أن للعين رمشا يظلل وجفنا يغمض على محسنات بديعية بديعة.

فيض الجمال
يا الله.. هنا وسط بستان اللهفة، تحضرك أغنية رائعة لعبد الرب إدريس “يا الله.. يا الله.. وش كثر أنتِ جميلة” يداهمك وجد قديم يسلبك، يختطف نضجك ليعيدك إلى أيامك الأولى، إلى حشرجة العشق التي كانت تستوطن تحت الجلد وتحتل مساحة شاسعة من زمنك، وهواء “السهام” يلفح وجهك، ويلحف تكوينك ويفنيك في كثبان من ذاكرة غطت لزمن، فإذا بها يستيقظوا فجأة، ترفع رأسا شاب شعره وما شاب عقله، توقدت أشياء وأشياء نفضت رماداً ومداداً، وحداداً، جبلت فكان الجنين، جيناً وراثياً ينتفض ليعلن للملأ أنك الآن تولد من جديد وعيد ميلادك يتم الاحتفاء به على عشب وأرض، خصب وخيال يتوهج باخضرار يلتئم جمة عند أذرع الأشجار وما جاء به الأثير من عبير يفتح نافذة للذاكرة، ويضع العين مدينة في مقلة العين، يضع مكاناً يرفل بأزياء الفرح وشباب المراحل المتقدمة في تطور التفاصيل وبتأصيل التاريخ بقوة دفع بلا منازع.
الختم، الخزنة، الساد، المعترض، وأوراق أخرى تحمل أوراقها على أكفها ليكتب القادم من جهات الأرض الأخرى في سجلها ما يريد ثم يمضي مجلجلاً بصوته ونخوة مشاعره وصفاء سريرته، يمضي لأجل أن يلون داخله بلون الوريقات المهفهفة، والأجنحة المرفرفة، والنسائم العازفة لحن الخلود، لأجل وجود يجود بما تجود به قريحة الأرض، وسجية المخلصين ونبلاء التراب العزيز.. العين الفايضة تفيض من فيض السائل الغض وأغنيات الخرير قرير الأزمنة العابرة، وما أسفرت عنه الأيام من جزالة السماء في عطائها وبنائها وغنائها العفوي.
على الربوات الحمر يتفتح الحجر، على الوجنات السمر وتشي العباءات عن أخبار اللواتي سكنَّ الليل ليملأن عتمته بهجة الدفء واحتمالات اللقاء الحميمة، وما اشتعل في الوجدان من قصائد وقلائد زفة لعرس أو رفة لحس أو نغمة أثرية تؤثر المحبة على رمل أحبة الله، فمنحه اللون والنعومة وبلل الأقدام المغتسلة بالندى ومدى الرعشة حين يلتهب الفضاء ببرودة السماء وما جاءت به النجوم من تساقط النور.
على الربوات يكتسي التراب من نعيم الهمس ورفيف الأفئدة وكلام بعضه كلم الله به موسى، وأحلام ترعرعت زهيرات يقظات تحرس عشاق الليل وتؤنس العاشقين عند لهفة البوح والليل في العين كحل ومقل ورمل يضمد تجاعيد التاريخ بأثمد التحرر من صهد الضجيج ووهدة الاكتظاظ وارتعاض الفكرة بالفكرة، ولا يحض القلوب على السكينة غير نعومة الرمل وفحولة الليل وبطولة مدينة عينها لا تغمض إلا على ترتيب وجدان الإنسان وتهذيب البنيان وتشذيب الأشجان وتخصيب ألحان الطير لتتحد الأرض والسماء على كلمة سواء ولا يحصى أحد غير عدد الأيام الفائتة ولا يحفظ أحد غير الود مع حاضر يستولد غداً، مذهلاً في كفاءته، مبهراً في قدرته على تقديم ما يلزم من فرح.
على الربوات خطوات متئدة تنحت في الرمل نشوة المكان حين يبدو الإنسان أشبه بطائر نشر جناحيه للريح ليغتسل بدنه بالنقاء والصفاء وما أبدته السماء من عطاء وما تسرب إلى حلمه من سنابل الفرح، منتعشاً، منتشياً، متفشياً، ثم متلاشياً في الثنايا والسجايا.. على الربوات لا مرية ولا ريبة، ابتسامة أنثى تمطر السماء وتحبل الأرض وتبدو مدينة العين كوكب دري يضيء المقل ويمنح الأذهان بهاء ويفسح للذاكرة نافذة، إطلالة على غيمة عند خيمة ناخت عندها ابل المراحل المتوهجة والناس فراشات بألوان النضوج وجياد البهجة تمارس سطوتها وخطوتها بخطوات تستقطب اللحظات تشعلها أسرجة.
عند الربوات.. غاف يحرس ويجس النبض ويخبئ أسرار القاطنين في الجذوع والفروع لتورق الأغصان بأشواق الحالمين وتزهر الأعواد بما تسرب وما ترطب وما تخضب في الأفئدة حين يكون للغاف سمع وبصر وما استجد من خفايا التكوين.. عند الربوات غاف امتص رحيق التاريخ ولم يجف ريقه، وتعدت نخوته نخوة الجبال والبحار والسفوح والوديان وتجاوز في سطوته قوة البشر والحجر لأنه من زرع وطن عبقه الصمود وسمته الشهامة ونجابه الأصل ونبل الفصل.. ولو كتب شاعر قصيدة في العين لأعجزته القافية وأعياه الوزن لأن في العين قصيدة أخرى لم تكتبها إلا العين ولم تجد قافيتها إلا العين الفايضة ولم يحسن التئام وزنها غير جبل حفيت ولم يتفوق في بلاغة عبارتها غير تلك التلال الوارفات بمفردات الرمل العجيب وتلك السلاسل الذهبية المترامية المتربصة بالزمن، المتراصة عند شغاف القلوب القابضة على أحلام التاريخ، المتدفقة بسيولة الرمل المحدقة باتجاه حدود الوطن وعند قاصرة العين الغارقة في جنون العشق الأبدي المتناسقة في انتمائها الأزلي المتألقة في إطلالتها المتأنقة في حللها الذهبية المنتمية دوماً ثوب التاريخ الإماراتي، المتنامية حلماً، المتناهية في التوهج.


علي أبوالريش

اقرأ أيضا