ثقافة

الاتحاد

مبدعون يرصدون الإنجازات الثقافية خلال 40 عاماً من عمر الاتحاد

معارض الكتب أحد أهم الفعاليات الثقافية التي تشهدها الدولة (أرشيفية)

معارض الكتب أحد أهم الفعاليات الثقافية التي تشهدها الدولة (أرشيفية)

(دبي) - أربعون عاما على قيام دولة الاتحاد، كيف كانت الإمارات قبلها وكيف أصبحت اليوم، مسيرة حافلة بالتفاصيل والصعوبات والمعاناة والجهود المضنية التي بذلها الجميع في هذا البلد، حكاما ومواطنين ومقيمين، مسيرة تستحق الوقوف مطولا أمامها لتحديد أبرز معالمها ومحطاتها، “الاتحاد” التقت عددا من المبدعين والمثقفين لترصد أهم مراحل تجربتهم مع زمن قيام الدولة على الصعيد الحياتي والثقافي وكان التالي:
معاناة التأسيس
الفنان الدكتور محمد يوسف يعود بذاكرته إلى ما قبل قيام “الاتحاد”، إلى مرحلة كان فيها يسكن في بيت بسيط في الشارقة بداية خمسينيات القرن الماضي، في منطقة تسمى الهولي بالقرب من حي الشويهين، الذي أقيم مكانه حالياً متحف الشارقة للحضارة الإسلامية، وينتقل ليستعرض المشهدين المسرحي والتشكيلي اللذين عرفا خلال الأربعين عاما تحولات مهمة، ويقول “لقد بذل جيلنا معاناة كبيرة في التأسيس لهاتين الحركتين، حتى وصلنا إلى ما هو عليه الحال اليوم من نجاحات على الصعيد الثقافي عموما، من معارض الكتب إلى المعارض الفنية ومهرجانات المسرح وغيرها. فعلى مستوى التشكيل منذ البداية كان تأسيس جمعية التشكيليين في بدايتها حلما، ثم خلال سنوات أصبحت حاضنة رئيسية للتشكيل في الإمارات، وفاعلاً أساسياً في هذا المشهد، كما أن الإمارات كلها أصبحت مركزا عالميا للفن التشكيلي، وهي تحتضن الكثير من الفعاليات الدولية، وفي مقدمها بينالي الشارقة الدولي، والمزادات الفنية العالمية التي تشهدها الدولة”.
ويضيف في المسرح أيضا باتت الإمارات جزءا مهما في المشهد المسرحي العربي، وهي تضم الكثير من الفعاليات المتنوعة، وقد تأسس هذا الحراك المسرحي عبر العقود الماضية، ولعبت الفرق المسرحية دوراً يتجاوز البعد المسرحي نفسه، ومن تلك الفرق فرقة مسرح الشارقة الوطني التي كانت حاضنة ثقافية مهمة، حيث استضافت عبر تاريخها المئات من الفعاليات الثقافية والشعرية والفكرية، وهي تضم في أرشيفها اليوم آلاف الوثائق الرقمية التي توثق لتلك الأحداث. ولكن هناك مشكلة تتعلق بالجيل الجديد ومستوى أدائه ونوعية هذا الأداء على الصعيدين الفني والموضوعي، وحتى لا نعمم فهناك من هذا الجيل من يستسهل التجربة والتجريب فيخوض في ما يقود إلى التخريب.. ثمة جيل بلا ثقافة ولا هوية محددة”.
بين زمنين
الشاعر والإعلامي خالد البدور الذي يعتبر نفسه ممن واكبوا “الاتحاد” منذ بداياته يقول “إن الأمر يتعلق بالفصل بين زمنين، زمن ما قبل الاتحاد وما بعده، على أصعدة الحياة كافة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالتعليم والثقافة، ونعود إلى ما قبل التوحيد والاتحاد لنتذكر معالم من الحياة البسيطة التي كان الناس يعيشونها، البسيطة والقاسية في الوقت نفسه. ثم نتذكر كيف بدأت التحولات نحو الحداثة، حتى وصلنا إلى ما بعد الحداثة في كل ما يتعلق بحياتنا، وجدنا الجامعات والمراكز الثقافية التي تعكس الوجه الحضاري الذي تمثله الدولة، ومدى الاهتمام بالإنسان والعمران، وما تحقق من نجاحات وإنجازات خلال فترة قصيرة نسبيا، فقد أصبحت دولة الإمارات خلال هذه الفترة جاذبة للكثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية والاقتصادية العالمية، وذلك بفضل مسارات التنمية المتعددة الوجوه، وبفضل الحرية والأمان اللذين تشهدهما الدولة. ولكن ذلك لم يتم من دون جهد وتعب، بل بذل جيل الرواد جهودا كبيرا في التأسيس لما تم إنجازه، وهو ما يتطلب جهودا كبيرة وحقيقية من الجيل الجديد لمواصلة المسيرة، وتطوير الهوية وليس الحفاظ عليها فقط، فثمة مشكلة في العلاقة بين الهوية والحداثة، ومع اننا راضون عما تم في هذه العقود الأربعة، ونعتبرها إنجازا كبيرا نسبة إلى الزمن الذي تمت به، فنحن في حاجة إلى آليات جديدة لتقديم الجديد في الإطار نفسه من البناء والتجديد، والابتعاد عن الاستسهال في مسائل الإبداع. كما ننتظر من المؤسسات التربوية والثقافية وضع استراتيجيات وبرامج تتيح الفرص لتأهيل الأجيال الجديدة للقيام بدورها”.
فضاءات وآفاق جديدة
الدكتورة نجاة مكي تستذكر مدرستها المتواضعة في منطقة الشندغة في دبي، وتسترجع اياما بلا مكيفات ولا بذخ، حيث الحياة البسيطة، ونمط العمران القائم على الطين، والزمن الذي كان فيه للمعلم احترام وتقدير كبيران، وتقول “لقد تابعت نشأة “الاتحاد” والتحولات الكبيرة التي حصلت، فنحن أمام قفزات هائلة على كل الأصعدة، وأنا حين أنظر إلى الأبراج وأتذكر تلك البيوت الواطئة يصيبني الذهول، لكنه التطور والحداثة وما يتطلبانه وما يفرضانه على الإنسان من ظروف وأثمان باهظة أحيانا. وكما هو معلوم فأن لكل تقدم جانبه السلبي وجانبه الإيجابي، وأنا أحاول التطلع إلى كيفية الاستفادة من هذا التطور الذي يقدم لي عالما جديدا ومفردات جديدة. وعلى صعيد تجربتي الفنية التشكيلية أستطيع القول إن التطور العمراني الهائل الذي حدث يقدم لي رؤية بصرية جديدة، رؤية إلى طراز عمراني أو أكثر، هناك في مدينة جميرا مثلا نمط عمراني جديد ومبتكر، يعطيني نظرة إلى خامات ومفردات تفتح لي آفاقا جديدة».
تجربة سريعة في التحديث
ويعتبر الشاعر والباحث أحمد محمد عبيد أن أربعة عقود ليست شيئا في عمر الشعوب والحضارات، لكنها كانت كافية لإحداث نقلة نوعية كبيرة في حياة الإمارات والإماراتيين، ويقول عبيد “لقد اختزلنا الزمن ووفرنا سنوات طويلة من حيث نضوج التجربة التي خضناها منذ أربعين سنة، تجربة سريعة في التحديث على مستويات عدة وفي مجالات الحياة كافة، وهو شوط خضناه بثقة كبيرة بالنفس. وبصراحة لقد بذلنا جهودا كبيرة وتعبنا، وبذلت الدولة منذ البداية الكثير من الدعم لاستمرار المسيرة وتطويرها، وقد نمونا مع الدولة كما ينمو الطفل في حضن الأسرة. وهكذا، وثقافيا أستطيع القول إننا خرجنا من محيطنا المحلي إلى الفضاءين العربي والعالمي، حيث صارت لنا مؤسساتنا الثقافية الناشطة والفاعلة، وكما نخرج إلى العالم للمشاركة في الأنشطة والفعاليات الثقافية، فإن العالم يأتي إلينا للمشاركة في أنشطتنا ومهرجاناتنا التي تتخذ صبغة عالمية، وذلك خلق لنا حضورا ثقافيا عالميا بفضل مؤسساتنا ومبدعينا. وعلى سبيل المثال نستطيع الحديث عن الكم الهائل من الإصدارات الثقافية سنويا، كما نستطيع التحدث عن الانتقال من مرحلة النشر إلى حركة صناعة النشر من خلال معرضين عالميين للكتاب هما معرض ابوظبي للكتاب ومعرض الشارقة للكتاب، إضافة إلى حركة ناشطة على مستوى الترجمة في مجالات الثقافة والفكر، وفي الاتجاهين من اللغة العربية وإليها. وعلينا أن ننظر إلى أعداد المبدعين في الأدب والتشكيل والمسرح والسينما، من مواطنين ومقيمين طبعا، حيث لا بد أن نتذكر دور المثقفين العرب في هذه المسيرة، ومساهمتهم الكبيرة فيها، ومنهم من بدأ مع بدايات نشأة الدولة الاتحادية، وقدموا خدمات جليلة للمسرح والتشكيل والأدب وسواها. يضاف إلى ذلك من الإنجازات، وربما من أهمها، عدد من الجوائز القيمة التي تكافئ الإبداع وتحفز عليه، وخصوصا جائزة الدولة التقديرية وجائزة زايد للكتاب وجائزة العويس وجائزة الشارقة للإبداع وغيرها الكثير. ورغم هذه الإنجازات والعطاءات كلها، فنحن بالتأكيد نتطلع إلى المزيد من التقدم والتطور على الصعيد الثقافي خصوصا، وعلى الأصعدة كلها عموما، فهناك الكثير من الطموحات والأحلام التي يسعى الجميع لتحقيقها، لكنها تحتاج بذل الجهود الكبيرة والبحث عن الأفكار الجديدة.
من البساطة للعولمة
الشاعرة الهنوف محمد بدأت بالقول إنها من الجيل الذي ولد بعد ولادة “الاتحاد”، لكنها عاشت تجربة التحولات على نحو قريب ويومي، لكنها تبدأ من النهاية فتقول “أهم حدث في ساحتنا الثقافية والوطنية، بعد أربعين عاما من الإنجازات، هو اختيار الكاتب والمثقف الأستاذ محمد المر رئيسا للمجلس الوطني، بما يمثله هذا الاختيار من تقدير لدور المثقف والكاتب وإمكانية مساهمته في النشاط الوطني والسياسي، وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها اختيار مثقف لموقع سياسي، ونعتقد أن هذا الاختيار جدير بالاحترام، وننتظر نتائج مثل هذا الاختيار من خلال تخصيص جانب من مهمات المجلس الوطني للحياة الثقافية وأنشطتها ومؤسساتها.
وبالعودة إلى تجربة قيام دولة الاتحاد، فلا أتذكر سوى الحياة البدائية مع البحر وتأثيرها في ما بعد على تجربة جيلنا في الشعر والكتابة والإبداع عموما، ثم أتابع أجيال السبعينات والثمانينيات والتسعينيات التي وجدت أمامها جيلا من المؤسسين، وأخذت في متابعة المسيرة وتطويرها، حتى وصلنا إلى ما بعد الحداثة في بعض التجارب، وهذا كله هو انعكاس للحداثة التي طرأت على البلاد، والتحول من الحياة البسيطة والحميمة إلى التعقيدات والعولمة التي نشهدها.
الدور الفردي للمبدع
وبالنسبة إلى الكاتب والمسرحي صالح كرامة فقد مر بتجربة غنية وصعبة في مسيرة التحولات والتطور، ويقول إنه شخصيا وصل إلى المشاركة الإبداعية الفاعلة في المشهد العربي، وهو الآن بعد هذه التجربة في الكتابة يشارك بأنشطة عربية بجهده الفردي، ويوضح “أنا شخصيا تابعت تجربة الاتحاد منذ البدايات طبعا، وكانت تجربة ثرية بالحراك والفعاليات الثقافية والفنية، ومسيرة شارك فيها الكثيرون من الداخل والخارج، فقد استفدنا من تجارب الكتاب والمخرجين القادمين- الزائرين- والمقيمين، وأقيمت المؤسسات الثقافية التي قامت بدور مهم على الصعيد المحلي والخارجي، واستفدنا من الانفتاح على الخارج. ولكن هذا لا يعني أن على الجميع أن ينتظر الدولة ومؤسساتها لتقدم له الفرص للمشاركات الخارجية والداخلية، فعلى الفنان أن يثبت حضوره حتى ينال مثل هذه الفرص، وهو ما أعتبره الجهد الشخصي للوصول إلى العالم العربي، والاعتماد على الذات الذي يجعلك حاضرا في الثقافة العربية، وعدم الاكتفاء بالحضور المحلي، فأنا مؤخرا شاركت في ورشة مسرحية في الجزائر من خلال دعوة شخصية، وليس تمثيلا لجهة معينة. ومن المفروض أن يكون هناك نشاط آخر في المغرب قريبا. أي أننا صرنا نستطيع الخروج من التجربة المحلية الضيقة إلى الفضاء العربي ونسهم في أنشطته”.
البذرة الأصيلة
الكاتب والمخرج المسرحي عبد الله صالح ينظر خلفه فيرى مسيرة حافلة في بناء دولة الاتحاد من نقطة الصفر تقريبا، يرى المسافات التي قطعها جيله في التأسيس والانطلاق، يرى تلك البذرة الأصيلة التي زرعها زايد وأثمرت تطورا على مستويات الحياة كلها، ويقول “لقد كانت مسيرة صعبة منذ البداية، لكن كانت هناك أحلام وطموحات وتصميم على تحقيقها، وقد تحقق الكثير عبر هذه السنوات الأربعين الماضية، ولذلك أقول إننا تعبنا ونلنا نتاج هذا التعب وثماره، نتيجة الإخلاص في التعامل مع تجربتنا، ومن هنا يمكن تفسير نجاحاتنا على المستوى المحلي والمستويين العربي والعالمي، فقد صرنا نشارك في كل المهرجانات المسرحية، وحتى على صعيد المسلسلات التلفزيونية صارت لنا مشاركات مهمة. طبعا علينا هنا أن نذكر مساهمة الخبراء العرب في مجالات المسرح كلها الذين قدموا خبراتهم وتجاربهم مما أسهم في تطوير تجربتنا التي وصلت اليوم إلى العالمية. وعلينا أن نذكر أننا ما زلنا في حاجة إلى الكثير من المتطلبات، وخصوصا ما يتعلق بمعهد الفنون الجميلة، حيث ما نزال نرسل مواهبنا إلى المعاهد الخارجية.
“روح الاتحاد”
بالنسبة للشاعر والإعلامي خالد الظنحاني فـ “روح الاتحاد” هي عنوان المسيرة، وفي هذا السياق يقول “ما أن وقعت عيني على شعار احتفالات الدولة باليوم الوطني الأربعين للاتحاد تحت عنوان “روح الاتحاد”، حتى أخذني التفكير العميق بالمعاني التي ينطوي عليها هذا الشعار. فعندما تتضح لك الرؤية وتتفتق مداركك لاستيعاب وعي التجربة الأسمى، تلك التجربة التي أبهرت العالم من أقصاه إلى أقصاه، عندئذ تتكشف لك عظمة هذا الشعار وبالتالي تتوحد مع تجربة اتحاد عظيم أذهلت علماء النفس والاجتماع، لأنها بكل عنفوان وشموخ خالفت التوقعات وقلبت موازين العلوم الانثربولوجية والاجتماعية والسياسية، خصوصا وأنها تأسست على أسس المحبة والأمانة والإخلاص. فقد كانت نفوس الناس في ذلك الوقت أقرب إلى صفاء السماء وشفافية الماء، وكانوا مخلصين تماما لروح الاتحاد، تلك الروح العظمية التي ألهمت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه”، وبمساندة من إخوانه الشيوخ حكام الإمارات، فكرة تأسيس اتحاد الإمارات التي أسعدت الناس جميعا.. من خلال تلاحم شعب الإمارات بجميع أطيافه ومكوناته مع قيادته الرشيدة، ليتحقق المجد العظيم اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، لأنهم عرفوا بهذا الإنجاز الكبير معنى الوطن الواحد وأدركوا حقيقة الوطن الأم، الحاضن للمحبة والخير والإنسان” .

اقرأ أيضا