الرياضي

الاتحاد

صدام الأذواق

من منا، أكان في ربيع العمر أو في خريفه، لم تأخذه النوسطالجيا إلى أزمنة ماضية، إلى لحظات مودعة في الذاكرة مضاءة بقبس من نور، تذكر بأيام كان فيها عشق كرة القدم طفوليا يلهب المشاعر ويرسم ملمحا للحب الأبدي، لحظات لا نخرج منها إلا بسؤال تتولد عنه أسئلة لا حصر لها، هل كانت كرة القدم في زمن مضى أجمل وأغنى وأمتع منها اليوم؟ ماذا كان ساحرا في كرة الأمس وضاع اليوم؟ وهل ما نؤسسه اليوم من أحكام قيمة عند وضع المقارنات ما هو إلا عجز عن فك الطلاسم الإعجازية لكرة اليوم؟
يبدو عقدا السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وكأنهما عصر كرة القدم الذهبي بما قدماه من ثورات نوعية في فن كرة القدم بدء بالكرة الشاملة التي أبدعتها الطواحين الهولندية ومرورا بالكرة الرومانسية التي قدمها سحرة البرازيل بمونديال إسبانيا سنة 1982، أقمار سطعت بالإبداع الكروي في أحلى تجلياته قبل أن تغطي الرعود التي كانت تحملها التكتيكات الدفاعية القائمة على مصادرة الإبداع في زمن كان على مبدعين من طينة كرويف، بلاتيني ومارادونا وسقراط وزيكو أن يعرضوا سحرهم الكروي في مجازر، يقف فيها لاعبون كان القانون يجيز لهم أن يعطلوا الرادارات ويجهضوا الميلادات ويحفروا قبورا جماعية للفنانين الكبار.
كان لزاما أن يشاهد العالم مونديالا كارثيا وبئيسا سنة 1990 بإيطاليا على مستوى الفرجة، حيث بلغ الإجهاز على الإبداع مداه ليتحرك الاتحاد الدولي لكرة القدم بأسطول من القوانين الرادعة والحمائية ويفتح الطريق بذلك لميلاد كرة قدم إعجازية، بالغة التركيب وعميقة في مضمونها التكتيكي، دأب كثير من أنصار البلاغة على تسميتها بكرة قدم من عالم آخر.
وتبين عند إجراء مقارنة مبسطة اعتمادا على وحدات قياس موضوعية أن كرة القدم بالأمس، حتى في عصرها الذهبي كانت كرة قدم بطيئة، ضعيفة المضمون وفاقدة للإيقاع، ولو أنها كرة قدم تحفظ للإبداع الفردي هويته، عندما كان اللاعب يعطى حرية المبادرة وعندما كان يمنح مساحات لتنشيط إبداعه، على عكس ما هو موجود اليوم، إذ يحتاج نجم خارق مثل ليونيل ميسي إلى أن ينجز وصلاته الساحرة في أزمنة قياسية حتى لا يوثر على المضمون التكتيكي وعلى العمق الجماعي وحتى لا يصيب وثيرة العمل بأي عطل.
وبين الرحلة النوسطالجية لأزمنة ماضية والارتداد إلى الحاضر المثقل بالأسئلة نذكر ما كان من إعدام مباح ومرخص للمهارة الفردية، ونذكر ما كان مرخصا من ذبح للإعجاز الكروي، ونتوصل إلى أن ما قدمه نجوم كبار من أمثال مارادونا، بلاتيني وزيكو من تضحيات، هو ما جعل لاعبين من أمثال ميسي ورونالدو وقبلهما زيدان يصممون هذه اللوحات الفنية الرائعة، لنعترف أن الاختلاف في الحكم على كرة الأمس وكرة اليوم هو صدام طبيعي بين الأذواق وبين الأجيال أيضاً.


بدر الدين الأدريسي | drissi44@yahoo.fr

اقرأ أيضا

زيدان: البقاء بالمنزل للفوز على «كورونا»