الاتحاد

الملحق الثقافي

«كارمن».. عندما يسبق الإبداع زمنه

 مشهد من أوبرا كارمن (أرشيفية)

مشهد من أوبرا كارمن (أرشيفية)

في عام 1845، نشر الكاتب الفرنسي بروسبير ميريميه رواية قصيرة تدور أحداثها في إسبانيا حوالي عام 1820 بعنوان “كارمين”. وهي رواية عن غجرية – بالاسم نفسه - صاعقة الجمال، نارية المزاج، لكنها تلقى نهاية مأساوية بسبب العشق والغيرة.
وبناء على طلب مدير دار “أوبرا كوميك” (الأوبرا الفكاهية) الباريسية، حوّل الموسيقي المرموق جورج بيزيه الرواية إلى أوبرا، كتب سيناريو أحداثها أونري ميياك ولودفيك أليفي. ورغم المكانة السامية التي تتمتع بها هذه الأوبرا في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، فقد ولدت بعد مخاض عسير كاد يودي بها وبدار “أوبرا كوميك” نفسها. فبعد عرضها الأول في 3 مارس 1875 هاجمها السواد الأعظم من النقاد والجمهور على حد سواء، بسبب نهايتها الدامية. وأمام هذا المد الشعبي الغاضب الجارف، وصل الأمر حد أن بيزيه نفسه اعتبرها فشلاً مدوياً.

صلاح حسن

تلخص مكمن العسر الذي اكتنف هذه الأوبرا في النهاية المأساوية للقصة. وكانت الرواية التي استندت إليها قد قوطعت هي أيضاً من قبل القراء لدى نشرها. فقد كان ثمة شعور عام بأن فرنسا تفتقر إلى “القيادة الأخلاقية”، وجاءت هذه الرواية لتعزز هذا الإحساس. ولذا ارتفعت علامات استفهام كبيرة حين قررت دار “اوبرا كوميك” عرضها على خشبتها “كما هي بمأساويتها ودمويتها وكل شيء”.
فالدار، كما يوحي اسمها، كانت تتخصص في الأعمال “الخفيفة والفكاهية”، ولذا كانت تعتبر القبلة الموسيقية للأسر الباريسية الباحثة عن البسمة وسط مشاغل الحياة وهمومها. ورغم محاولات عدة لتغيير نهاية الأوبرا، فقد أصر بيزيه عليها باعتبار أن الفنان هو الذي يقود الجمهور وليس العكس.
وقد وجدت هذه الأوبرا نجاحاً هائلاً (يظل يتعاظم حتى يومنا هذا)، ولكن فقط بعد عرضها في عاصمة الموسيقى فيينا في أكتوبر (تشرين الأول) 1875) بعد انقضاء ثلاثة أشهر على وفاة بيزيه. وهي تتألف من أربعة فصول تتسلسل أحداثها كما يلي:

الفصل الأول
في مدينة سيفيل الإسبانية. إلى اليمين مصنع للسجائر وإلى اليسار ثكنة للجنود مع جسر في الخلفية.
تظهر ميكائيلا (محبة نائب العريف دون خوزيه) أمام الجنود وتسأل عنه فتعلم أن موعد نوبته لم يحن بعد. تغادر قائلة إنها ستعود لاحقاً. يقرع جرس المصنع إيذاناً بموعد استراحة العاملات، فيخرجن إلى الساحة ويهرع الرجال إليهن. تظهر كارمين ويخطب الرجال ودها بأغنية “متى تحبيني؟”. يطلبون إليها أن تختار منهم أحدا فتنتزع زهرة من فستانها وتلقي بها إلى دون خوزيه الذي ظهر أخيراً والذي ظل يتجاهلها. تعود كارمين مع النساء إلى المصنع في نهاية الاستراحة.
تعود ميكائيلا وتسلم دون خوزيه خطاباً – وقبلة – من والدته. الخطاب يحثه على العودة إلى الدار والزواج. تشعر ميكائيلا بالحرج وتغادر الخشبة. دون خوزيه يعلن نيته الزواج منها. نساء المصنع يتدافعن خارجه في صياح وغناء فوضوي. يعلم دون خوزيه ورئيسه العريف زونغا أن كارمين فصدت بمديتها وجه امرأة تعاركت معها. زونيغا يلقي القبض على كارمين ويأمر دون خوزيه بحراستها.
بعد تفرق الجميع تغوي كارمين حارسها دون خوزيه بأغنيتها “حبيبي نائب العريف”. يقع هو في المصيدة ويفك وثاقها. تدفع به إلى الأرض وتهرب.

الفصل الثاني
بعد شهرين في مطعم يؤمه الغجر والعسكر.
زونيغا يحاول إغواء كارمين، لكنها لا تنفك تفكر في دون خوزيه الذي أودع السجن بسبب سماحه لها بالفرار. يدخل مصارع الثيران الشهير اسكاميلو ويغازل كارمين، لكنها تبدد أمله بالغناء لحبيبها الجندي. يرحل الجميع وتبقى كارمين مع صديقتيها فراسكيتا ومرسيدس. يأتي إليهن اثنان من مهربي البضائع هما دانكائير وريمنداغو ويطلبان منهن مساعدتهما في التخلص من بضائع هرباها عبر جبل طارق. ترفض كارمين قائلة إنها “أسيرة للحب”. يسمع صوت دون خوزيه آتيا إثر خروجه من السجن. دانكائير يطلب إلى كارمن إقناعه بالانضمام إليهما.
يختلي دون خوزيه بكارمين ويتصرفان كحبيبين. يتغنى هو بالزهرة التي ألقت بها إليه يوم حادثة المصنع، وتتغنى هي بالخاتم الذي أهداه إليها من سجنه. يسمع صوت البوق آمراً الجنود بالعودة إلى الثكنة. يهم دون خوزيه بالمغادرة فتهتاج كارمين غاضبة وتطلب إليه الهرب والعيش معها حياتها الغجرية. لكنه يرفض قائلاً إن “الشرف العسكري” لا يسمح له بهجر الخدمة. يدخل زونيغا متغنياً بحبه لكارمين. يشهر دون خوزيه سيفه في وجه رئيسه. يدخل المهربان ويمنعان دون خوزيه من قتل زونيغا. بعد هذا لا يبقى خيار لديه غير الهرب مع كارمين.

الفصل الثالث
ليلا في مكان صخري موحش.
كارمين ودون خوزيه على سفر مع المهربيْن وبضاعتهما وفراسكيتا ومرسيدس صديقتي كارمين. واضح أن كارمين ملت الآن صحبة دون خوزيه، إذ صارت تعامله بازدراء. المهربان يطلبان صحبة فراسكيتا ومرسيدس لإغواء ضباط الجمرك. يرحل الجميع عدا كارمين ودون خوزيه.
يدخل مصارع الثيران اسكاميلو ويعترف لدون خوزيه بحبه لكارمين - بدون ان يعلم العلاقة بينهما - ويشكو له من أن قلبها يحظى به جندي. يهتاج دون خوزيه قائلاً إنه هو ذلك الجندي ويطلب إلى اسكاميلو منازلته بالخنجر. المصارع يهزمه مرتين لكنه يطلق سراحه قائلاً إنه يتخصص في قتل الثيران وليس الرجال. في المرة الثالثة ينكسر خنجر اسكاميلو. قدوم المهربان يمنع دون خوزيه من قتل عدوه في الحب. اسكاميلو يدعو كارمين مع المهربين لمنازلته التالية في حلبة مصارعة الثيران في سيفيل ويغادر المكان.
تدخل ميكائيلا وتخبر دون خوزيه بأن عليه لقاء والدته فوراً. يرفض رغم أن كارمين تدعوه ساخرة للعودة إلى قريته الصغيرة. ميكائيلا تخبره بأن والدته تحتضر فيقرر الرحيل. يسمع صوت اسكاميلو متغنيا. تهم كارمين باللحاق به لكن دون خوزيه يقف بغضب في طريقها.

الفصل الأخير
أمام حلبة مصارعة الثيران في سيفيل. حشد صاخب.
هذا هو يوم المصارعة التي دعا إليها اسكاميلو حبيبته كارمين والمهربين. اسكاميلو نفسه يصل بصحبة كارمين التي تتغنى أمام الملأ بحبها للمصارع وبأنها لم تحب رجلاً آخر كل هذا القدر. اسكاميلو يدخل إلى الحلبة. فراسكيتا تحذر صديقتها كارمين من أن دون خوزيه في مكان ما وسط الجموع، لكنها لا تأبه بذلك.
تهم كارمين بالدخول إلى الحلبة. يظهر أمامها دون خوزيه ويتوسل إليها بالرجوع إليه. تخبره بأنها ما عادت تحبه فيتوسل إليها مرة أخرى. عندها تخلع الخاتم الذي كان قد أهداه إليها وتقذف به إلى الأرض. يستل دون خوزيه خنجره ويطعنها. تخرج الجموع بعد انتصار اسكاميلو لتجد دون خوزيه منكفئا على جثة كارمين متغنيا بحبه لها ومعترفاً بجريمته.

لقطات

? توفي جورج بيزيه بسكتة قلبية بعد ثلاثة أشهر بالضبط على عرض أوبراه الأولى عن 36 عاماً، وقال البعض، إن كثرة العمل عليها والهموم التي عاناها بسببها هي التي عجلت بوفاته في يونيو (حزيران) 1875. وساد منذ ذلك الوقت اعتقاد بأنه انتحر بسبب الهم الذي أورثته له هذه الأوبرا.
? أدى نفور الجمهور من نهاية “كارمين” المأساوية إلى أن عددا من المغنيات رفضن أداء دور البطولة. وأثناء البروفات انسحب عدد من المغنين، ووصل الأمر إلى استقالة نائب مدير دار “أوبرا كوميك” من وظيفته.
? وجدت السينما العالمية في “كارمن” (سواء الرواية أو الأوبرا) مادة خصبة لمختلف فئات الأفلام التي فاق عددها الأربعين. وتوالت هذه على فترة زمنية بدأت بعام 1907 في شكل فيلم بريطاني قصير مدته 12 دقيقة (إخراج آرثر غيلبرت)، حتى 2011 عندما صورت في عرض بالرويال أوبرا، لندن، للسينما ثلاثية الأبعاد.

اقرأ أيضا