الاتحاد

الملحق الثقافي

أحمد عبدالملك يكشف عن «الأقنعة»

لا بد لمن يقرأ أي عمل روائي للدكتور أحمد عبدالملك أن يتساءل عن حالة سردية يبدو أنها غائبة في عمليات التجريب التي يمارسها الآخرون من الروائيين العرب، والذين دخلوا كما أتصور الآن في مرحلة السيرة الروائية بما اصطلحنا أن نسميه “بالسيرواية”.
الحالة السردية التي تتصف بها أعمال أحمد عبد الملك هي تبسيط العالم المعقد الذي تتناوله وبخاصة تلك المجتمعات التي بدأت تتغرب ذاتياً، كونها تعيش مرحلة قلق الهوية، حيث نراها في أعماله بكل أخطائها وملامحها وتعقيداتها ورغباتها متجسدة بين دفتي رواية يكتبها هذا الروائي القطري المتعدد الاهتمامات.
من جانب آخر لنسأل: هل غاب التكنيك من أعمال عبد الملك ما دامت هذه الأعمال تنحو منحى تسلسلياً في تناول أحداثها؟
أقول إن تقنية رواية عبدالملك لا تأتي من خارج العمل بل تتمثل في كيفية تقديم شخوصه الذين هم قائمون بالفعل الروائي؟.. ولكن كيف يحصل ذلك؟.
في رواية أحمد عبدالملك الأخيرة “الأقنعة” محاولة جادة لنزع الأقنعة المفترضة التي وضعتها مجتمعات وشخوص على وجوهها، أقنعة سياسية، أقنعة ثقافية، أقنعة من رغبات دفينة، أقنعة من نزوات صارخة، هائجة، متمردة، أقنعة من قمع ممزوج بالإنساني. من هذه “الموضوعة” يقدم عبدالملك عوالم شخوصه على طريقة نسق “التضمين” الذي هو قصة تتضمن قصة أخرى أو ما أطلق عليه بـنسق “التناوب” حينما نضع قصة داخل قصة كأنهما متراكمتان، وما أن ننتهي من الأولى حتى نأتي لسرد القصة الثانية وحين ينتهي العملان نكون قد قلبنا عملية السرد تماماً.
رواية “الأقنعة” هي الأقرب حديثاً “زمن كتابة وأحداث الرواية” إلى القارئ العربي؛ إذ تتناول موضوعاتها الأحداث الأخيرة التي عصفت بالعالم العربي بكل تفاصيلها ابتداء من أحداث تونس وحتى محاكمة “حسني مبارك” التي تجرى الآن، وكأنّ سرد رواية الأقنعة لا يزال مستمراً في زمن هو خارج زمن الرواية، إذ لا نجد تعارضاً بين زمن الرواية “الداخلي” وزمن ما يحيط بها من أحداث “خارجية”. أي أن زمن الرواية كان يوازي زمن الأحداث التي تدور فيها وحالما ننتهي من قراءتها ينتهى زمن الرواية بإقفالها بينما يبقى زمن الأحداث مستمراً، وكأن أحمد عبد الملك قد استغل زمن الأحداث “الخارجية” لتكون شاهداً على طبيعة التغيرات التي حصلت في بنية المجتمع الذي يتناوله وبذلك قد فضح بنية الرواية الاجتماعية تلك إزاء ما يحصل من فضح في بنية المجتمعات التي حاولت وطمحت إلى التغيير.

السيرة الذاتية
يبتعد أحمد عبدالملك من طريقة عرض السيرة الذاتية الممزوجة بحدث روائي، كما نقرأ ذلك في أعمال الكثير من الروائيين العرب، حيث يصبح السارد هو الشخصية المركزية في العمل الروائي أو ينوب السارد عن الشخصية المركزية في سرد الأحداث الخاصة به، وبذلك يتتبع السارد سيرة البطل وتنقلاته بين الأحداث وعلاقاته المتنامية داخل العمل بدون حالة من تشابك فعلي للأحداث، ونستطيع أن ندلل على ذلك عبر الكثير من الأعمال والتي فاز بعضها حتى بجائزة الرواية العربية “البوكر العربية”، كونها مؤشراً على تطور وحركية الرواية العربية، إذ نرى أن أحداث أغلب الروايات ما هي إلا سرد لحياة بطلها من نقطة “أ” إلى نقطة “؟” يفترضها السارد حيث ينهي روايته عندها، باعتبارها نقطة التوهج، ومن خلال هذه السيرة الروائية يعرض السارد عالماً خارجياً موازياً من القهر والسجن في بعض الأعمال والفقر في أعمال أخرى ومن سرد لمفاصل حياتية خاصة في روايات كثيرة. ومن الإحباط في الغربة في نصوص معينة. ومن الهزيمة في مواجهة عالم غربي في نصوص أخرى.
كل ذلك لا نصادفه في رواية أحمد عبد الملك، وصحيح أننا قد نجد هذين العالمين، عالم الذات “الداخلي في الرواية” وعالم الموضوع “الخارجي عن الرواية” ولكنهما ليسا عالم الروائي، أي ليسا سرداً سيرياً، بل هو سرد لصراعات ومصائر بشرية عبر تجارب فاشلة ومريرة جسدتها رغبات أودت بهذه الشخوص إلى الانحطاط أو ربما إلى التسامي.

الشخصية المركزية
يبتعد عبد الملك عن أن يسرد عن شخصية واحدة “مركزية” لذا تجد أن جميع شخوص روايته بمستوى واحد من الأهمية السردية، بينما في أعمال الكثير من الروائيين العرب نجد شخصية مركزية واحدة كونها سيرية، وأظن أن وجود هذه الشخصية المركزية يبعث الملل لدى القارئ وعدم الرغبة في اكتشاف ما سوف تقدم هذه الشخصية من أحداث لاحقة في الرواية، في الوقت الذي نجد في تعدد مستويات الشخوص في أعمال أحمد عبد الملك يمنحها طاقة من الاستمرار والاستبدال الذي لا يبعث الملل والرغبة إلى التوقف عن قراءة الرواية وبتقديري أن ذلك هو من أهم خصائص العمل الناجح.
إن أحمد عبد الملك لا يقدم رواية شخوص، بل يقدم رواية أحداث، وهذا ما يهتم به القارئ الذي يعيش أحداث التغير.
يتابع أحمد عبد الملك قصصاً متداخلة لشخوص يعيشون عالماً واحداً إلا أن نظراتهم “مفاهيمهم” تختلف عن بعضها إزاء هذا العالم. تدور الأحداث في أغلبها بـ “لندن” ويقتنص الروائي شريحة مجتمعية بعينها. يدخل أحمد عبد الملك إلى رفاهية مجتمع عربي ميسور يحاول اقتناص رغباته بأكملها في لندن وبذلك يوحي بثنائية “القمع / التحرر” بما يوازي “الكبت / الرغبة”. يبدو الروائي وهو يدخل إلى عوالم المترفين العرب خلال زيارتهم إلى لندن مصحوباً بعوالم نقيضة يعيشها الفقراء الذين يذهبون إلى لندن “أيضاً”، ولكنهم ذاهبون للعلاج على نفقة الدولة.
يصف الروائي بشكل “بانورامي” الأجواء التي يعيشها العرب المترفون في لندن، في كازينوهاتها، وفي قاعات الروليت التي تحفل بهم، وما يحيط بهؤلاء المترفين من بائعات هوى.
يقتنص أحمد عبد الملك من بين جميع من يعرضهم في المشهد العام للرواية والذي لم يتجاوز الصفحات الثلاث، شخصية “جنّة” وابنتيها “منى وروضة”، اللواتي جئن لممارسة ما هو مقموع في عالمهن البعيد.
يلخص عبد الملك جانباً من حياة جنّة “تعيش جنّة عشر سنوات من الوحدة، حيث تركها زوجها وتزوج بأخرى تصغرها بعشر سنوات، لم تكن حياتهما مثيرة أو حميمة أكثر من اللازم، بل كانت نتاج زواج عائلي تقليدي قبلي رضخت له، رغم أنها كانت تتمنى أن تتزوج شاباً تعرفت عليه في جامعة بيروت العربية عندما كانت تدرس هناك”.
يقدم أحمد عبد الملك كل شخوصه عبر سرد جانب من حياتهم يلخص فيه أهم المفاصل التي مروا بها، ويركز في ذلك على الشخوص الذين يتحركون بفاعلية مؤثرة في الرواية.

الانفصال / الاتصال
هنا نجد “جنّة” مستذكرة زوجها “بو جروي” الوزير السابق الذي انفصلت عنه، في الوقت الذي بدأت ابنتها “منى” تقيم اتصالاً بالفتى “سعيد” في بلدها، وهنا يقيم أحمد عبد الملك ثنائية جديدة وهي “الانفصال / الاتصال” في قطع للرغبة عند الأم “جنّة” وتوصيل الرغبة عند الابنة “منى”، وكأنه بذلك يقدم رؤية نفسية لعائلة متكونة من أشخاص ثلاثة تتحكم في طرفيها “جنّة”.. منى” الرغبة المجنونة واللتين يعيشان الآن حالة انفصال تستدعي البحث عن اتصال لإخماد تلك الرغبة بعودة البنت إلى بلدها واتصالها بسعيد وبقاء الأم في لندن لتحقيق تلك الرغبة.. وهذا ما يحصل فعلاً في نهاية الرواية.
يظهر “سعود” صاحب الجناح الملكي في الفندق “ابن عائلة ثرية جداً ونافذة جداً” في “الأربعين من العمر، يأتي سعود إلى لندن كل شهرين تقريباً هرباً من العائلة ومن الجو الخانق في بلاده، بحثاً عن صيد ثمين يليق به فهو بين نائم وبين رائح وغادٍ في الفنادق الضخمة وفي المطاعم العربية، وفي الليل تتلقفه الطاولات الخضراء في الكازينوهات”.
يقدم أحمد عبد الملك فرشة صغيرة عن حياة سعود “تزوج سعود ابنة عمه منيرة قبل عشر سنوات وقضى معها حياة سعيدة وأنجبت له منصور وعبد الرحمن”.
لا يقدم أحمد عبد الملك أي شخصية من شخوص روايته بدون أن يستعرض أهم مفاصل حياتها الخلفية الأسرية والاجتماعية التي كونتها وبذلك يستطيع أن يرسم صورة تلك الشخصية كاملة، ولا ينسى في ذات الوقت أن يربط خيوط جميع الشخوص مع بعضها في أحداث مكانية أو زمانية أو كليهما معاً وربما يبحث عن أصول قديمة لمواقف تعرفت فيها الشخوص مع بعضها.
يقدم أيضاً شخصية “خالد” الكاتب والروائي المغضوب عليه في بلده والمعروف في مجتمعه والذي جاء إلى لندن لينجز عملاً روائياً ابتدأ في رسم أحداثه وهي في بداية تكونها”.
“ينتمي خالد إلى جيل السبعينيات المكافح، فقد ولد لأبوين فقيرين، ودرس السياسة وأصبح مدرساً للعلوم السياسية في الجامعة” و”يأتي خالد إلى لندن مرة في العام، حيث يعكف على كتابه رواية أو قصص قصيرة” و”أنه رجل ملتزم ويحب عائلته حباً جماً، ولقد ربى أبناءه الثلاثة وابنته الوحيدة خير تربية”.

الرواية الكبرى
يدخل أحمد عبد الملك في رسم نماذجه المتناقضة - على مستوى الحدث، وبنية الشخوص في رواية كبرى تتشكل من الشخوص”سعود / خالد، جنّة / منى”، ونراه يبتعد فجأة عن سرد الأحداث الداخلية للرواية ليدخل في سرد ثانٍ وهو سرد الأحداث الخارجية عن الرواية، من خلال “خالد”.
نظر إلى الأوراق البيضاء التي جاءت في “هارموني” جميل مع لون الغرفة الأسود تراءت له صورة وطنه على الورق.. وتوالت الأسئلة والمشاهد...”.
هنا يستغرق أحمد عبد الملك ما يقرب من عشر صفحات في الحديث عن الإصلاح ومفهوم الحرية والعولمة والمؤسسة، والوطن وحفزه على تواصل الوصف مكالمة صديقه فهد التي جاءت من الوطن.
يختار أحمد عبد الملك شخصية “خالد” الروائي ليبني نصاً تضمينياً من خلال الرواية الكبرى التي يرويها أحمد عبد الملك نفسه، وهي “الأقنعة” مع رواية خالد عن شيخة وحبيبها ناصر وزواجها من الرجل العجوز الذي كان يعاملها بصرامة وبحدة، هذه الرواية “الصغرى” تتناوب سردياً مع الرواية الكبرى (الأصل) وعليه تبدو العلاقة قائمة على القطع والتواصل، بين الروايتين ولكون الاستهلال تم بالرواية الكبرى فإن الخاتمة لا بد أن تنتهي بها، وهذا قانون روائي مهيمن حتى لو زرقت الرواية الكبرى بعدة روايات مصغرة، أما في رواية “الأقنعة” فإننا نجد عكس ذلك كليا إذ الرواية لا تنتهي بالقصة الكبرى بل تنتهي ولأول مرة بالقصة الصغرى المضمنة، وهنا نستدل على أن احمد عبد الملك قد تقصد أن يجعل التساوي بين الروايتين وعلى نفس الأهمية في كشفهما للأحداث أي أن المؤلفين احمد عبد الملك صاحب القصة الكبرى من جهة وخالد صاحب القصة الصغرى من جهة أخرى يتنافسان على انتماء العنوان “الأقنعة” لأي من روايتيهما، وكما يبدو أن احمد عبد الملك اضطلع بالبداية وخالد اضطلع بالخاتمة فتساويا، حيث استحق كلاهما أن يطلق على روايتيهما بالأقنعة.
هنا تمارس الرواية الصغرى “رواية شيخة وناصر” دوراً لا يمكن أن نسميه إضاءة الرواية الأولى أو استكمالها، بل باعتبارها نقطة موازية تحاول إضاءة البنية الاجتماعية التي يريد أحمد عبد الملك فضحها.

الرواية الصغرى
يتوفى زوج شيخة وتواجه قسوة أخوته وبخاصة رغبة الأخ الأصغر للزواج بها وهو الذي بدأ يراودها عن نفسها، وتبقى شخصية ناصر “في الذاكرة”.
وبين سرد روائي يسجله خالد عن شخصيات روايته التي لم يعطها اسماً كونها في بداية تكونها - نجد انقطاعات في رواية “الأقنعة”، هذه الانقطاعات أغلبها تحدث تلفونياً”..
1 - “هاتف فهد من البلد”
2 - “رن جرس الهاتف النقّال”..
3 - “رن جرس الهاتف الثابت في الغرفة”..
ومع هذه الانقطاعات يعرض أحمد عبد الملك ثلاث حالات، اثنتان تنميات ملامح شخصية خالد السياسية والأدبية والثقافية، والثالثة تنمي العلاقة المفاجئة بين شخصية خالد داخل الرواية وشخصية “جنّة”.
يستكمل عبد الملك لعبة روايته الكبرى “الأقنعة” بإدخال شخصية “غنوة” الفتاة العربية المتحررة، والتي لا تتورع من توزيع علاقاتها الجسدية في عالم العرب الأغنياء في لندن.
هنا تجد الشخوص جميعهم وقد دخلوا الرواية حتى الصفحة 36 منها وهم “جنّة وسعود وخالد وغنوة” في الرواية الكبيرة، بينما نجد في الرواية الصغيرة “شيخة وناصر وأخ زوجها الأصغر” وبالضرورة فإن الأشخاص في الرواية الصغيرة لم يكتمل إظهارهم ما دامت هذه الرواية تعتمد على مؤلفها خالد الذي يقطع الأحداث فيها متى يشاء، أي أننا مرهونون بما يقدم خالد لنا في الرواية الصغرى، بينما في “الأقنعة” فإننا مرهونون بما يقدم أحمد عبد الملك نفسه لنا كونه السارد “كلي العلم”.
وبعد أن يسرد أحمد عبد الملك تاريخ غنوة الشخصي منذ زواجها من جون الإنجليزي وحصولها على الجنسية البريطانية وتركها له، ومن خلال شخصية “غنوة” ينفتح أحمد عبد الملك على تناول الأوضاع السياسية في منطقة الخليج عام 2011 والتي وصفها “لا تبشر بالخير” من العراق حتى اليمن.. ويستمر في سرد أحداث سياسية ملتهبة على مدى خمس صفحات.
يطارد “سعود” جنّة وابنتيها، في الوقت الذي كانت فيه جنّة تطارد خالداً كونها تعرفه كشخصية ثقافية في بلده.
لم يفلح سعود في مسعاه ولم تفلح جنّة في مسعاها ويلتقي سعود بغنوة لتحيك معه مؤامرة إسقاط “جنّة” في أحضانه.
يلتقي خالد مع الصحفية “أمينة” التي أرسلت إليه من قبل جهات لتستطلع آراءه في الدولة والسياسة وتمارس عليه دور المناضلة وصاحبة الأفكار المتفتحة، كل ذلك يجري بينهما في حديقة لندنية، ولا يتورع خالد من أن يفصح آراءه بكل وضوح. وكل ذلك كان يدون في مسجل أخفته “أمينة”.

التداخلات المتشابهة
تدخل “غنوة” لتلعب لعبتها مع “جنّة” و”سعود”
وتدخل “أمينة” لتلعب لعبتها مع “خالد” و”السلطة”
تمارس السلطة عسفاً على خالد
ويمارس سعود عسفاً على جنّة
ينتقم خالد من السلطة
تنتقم جنّة من سعود
هذه التداخلات المتشابهة في قصتين ضمن القصة الكبرى “قصص الشخوص” وما بين القصتين حب جنّة لخالد حيث التقت به وقضى ليلة معها ومنحته حبها”.
تدخل “غنوة” و”أمينة” كشخصيتين مساعدتين وهذا جزء من بنية الحكاية وضرورتها.
تدخل جنّة كشخصية مغدورة وخالد كشخصية مغدورة أيضأ ولابد لهاتين الشخصيتين المغدورتين أن يلتقيا وفعلاً التقيا لقاءً واحداً لم يتكرر.
ينهزم سعود بعد أن يأخذ من جنّة ما يريد في لعبة الخديعة التي عاونته عليها غنوة، ويقتل على يد جنّة انتقاماً لنفسها.
وتهزم السلطة عندما تجبر خالد على التخلي عن مبادئه غير أنها تخذل حينما يبقى خالد الشخصية الأكثر احتراماً في مجتمعه.
تلك هي تقابلات رواية “الأقنعة” فعندما تنكشف الأقنعة لا تعد اللعبة مسلية، إذ تكمن تسليتها في تقنعها وممارسة الخديعة ما وراء القناع.
في غرفة غنوة بالفندق، يغتصب سعود جنّة بعد أن خُدّرت تماماً، وتحس بحالها صباحاً وتقرر الانتقام منه بأن تدس السم في شرابه اليوم الثاني.
عالم من الخلافات المتشابكة يريد أحمد عبد الملك أن يقدم من خلاله رؤيته للزيف فيه ولانحطاطه وعدم قدرته على استيعاب المتغير الثقافي والاجتماعي الذي بدأ يهب برياح قوية.
بعد قتلها سعود تحاول جنّة الهرب ويُلقى القبض عليها بدليل كاميرات الفندق التي سجلت دخولها إلى غرفته الفندقية في اليوم الثاني حيث لم يزره غيرها، وتعترف وتُسجن في لندن.
يرجع خالد بأوامر من الدولة ويُسجن في بلده وتهب “المواقع الإلكترونية للدفاع عنه” ويُفرج عنه.
يعلم خالد بقصة جنّة مع سعود ويتألم لذلك.
بسجن جنّة تنتهي القصة الكبرى

حياة روائية
يكتب خالد القصة الصغرى، قصة شيخة وناصر في السجن وحالما يخرج من السجن تنتهي الرواية الكبرى وتنهض حياة روائية أخرى قد بدأت على الورق في القصة الصغرى.
قلت هناك روايتان رواية القصة الكبرى “الواقعية” التي كتبها أحمد عبد الملك ورواية القصة الصغرى “الورقية/ الافتراضية/ المتخيلة” التي كتبها خالد، فهل لنا أن نفترض أن الرواية الثانية “الصغرى” لا تنتمي إلى أحمد عبد الملك، ولكن أحمد عبد الملك قد اشتغل ذهنياً على وجود “خالد” فهل يصح أن نقول إن الروايتين متخيلتان، وإذا لم يكن كذلك فهل يصح أن نقول إن الروايتين واقعيتان مرويتان من ساردين، الأول واقعي “أحمد عبد الملك” والثاني افتراضي هو “خالد” تلك تساؤلات؟.
يسرد خالد في روايته الصغرى “الأقنعة2” هكذا يمكن أن أسميها، تلك الرواية التي ابتدأت متأخرة عن رواية “الأقنعة1” وحالما انتهت هذه الأخيرة بدأت الأولى أي “أقنعة2” التي تستمر في رواية خالد عن أربعة شخوص هم “ناصر وشيخة والشارك ومادلين” وهي تعود إلى عام 1994، وهو العام الافتراضي المتأخر الذي وضعه خالد لبدء روايته به إلا أنه عام خارج سياق ما يجري حالياً.
تقاوم شيخة أخ زوجها وعنف عائلته، زوّجت بناتها ثم ابنها وتفرغت لنفسها وتعود لذكرياتها مع ناصر في باريس، حيث سبق لها أن اختفت من حياة ناصر بعد أن رفضته عائلتها للزواج منها.

شخصيتان مسطحتان
لم يعط “خالد” كونه الروائي هنا أي تبرير لاختيار هاتين الشخصيتين “ناصر وشيخة” ولماذا يدخل الشارك/ القرش الذي يمثل أمن السلطة فيما بينهما، فهما شخصيتان مسطحتان، ليس بهما تلك الملامح القادرة على ملء الرواية ببؤرة صراعية مهمة، الفتى (ناصر) والفتاة (شيخة) يحبان بعضهما ويفترقان وتتزوج شيخة ويموت زوجها وتربي أولادها ويتزوجون وتعود إلى حياتها الطبيعية للاعتناء بجسدها ويدخل الشارك/ القرش، لماذا؟
لا مبرر هناك سوى أن ناصر كان كثير النقد والتعرض للسلطة.
تعود شيخة لاستذكار علاقتها بناصر في شقتها الباريسية قبل خمسة عشر عاماً في الوقت نفسه كانت قصة هذين الحبيبين المنقطعين عن بعضهما منذ زمن بعيد قد وصلت إلى الشارك/ القرش “يبدو أن الجهات الأمنية لا تخفي أي شيء عن المسؤول الكبير الذي يسمونه الشارك، فلقد وصلته قصة “شيخة” مع “ناصر” عبر الملف السري اليومي.. وأن ناصر قد أدخل السجن، كان الشارك لديه غريزة حب الاستطلاع بصورة مستحوذة، قرأ رقم هاتف شيخة في التقرير واتصل بها، لم ترد، ذات مساء من عام 1994، اتصل بها من هاتفه الخلوي، ردت مرافقتها “مادلين” بخوف.

التشابه اللامنطقي
الرواية الصغرى كتبت بذات ونفس الأسلوب والتراكيب ومعالجات الرواية الكبرى بالرغم من اختلاف الساردين “أحمد عبد الملك/ خالد” وهذا يشكل إخفاقاً لم يعالجه الروائي “أحمد عبد الملك”خارج النصين، فالرواية الصغرى لا تعطي تبريرات لأسباب دخول الشخصيات فيها، فهل لأنها قائمة على فعل تقابلي تصطف فيه الشخصيات جميعها من جهة ونجد الشارك من الجهة الأخرى حيث يتولد التضاد لا الصراع.
يتابع “الشارك” تحركات شيخة ويتصل بها ليستفسر منها عن “ناصر” فترد عليه بأن “ناصر أكاديمي ودرَّسني في الجامعة وكانت لي حوارات معاه عن الشأن العام!”.
ويزمجر الشارك:
- حوارات توصل للحب والغزل والمقابلات، أي حوارات هذي؟ انتو تخططون حق انقلاب يعني؟..
ماتت من جديد وهي تسمع كلمة “انقلاب” كون ناصر يحمل أفكاراً إصلاحية..
ويهدد الشارك بأن يسجن ناصر ويلتقي بجنّة في مطعم فندق جورج الخامس في باريس، ويلتقيان الشارك وشيخة بحضور مادلين، وتتغير حياة شيخة وتحولت إلى “سريّة” تطيع ما يقوله لها الشارك.
هنا يظهر خالد في مواجهة الشارك حيث يدخله أحمد عبد الملك كطرف في الرواية الثانية ليتحول خالد من روائي إلى شخصية في الرواية الصغرى أي أنه “أحمد عبد الملك” يمسرح شخصية خالد من جديد بالرغم من أنه هو الذي يكتب الرواية الثانية فينوب هنا “أحمد عبد الملك” عنه في إتمام الرواية.
ويستمر نقاش طويل بين خالد والشارك، ويتصارع هذان الشخصان حول مفاهيم الحرية والمبادئ، وأخيرا يُعين الشارك خالداً سفيراً في إحدى الدول الأوروبية.

فجوة بين روايتين
أعتقد أن هذا اللقاء لم يُغن الرواية بشيء، وأن لعبة خروج خالد من كونه سارداً وروائياً للقصة الصغرى إلى شخصية فيها لا يعني شيئاً، بل أدخل احمد عبد الملك الروايتين في فجوة كان المفترض تجنبها، حيث ابتدأت الروايتان بدايتين جيدتين ولكن حالما اشتبكتا في هذا المفصل أضعف إلى حد بعيد من تركيبة الرواية لأننا عرفنا أن شخصية خالد قد أقفلت بخروجه من السجن، وبروز خالد كروائي للرواية الصغرى، إذاً لا أجد ضرورة لظهوره ثانية كشخصية في الرواية من جديد لأنه اضطلع بمهمة عليه أن يُنهيها كروائي للرواية الصغرى.
كان ناصر يكتب مقالات في الجريدة فانقطع عن ذلك، ويبدأ في العمل بمجال المقاولات ويعتقل من قبل الشارك ويمارس ضده أقسى أنواع التعذيب فيفقد على يد أحد الضباط عينه خلال التحقيق معه، كان زمن السرد الذي وصل إليه خالد بسجن ناصر هو ذاته الزمن الواقعي خارج السجن بـ “سجن حسني مبارك”.
“في مكان آخر من العالم كان “ناصر” أيضاً يقف خلف القضبان وقد سمع عن محاكمة الرئيس المصري المخلوع”.
وتدخل قصة ناصر على يدي خالد إلى حيز من المطالبة العالمية بحقوق الإنسان.. ولابد من أن يفرج عنه ولكن بعين واحدة وطرد الضابط الذي فقأ عين ناصر، ليعود الآخر إلى المسجد منكسراً ومستعيذاً وتنتهي القصة الصغرى.
قدم أحمد عبد الملك روايتين تداخلتا وتباعدتا في الشخوص وبالرؤى وبالأفكار وبالمصائر فهل استطاع أن يزيح الأقنعة فعلاً؟
ذلك هو السؤال المهم..

اقرأ أيضا