الاتحاد

الملحق الثقافي

من مرآة إلى مرآة

لوحة للفنان توماس أورتيغا دياز

لوحة للفنان توماس أورتيغا دياز

بين الأنا الواعية واللغة علاقة قرابة ورحم. وربما كان اللاوعي الأب الكبير لأمنا اللغة. إذ ثمة ذكورة وأنوثة بالتأكيد في التقاطعات العميقة بينهما.
نعود للحلاج كل مرّة حين يقول: “لقد ولدت أمي أباها”. إنها تلده باستمرار وتعيد خلقه. والكاتب موقع لهذا التوالج، وربما هو من أكثر مواقع التوالج خصوبة وارتجافاً، تتجلى له الظهورات المقدسة للأشياء والعلائق حين يقدحُ اللغة بحساسيته العالية.
عند هذا التجلي، عند ملامسة العلو هذه ينفتح الجسد على احتمالات شتى لفضائه. يتحرر الجسد من تحرر الروح. وكل جلسة لكاتب مع البياض ما هي إلا منطقة أخرى وقد أضيئت وكشفت في الجسد. لقد ظهر الجسد في اللغةِ، لقد بان، لقد أُرِّخ. ويمكننا أن نلاحظ أيضاً، وربما دون تعبٍ يذكر، أن الجسد والوعي لا يحضران معاً. حضور الوعي: غياب الجسد. غياب الوعي حضور للجسدِ. الجسدُ لا يغيب عندما يُهمل ويُستلب، انه يتحشف ويتحرشف. والوعي لا يغيب في الطمأنينة الكاسدة، إنه يتقلص ويخبو.
إننا نتحدث هنا عن الكاتب، أي عن الإنسان الذي انقلب على القطيع وصاحب الذئب. يجلس ذات صباح أو ذات المساء على طاولته، أو على قارعة لحظة، يكتب هذه الجملة... يا ترى من أين جاءت هذه الجملة؟ كيف قفزت إلى الرأس؟. ربما من أغواره. أغواره التي بقيت مغلقة حين يمارس اعتياداته، وها قد حانت اللحظة المناسبة كي تغلي هذه الأغوار وتتقافز حممها وينابيعها. ثمة في داخل المبدع. في الداخل الداخل للمبدع، أجنة لبراكين وزلال وينابيع كما للأرض القلقة، كما للأرض الخصبة.
عند هذه الأنوثة الخالقة والمخلوقة يتقاطع المبدع مع الأرض، الأرض كأنثى خالدة للسماء، ويتقاطع كذلك مع الحياة كمولودة حسناء للموت، وأيضاً مع المرأة كصورة تجلٍ للخالد والأبدي والسري والجميل في الوجود.

إنفصال
لقد افتتح الإنسان حياته على هذا الكوكب بالانفصال: شقَّ أنثاه، وقطف الثمرة المحرّمة، واكتشف الشيطان بين ردفيه. ومن يومها والانفصال شقيق الوعي. الوعي شقيق النقص، والنقص قلب جائع متلهف هلع لاكتشاف.
وبقي الخالد والكامل والأبدي والحر والمنسجم متناسجاً مع حياة اللحظة. وبقيت هذه الحياة تتمسك بعلاماتها الصعبة والعصية دون ألم ووجع ووجد. هذه العلامات التي نسميها أحياناً وباستسهال ينتمي بالتأكيد إلى بلادتنا: باللذة والدهشة والنبض.
دون لذة ودهشة ونبض تتحول أجسادنا إلى جحور سعالي السليقة. دون لذة ودهشة ونبض تتحول حيواتنا إلى رحى تدور على حصى. وباللذة والدهشة والنبض يتخلق الراقص والشاعر. الباحث والحادس. العالم والساحر. وباللذة والدهشة والنبض تتكشف الحياة والوجود وتجدد الله وتسطع الأنثى. وخلف الحروب والمجاعات والصحاري والسجون والأوهام، خلف كل ما هو قبيح يكمن غياب الأنثى. الأنثى التي يشترط حضورها: نبض ودهشة ولذة. كما أن الشعوب التي غلَّبت الذكورة على الأنوثة والشمس على القمر والعقل على المتخيل شعوب صدئة ما زالت الملوك الصغار والجيوش الموهومة والعقول ذات الحيض الحامض والعادات السرية تلعب بمياهها، مياهها التي ما زالت مستنقعات وصديد ورشح وقيء.
وبتغيبها الأنثى يغيب الجسد، ويغيب الوعي والوجود. يغيب كل شيء ولا يبقى إلا الجفاف: لغة جفاف، جسد جفاف، مدن جفاف، حلم جفاف. لأنَّ الأنثى رطوبة الخليقة، ماؤها ذاك الذي هو خلق منه كل شيء. ويجلس الكاتب على طاولته، أو على رأس كارثة، مع البياض كي يغرف من بحار الأنثى إلى صحاريه. ولو نظرت إلى هذا الغَرْف من بعيدٍ لوجدت فيه من الجنون والحمق ما وجدت، ولكنه غَرْف لا يرصد الجدوى بقدر ما يلتذ بنفسه كفعلٍ، وهو غَرْف لا يُعنى بالكمياتِ كما أنَّ دلاءه ليست مما نعهد. انها الدلاء التي أنجبت للإنسان إنسانيته. إنها الدهشة واللذة والنبض.
نعطي كل ها الشأن للأنثى لا من مجانية ولا من طيشٍ، وإنما من وعي محدق بالانفصال هذا الذي ينحر الإنسان من فجر حياته الأول.
ولا أظن أن هناك انفصالاً حاضراً وجلياً في حياة الإنسان اليومية كانفصاله عن المرأة في جسدين، وبينهما لغة وفضاء. ولعلَّ هذه الأكداس من الغراميات، سواء منها تلك التي امتلكت ابداعية فذّة أو تلك الحكايات التي تُرَوج لأغراضٍ نفعية... لعلها لا تعبر في مجملها إلا عن اكتشاف لهذا الانفصال من جهة وتألما منه وحنيناً إلى انسجامه من جهة أخرى.
والإبداع الإنساني بما فيه المتخيل العربي المتعلق برمز المرأة نجده ينطلق من المرأة ككائن إلى “الأنثى” كأساس مرتبط بكينونة الإنسان، وبسر وجوده، فمن شعر ما قبل الإسلام وقصص الجان وأحلام الملائكة، إلى القرآن والشعر العذري والتراث الصوفي كانت الحساسية الإبداعية تمد الجذور عميقاً إلى طبقات هذه البنية وما تعبر عنه من تراكيب أخرى لا تقل عمقاً وسرية وأهمية بين الحياة والموت (كما عند الجاهليين والمتنبي) وبين الحسي والوجودي (كما عند العذريين) وبين الحسي والروحي (كما عند المتصوفة).
كل ثنائية مكتشفة ما هي إلا وعي، بما أن الوعي مشروط بالتمييز، وكل ثنائية قد وعيت ما هي إلا وضع رأس على انفصال وشرخٌ في علاقة الإنسان بهذا الوجود، حتى أنه يبدو أن حياته البشرية ما هي إلا حصد للانفصال، ما هي إلا تجليات لموت. فقبل 25 سنة أو ما يزيد قليلاً كنت في رحم أمي. كنت في تلك المنطقة التي فيها أنا متصلاً مع الجسد، متصلاً من الداخل.
كنتُ كالبدائي الذي لم يقطف جسده بعد من الغابة، كنتُ كوناً في مساري، كنت حُراً وعاطلاً على نحو ربّاني. كان جسدي، أو الجسد الذي كنت فيه، الكون كُلُّه. كنت لا أعرف كوناً آخر غير هذا الجسد، كنت لا أعرف جسداً آخر غير هذا الرحم. وفجأة لفظني كوني إلى الخارج فبكيت. ربما بكيت لأنني ولأول مرّة أجدني على حجر الانفصال. مكان بكائي حدوسياً عارفاً ملهماً: انني أبكي من هول ما سأرى. وفي المطار أحنُّ. وعند أول صباح للفراق أفزَع، ومن لحظتها توالى اللفظ: جاءت القابلة وقطعت المتصل بالأبدية. لقد أغلقت السُرَّة عليَّ، ولكنني كنت مجموعاً على جرحها لأن جرحها لم يزل طازجاً. واكتشفت الثدي باباً آخر على الأبد. نافذة أخرى على الرحم. وجفَّ الثدي.
حينها خرجتُ من الغابة إلى العراء، فوجدتُ الدهشة إلى الأشياء. كل شيء عالٍ، كل شيء بعيد، جديد. البكارة لون الأشياء، الأشياء فضائي، وأنا طليق في الأشياء.
كان كل شيء صديق في اللعبة، وبدأت في الخروج من اللعبة إلى ومن اللاعب إلى الأب.
ويلي لقد التقيت بالأسماء وتلقيتها كأسماء واستعملتها كأسماء وفرقتني.
اتسعت الهوة بيني وبين كوني. غدوت مقطوعاً يمشي ويكبر ويؤسس قطع ويتوالى على الانفصال. غدوت انفصالاً في فصول، فصول تتوالى في سنوات، سنوات تتوالى في مرآةٍ. مرآة على الجدار، تمعن في الجدار، تتشقق إلى مرايا على الجدار، الجدار يتعدد. المتاهة احساس.

حلكة التحليل
لعلني كتبت ما سبق من أوراق قبل عشرين عاماً أو يزيد. كنت وقتها على الثلاثين أوشك، ورأسي عاصف تملؤه أشواك الأسئلة وتفتك بداخلي حرقة المسافة. أريد سكب رحيق روحي في كأسها، هكذا تجد نفسها أنا، ولكن كأسها مهشم وروحي مغارة أمراض ولا رحيق يسيل من أعطاف ذلك الخبل، لا سكب يحدث في حالة ذلك التلعثم. أبحث عن لغة أخرى يا ولد، قال لي الطريق، فالانسجام مستحيل، والمستحيل مرعب ومر، المستحيل هو الواقع. فخرجتُ إلى برية الأسماء، أكتب مثل هذه الأوراق. أرى ولكن كأعمى، تأخذني الكلمات إلى أحواضها المكسورة، واللحظات إلى أمواجها المهدورة. تتناهبني حلكة التحليل، ويفتك بي قلق الحرقان وتتقدم ظلي جيوش الرغبات المقتولة.
تلاطمت أفكاري، وانبعث العويل من خرائب الكلام. تكشفت أحجار العقل عن صديد المعنى.
لا البئر الملقى عميقاً في الهواء باستطاعتي أن استخرج منه ماء الحياة، وليس بامكاني السباحة في البحر المفتوح على الأحلام. ومن صعد إلى الجبل صعد من دوني، ومن صاحب الملائكة صاحبهم بعيداً عني، ومن أكل ثمار البكاء لم يذقني من تفاح ذاك اللؤلؤ، ومن مضى بقاربه على نهر الضحك، تركني مكدَّساً أنا وظلي على ضفة الحكاية. التهمتني الطرقات، والأفكار التي تراود الطرقات والأبواب التي تقف على الطرقات، والشرفات التي تحرس الأبواب، والمرايا لا تعير اهتماماً تلك الشرفات.
البحر الذي أحمله في روحي كان يئن من القيود. رياحه محبوسة في بلاستيك الأشرعة، أمواجه في قناني الزيت، سفنه مرسومة على دفتر الموت ومهجورة يلتهمها الرمل. موانيه المردومة كقبور، راياته الممزقة كأحشاء قطة دهست على الشارع هذا الصباح. لهجته الحية التي تحشرجت (...). فكرته التي غرقت في الضحالة، لعنته التي ربطت بأعمدة المساجد، أرزاقه التي تناثرت بعيداً عن سعادته وغروره. أحشاؤه التي جرفتها أسنان المراكب. رمله النقي وقد مرَّت عليه مخلفات الليل.
كان البحرُ يسقط من يدي في حفرة الماضي. كانت الصحراء تسمع أخباري كما نسمع نحن عن أخبار الموتى، وفي يوم أخذتني موجه من يدي ووضعتني في أحضان الصحراء، لا أرى حولي ظلالاً ولا ماء. أرى خيمة مملوءة بحراشف الوهم، وأرى حصيراً ممدوداً من سعف العطش، وأرى دابة ممسوخة من أيام قطع الطرق على المطر، أرى مطراً من سجيلٍ. أرى رملاً من إبر. أرى بئراً من وبر. فجلست سنين في تلك الصحراء، انتظر مجيء الصحراء التي أعرف، ولكن الصحراء التي أعرف تجاهلتني. ثم تبين أنها سجن يلبس ثياب الصحراء. فجلست سنينا أخرى في الصحراء انتظر مجيء الصحراء التي أحلم، فقيل لي لا أحد يحلم بالصحراء إلا أنت. أنت كاذب ومنافق ومراء، وأركبوني قارب سراب وطردوني من تلك البقعة الخالية إلى محل كله ديدان وكله جاريات وكله قناني، وكله مرايا، وكله ورق محارم، وكله كؤوس.
من يدلق يده يسيل حتى آخر قطرة من ظلامه، من يحمل رأسه يضعه على الطاولة ويذهب للعب بعيداً عنه. من يتعرف على دودة يتحمل أوامرها، من يذهب مع جارية ينسى المستقبل، صاحب قنينة من تلك القناني وخذ كأساً ومزيداً من ورق المحارم وأدخل إحدى المرايا ولا تخرج حتى الصبح.
هنالك ستجد من تكلمه. هنالك ستجد من تفهمه. هنالك سيملؤك الضوء، وسترى الشائك، وتتسع أعماقك للسماوات الضائعة. هنالك قل الذي لم تقل، فما لم تقله بعد يأكل عينيك، وهنالك فعل ما لم تفعل. فما لم تفعله بعد قد هشَّم يديك.
ومن يومها وأنا أدخل هذه المرآة وأخرج من تلك، حتى عرفت كثيراً من المرايا، حتى تعبت من معرفة المرايا فعدت إلى بيتي وأغلقت الأبواب عليَّ. أقدامي تمزقت من الرقص، يدي ضاقت على الكؤوس، نظراتي تعبت.
أغلقت الأبواب عليَّ. ليوم، ليومين، لثلاثة عشر. ثم بدأ الضجر يمشي في رأسي، ثم امتلأ رأسي بدروب الضجر، ثم قادتني ضروب الضجر إلى الطاولة...
وجلس الكاتب للبياض، لحضرة البياض. جلس كاتب على بياض، أمام الورقة البيضاء، على الطاولة البيضاء، في الغرفة البيضاء، في العالم الأبيض.


أحمد راشد ثاني
a.thani@live.com

اقرأ أيضا