الاتحاد

الملحق الثقافي

قصيدة البيت الواحد

عرف الشعر العربي القديم بمطولاته ومعلقاته أو بقصائده ذات الشمولية، حيث سياسة الشاعر القديم في ترتيب قصيدته منذ مطلعها مرورا بالأحداث والحكمة والغزل والوصف وتلك الأغراض التي تجتمع في قصيدة واحدة، ثم ما لبثت تلك القصيدة أن اتجهت نحو وحدتها الموضوعية وغرضها الواحد، ثم مرت الشعرية العربية بتغيرات الشكل الفني أو بطرق الشعراء لمواضيع لم تكن تطرق من قبل، فأصبحت القصائد أقصر والغرض الشعري متحللا إلى عدة أغراض وظهرت شعرية الموقف والحدث والحالة الشعورية الواحدة ومن ثم الذاتية واليومي والمعاش. وأصبح الشاعر كذلك يرصد اللحظة الإنسانية بعناية حيث يمكن أن نستلها من قصيدته مفردة في بيت واحد، وأعني تلك الأبيات التي حفظها الناس ورددوها طويلا في ذاكرتهم الجمعية من الشعر، وبقدر قراءتنا للشعر العربي البيتي أو العمودي يمكن أن نعثر على ذلك البيت الواحد في القصيدة الواحدة أكثر من مرة، ولدى جميع الشعراء.
هذه التجربة الممتعة والشيقة طرقها خليفة التليسي في كتاب “قصيدة البيت الواحد” عام 1983 عن سلسلة “كتاب الشعب” المحلية، ثم صدرت طبعة ثانية للكتاب عام 1991 عن دار الشروق المصرية والشاعر غازي القصيبي في كتابه “في خيمة شاعر” عام 1988، وأخيراً الشاعر أدونيس في كتابه “ديوان البيت الواحد” عام 2010. وفي الكتب نفس الفكرة وتقوم على اختيار أبيات شعرية من خلال تجربة الشعر العربي القديم أو الحديث أيضا - كما هو لدى القصيبي - تلك الأبيات التي يمكن أن تمثل قصيدة أو لحظة شعورية أو ديوانا على حد تعبير أدونيس: “البيت الذي يقوم على فكرة وومضة أو الصورة أو المعنى الذي يصل له القارئ”، أو ما سماه من قبلهما خليفة محمد التليسي بقصيدة البيت الواحد.
والبحث هو مدخل مهم لإعادة قراءة شعرنا العربي اليوم وفق تصورات مختلفة وبناء على مفاهيم تتجدد وقراءات جديدة، بل يمكن أن تكون هناك تجارب أخرى مشابهة؛ فالكتب تقوم على ذائقة كان شرطها الضمني سلفا القراءة العميقة والمديدة للشعر العربي. في كتاب خيمة شاعر للقصيبي نقرأ لتجارب حديثة أيضا ضمن نفس المفهوم “البيت الواحد” في إشارة إلى معنى جديد لمفهوم كلمة “بيت” الشعرية، فهي لا تعني لديه البيت الموزون المقفى فقط بمعناه التقليدي بل البيت بمعناه الشعري وليس بيت القصيد أو الحكمة أو الذي يتبادر إلى الذهن شرطه الشعري القديم، بل تلك الفكرة أو الومضة التي تحدث عنها أدونيس في مقدمته لكتابه وبالتفاصيل في كتاب التليسي منظرا لقصيدة البيت الواحد.
العنوان يبتكره القصيبي ليشف عن المعنى أو يضيف له أو يفسره أو يتماهى معه، والقصيبي يضع على الأبيات عناوين عصرية أحياناً أو تتسم بروح الفكاهة أو بإعادة صياغة المفهوم من هذا البيت أو ذاك، بل إن القصيبي يرى أن البيت الواحد هو لون مستقل وليس بديلاً للقصيدة الكاملة، وهذا ما سنقرؤه في كتاب التليسي حيث يضع عناوين لكل بيت مختار ووفق نفس المفهوم أيضا بينما اكتفى ادونيس بالبيت بعيداً عن عنونته، تاركاً للقارئ أن يصل إلى الفكرة وحساسيتها وما توحي به، بل يكتفي في كثير من الأحيان ببيت واحد للشاعر يرى أنه يحقق فكرة البيت الواحد، ولعل الجميع دونما قصد قد التقوا في أبيات مشتركة مع العديد من الشعراء وخصوصا المتنبي وأبي العلاء المعري وابن الرومي ومهيار وبشار بن برد، كما التقوا في نفس الفكرة دون اختلاف، وفي امتحان التجربة من خلال نفس الرؤية، ولم يكن هذا بالأمر الهين والسهل فالتليسي والقصيبي وأدونيس ممن ألموا بالشعر العربي والتراث الأدبي بشكل جيد، والقصيبي وأدونيس كتبا الشعر في آفاقه الجديدة لذا فإن مرورهما بذاكرة شعرنا العربي مهمة ومع شاعرين استوعبا هذه الذاكرة وذائقتها وجمالياتها.
إن أهمية هذه التجارب الثلاث في أنها تكوّن مفاتيح مهمة ومشوقة لقراءة المزيد وتحرض على الاكتشاف الشبيه بها، وعلى محاولة الدخول في التجربة حتى لو بآفاق أخرى، وفي كونها تخلخل ما ساد عن بعض الشعراء من مفاهيم ثابتة وجامدة أو فكرة عُممت على جميع القراء من خلال الدرس النقدي أو الأكاديمي الجامد، فها هو المعري الشاعر الكبير في هذه المختارات ليس الشاعر الفيلسوف فقط بل والعاشق، وليس أبو نواس مجرد شاعر للهوى بل هو الرؤيوي والحكيم... وهكذا سنقرأ البحتري ويزيد والحمداني وابن الرومي وعروة بن الورد، حتى شعراء ما سمي بالعصر الأندلسي وصولا إلى أحمد شوقي والرصافي وحافظ وغيرهم.

الكتاب: ديوان البيت الواحد في الشعر العربي
الكاتب: أدونيس
الناشر: دار الساقي

اقرأ أيضا