الاتحاد

الملحق الثقافي

الحوار الإسلامي العلماني

في مصر وفي العديد من البلدان العربية جدل شديد، يبلغ حد الصراع في بعض الأحيان، بين تيارين هما: الإسلامي والعلماني، وزاد هذا الأمر في الفترة الأخيرة مع الانتخابات البرلمانية في مصر، ويجب القول إن هذا الصراع بدا واضحا منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي مع اكتشاف جماعة التكفير والهجرة، وهي الجماعة التي اغتالت د. محمد حسين الذهبي أكبر علماء التفسير بجامعة الأزهر ووزير الأوقاف آنذاك واتسع الخلاف بعد اغتيال الرئيس السادات في 6 أكتوبر 1981.
ومع بلوغ الاستقطاب الفكري والسياسي مداه بين الجانبين “إسلامي- علماني” ظهرت الدعوة إلى ضرورة عقد حوار بين الطرفين، وعقدت عدة جلسات على فترات متباعدة، ربما كانت واحدة من أهم الجلسات تلك التي عقدت في القاهرة عام 1989 وحضرها لفيف من المفكرين والمنشغلين بهذه القضية على الجانبين مثل طارق البشري ومحمد عمارة وسليم العوا، بالإضافة إلى د. سعد الدين إبراهيم وعلي الدين هلال وآخرين.
وقد قامت مجلة الأزهر بإصدار تلك الندوة في كتاب قدم له بمقدمة ضافية د. محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية، وأن يصدر هذا الكتاب “حوار الإسلامية والعلمانية” عن الأزهر الشريف الآن، أمر له دلالة خاصة إذ يعني أن الأزهر كمؤسسة مشغول ومهتم بهذه القضية: التقريب بين تيارين لكل منهما موقفه الفكري، ولا غرابة في ذلك، فقد اهتم الازهر من قبل بالتقريب بين المذاهب الإسلامية وتحديدا السنة والشيعة، وشغل بالحوار بين المسيحيين والمسلمين، أفلا يقرب بين الإسلاميين والعلمانيين؟.
أحد دواعي الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين، كما يراها د. محمد عمارة أن التناقض الحقيقي في المجتمع والأمة عموما ليس بين الإسلاميين والعلمانيين، لكنه بين كل الفصائل والتيارات من جانب والهيمنة الغربية من جانب آخر.
ويقسم د. عمارة الإسلاميين إلى أربعة تيارات، يمكن التحاور مع واحد منها فقط، الأول من يسميهم النصوصيين وهؤلاء من يتعاملون مع التراث، بالتقديس الذي يتعاملون به مع الوحي الإلهي، وهؤلاء النصوصيون لا يعترفون بالآخر من الإسلاميين فما بالنا باعترافهم بالعلمانيين، لذا لا يمكن ان يقوم حوار معهم. وهناك فريق المتطرفين، الذين رفعوا شعار التكفير والجاهلية في وجه الآخرين من الإسلاميين. والفريق أو التيار الثالث هم المنخرطون في تنظيمات إسلامية بعينها، وهؤلاء لديهم التزام حزبي بالتنظيم وقواعده الصارمة، لذا لا يمكن ان يدخلوا في حوار.
الفريق الرابع يطلق عليه “الاجتهاد والتجديد لحضارة الإسلام”، وهم من يمكن أن يدور الحوار معهم والواضح ان هذا الفريق هو من يطلق عليهم لقب “الإسلاميين المحدثين” أو تيار الإسلام المستنير، وهم أفراد يعملون في مجالات بعينها للتجديد.
في المقابل يتم تصنيف العلمانيين إلى مجموعات وفصائل ثلاث، الأولى هي “العلمانية الثورية” وهم الذين لا يكتفون من العلمانية بفصل الدين عن الدولة لكنهم يريدون فصل الدين عن المجتمع في كافة أنشطته وثقافته وقيمه، هذا الفصيل لا يمكن الحوار معه، لأن الخلاف هنا لا يتعلق بقضايا فرعية أو جزئية بل بأمور جوهرية، أي وجود الدين في ذاته وفي حياة البشر، بغض النظر عن الدور السياسي له.
الفصيل الثاني هم الداعون بوعي للتبعية الغربية، هم يقاومون السيطرة الغربية سياسيا وناضلوا ضد الاستعمار وعملوا على تحقيق الاستقلال الوطني، لكنهم يريدون أن نأخذ من الغرب بقية جوانب الحياة في التشريع والقوانين والثقافة وغير ذلك وهؤلاء لا يمكن الحوار معهم، والفصيل الثالث من العلمانيين ويشكل الأغلبية من الوطنيين والقوميين وهم الأكثر عددا والأكثر نفوذا في المجالات السياسية والثقافية والإعلامية وهؤلاء يريدون فصل الدين عن الدولة، ولكنهم مسلمون يدينون بالإسلام، ومن ثم فالخلاف معهم ليس في الاعتقاد ولا في الأصول بل في الفروع أو في قضية الدولة.
وهدف الحوار أن يكتشف كل منهما الآخر؛ فالعلمانية عند هؤلاء ليست كما يتوهم بعض الإسلاميين الكفر والإلحاد والعمالة كما أن الصحوة الإسلامية ليست جميعها رجعية وغلو وتشدد بل لها وجه مشرق كتيار بعث وإحياء وتجديد اجتهاد. أهمية هذا الكتاب ليس فقط في كاتبه وأنه عضو مجمع البحوث الاسلامية بل انه يصدر عن الأزهر الشريف، مما يعني أن الأزهر يحبذ الحوار والالتقاء بين الفرقاء في الفكر والسياسة.

الكتاب: حوار الإسلام والعلمانية
إعداد وتقديم: د.محمد عمارة
الناشر: مجلة الأزهر - 2012

اقرأ أيضا