صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

موسكو في آسيا الوسطى·· تحركات تثير قلق الأميركيين


نيويورك - أحمد كامل:

يتزايد الحديث في الولايات المتحدة الآن عن أوضاع روسيا الداخلية وسياستها الخارجية وما يوصف بـ''خيبة الأمل'' من الخط الذي ينتهجه الرئيس ''فلاديمير بوتين'' في المجالين معاً· ربما يرجع ذلك إلى أن بوتين أجهض قدراً مما كانت الولايات المتحدة تتصوره عن مستقبل روسيا، وربما أيضا انه تراجع عن أسس الديمقراطية والانفتاح الاقتصادي كما يقول الاميركيون· وفي الحالتين فإن ''الهم الروسي'' يظل هماً استراتيجياً في المقام الأول بالنسبة للولايات المتحدة، أي أن الأمر لا يقتصر على ما يفعله ''بوتين'' داخل روسيا فحسب، بل يمتد - وربما قبل أي شيء آخر- إلى ما يفعله خارج حدود بلاده·
قبل أيام ألقى خبير أميركي هو أستاذ العلاقات الخارجية في جامعة ''جورج تاون'' البروفيسور ''بيل بايسون'' محاضرة حول هذه القضية، قال فيها إنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تحاول فهم حركة ''بوتين'' على الساحة العالمية، وطبيعة الاستراتيجية الروسية تجاه العالم، لأن ذلك هو ما يحدد ليس فقط وزن روسيا دولياً ولكن أيضاً علاقتها المستقبلية مع واشنطن· وتابع ''بايسون'' قائلاً ''إن متابعة حركة موسكو على الصعيد الاستراتيجي الدولي تصل بنا إلى استنتاج واحد أساسي· ذلك هو أن الكرملين فعل ما كان الجميع يتوقعونه وان كان في وقت متأخر عما توقعناه، أي انه اتجه إلى آسيا الوسطي باعتبارها منطقة النفوذ الأولى المرشحة أمام الاستراتيجيين الروس، وعلى أساس متاخمتها جغرافياً للأراضي الروسية، والعلاقات السابقة التي ربطتها روسيا خلال الحقبة السوفييتية حين كانت أغلب دول آسيا الوسطى جزءاً من الإمبراطورية السوفييتية''·
الشياطين الثلاثة
في عام 2001 أسست موسكو منظمة ''شنجهاي'' للتعاون بمشاركة كل من الصين و''كازاخستان'' و''قيرغيزيا'' و''طاجيكستان'' و''أوزبكستان''· وشرح ''بايسون'' الهدف من إقامة المنظمة بقوله ''في بيان التأسيس قالت الدول الموقعة أنها ستعمل معاً لمواجهة الشياطين الثلاثة، أي الإرهاب والنزعات الانفصالية والتطرف، وفيما ترغب موسكو في مواجهة هذه الشياطين التي تؤرقها في الشيشان فإنها ترغب أيضا في تحقيق أهداف أخرى''· وأوضح ''بايسون'' هذه الأهداف قائلاً ''تسعى موسكو بطبيعة الحال إلى توسعة هامش نفوذها الاستراتيجي، إلا أن ذلك لا يحدث بسبب طموحاتها الإقليمية أو رغبتها في الاستئثار بموارد طبيعية مثلاً، بل انه يحدث أولاً وقبل أي اعتبار آخر لتعزيز مواقعها في مواجهة الولايات المتحدة''·
وأضاف البروفيسور الاميريكي أن بعض الخبراء الاستراتجيين في الولايات المتحدة يعتقدون أن موسكو لا تسعى فقط إلى وقف تسلل النفوذ الغربي إلى آسيا الوسطى، وإنما ترمي إلى تحقيق هدف آخر بالإضافة إلى مواجهة واشنطن، ''ذلك هو تعزيز الدور الروسي في أنحاء أخرى من العالم عن طريق بلورة نظام جديد للعلاقات الدولية''·
وفسر ''بايسون'' ذلك بقوله ''إن واشنطن طرحت خلال السنوات القليلة الماضية مقولات استراتيجية لم يألفها العالم من قبل، من نوع الحرب الوقائية وتصدير الديمقراطية والحرب ضد الإرهاب· وانطلاقاً من هذه المقولات الاستراتيجية سعت الإدارة الاميركية إلى التدخل في الشؤون الداخلية لكثير من الدول بحجة تصدير الديمقراطية في بعض الحالات أو اتخاذ إجراءات وقائية في حالات أخرى''· واستطرد ''غير أن موسكو ترغب في إرسال رسالة مختلفة مفادها أن من حق كل دولة أن ترفض أي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية، وان مقولات من نوع تصدير الديمقراطية تعد استفزازاً وإخلالا بقواعد العلاقات الدولية· وهكذا فإن الروس يتحالفون في منظمة ''شنجهاي'' للتعاون مع نظم حكم استبدادية وهم يقولون لحكام تلك الدول إن لديهم بديلاً لما تقوله واشنطن من تصدير للديمقراطية، وهذا البديل هو التعاون واحترام خصوصية كل دولة والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية''·
''شنجهاي'' بين السياسة والاقتصاد
إلا أن ''بايسون'' لا يتوقع أن تنجح الاستراتيجية الروسية الجديدة، وقد قدم لتفسير ذلك أسبابا عديدة منها مثلاً، أن الصين لا تنظر إلى المنظمة نظرة مشابهة لما تراه فيها موسكو، وقال ''بايسون'' إن ''موسكو تهدف إلى دفع المنظمة برفق كي تتحول إلى تحالف سياسي-عسكري ولكن بكين تراها منظمة ذات طابع اقتصادي، أي باعتبارها منطقة للتعاون الاقتصادي''·
فضلاً عن ذلك - حسب رؤية البروفيسور الاميركي- فإن الولايات المتحدة تمكنت بالفعل عقب انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة من إرساء عدد من رؤوس الجسور المهمة في قيرغيزيا وكازاخستان، كما أنها تستخدم علاقتها الاقتصادية القوية بالصين للإبقاء على بكين بعيداً عن النفوذ الروسي·
بل إن الصين تتحول الآن إلى مصدر إزعاج لروسيا، وذلك بعد أن تحولت إلى عملاق اقتصادي، وبعد نزوعها إلى استثمار عوائدها الاقتصادية الكبيرة لتطوير قوتها العسكرية· وقال بايسون ''لن تحول منظمة ''شنجهاي'' دون أن يصبح التناقض الذي سيحكم تلك المنطقة من العالم في القرن الحادي والعشرين هو التناقض بين روسيا والصين''·