صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

دمشق القديمة ساحة للمواجهة بين بوش و بيلوسي


دمشق -الاتحاد - خاص:

الرئيس ''جورج دبليو بوش'' لا يحب دمشق لأسباب وأسباب، بعدما شاهد رئيسة مجلس النواب ''نانسي بيلوسي'' تتجوّل في أسواقها القديمة، وهي في منتهى الحبور، هل بدأ يكره المدينة المأهولة الأقدم في التاريخ؟
كيف تترجم الكراهية؟ للمرة الأولى يحدث مثل هذا الأمر، قصف ''بيلوسي'' من داخل البيت الأبيض في كل خطوة تخطوها في عاصمة الأمويين· بالطبع ليست صاحبة القرار، لكن مجرد زيارتها لا بد أن تترك آثاراً سيكولوجية، على الأقل، على السياسة الأميركية حيال دولة يقول الرئيس ''بوش'' إنها تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط، فيما قالت الزائرة إن طريق دمشق هو طريق السلام·
''بيلوسي'' قالت في دمشق إنها ليست متفائلة بإطلاق دينامية تفاوضية قريباً، لكن السوريين الذين تنفسّوا نصف الصعداء باتوا أكثر قابلية للرهان، مرة أخرى، على··· الجنرال ''زمن''·
أهل الشام
فتنت ''نانسي بيلوسي'' بدمشق القديمة· هذه أقدم مدينة مأهولة في التاريخ· المرافقون تجنّبوا الإشارة إلى أي لحظة سياسية في هذا التاريخ· الأميركيون يفضلون ذلك· لم يقل أحد لأبرز سيدة في أعظم دولة في العالم إن دمشق كانت عاصمة الإمبراطورية الأموية، وان هنا يرقد ''صلاح الدين الأيوبي''· لا مجال لاصطحابها إلى مقام ''محيى الدين بن عربي''· هذا زمن البراجماتية الكبرى، لا الصوفية (ولا الفلسفة) الكبرى· أهل الشام يدركون ذلك جيداً··
المثير أن يظهر على إحدى الشاشات الأميركية معلق تلفزيوني كان يرافق رئيسة مجلس النواب في جولتها الشرق أوسطية، ويقول: ''إن بيلوسي تواجه - وتفاجئ - الرئيس جورج دبليو بوش من دمشق''· لو كان للمعلق أن يضيف شيئاً لقال: ''لكن الناس هنا يخشون أن تكون مدينتهم ضحية الصراع بين تلة الكابيتول والبيت الأبيض''·
''ديفيد فروم''، وهو أحد منظري الإدارة الحالية زلّ به لسانه منذ نحو ثلاث سنوات، وتحدث عن ''قوّة الأحاسيس'' لدى الرئيس· لم يلبث أن حاول التصحيح: ''لا أقصد انه يستند إلى أحاسيسه حين يريد أن يبني موقفاً ما''· الرئيس الأميركي لا يحب دمشق· هذا معروف· هل عندما شاهد ''بيلوسي'' تتجوّل في أسواقها القديمة وتشتري ما اشترته، سيكره عاصمة الأمويين؟
دقات قلب الرئيس
كان ثمّة رئيس أميركي يدعى ''ليندون جونسون''، وهو خلف الرئيس ''جون كنيدي'' اثر اغتياله في 22 نوفمبر عام ،1963 كان يقول إن أكثر مدينة يكرهها في العالم هي ''هانوي''، عاصمة فيتنام الشمالية آنذاك، بعد ذلك تأتي موسكو وبكين· هذا أثار دهشة ''آرثر شليسنجر'': ''وهل أميركا تلحق بدقات قلبك أيها السيد الرئيس؟''، غير أنه لم يصدر أي كلام توضيحي عن البيت الأبيض·
بدت زيارة ''بيلوسي'' لسوريا وكأنها ''جزء من الصراع'' بين الرئيس ''بوش'' وبينها· هو يتفادى أن يظهر مشاعره (الراعبة) حيالها· أما هي فلا تترك أحداً إلا وتتحدث إليه عن مآخذها عليه· رغم مظهرها الرقيق، وقد بدت كما لو أنها نجمة هوليوودية في أسواق دمشق القديمة بين أكياس الزبيب والتين المجفف والجوز واللبان، فإنها تستخدم كلمات خشنة جداً، وتصفه بالرئيس الذي أخفق في كل شيء· تقول في الكونغرس: أعطوني مثلاً واحداً على أن ''جورج دبليو بوش'' يشبه حتى··· والده·
هناك واشنطن وليست باريس أو لندن، وهما العاصمتان اللتان تبحث وسائل الإعلام فيهما عن التفاصيل، والخلافات، مهما كانت صغيرة، وعلى أساس أنه كلما كانت التفاصيل صغيرة كلما كانت مثيرة· لكن الثابت أن رئيس الدولة ورئيسة مجلس النواب أصبحا على مسافة بعيدة· تقول وتفعل، أي شيء يغيظه· ولا ريب أن زيارتها دمشق جعلت هذا الغيظ يصل إلى ذروته· وبعد هدنة إعلامية مع سوريا، انفجرت الحملة مجدداً ليتهمها بزعزعة الاستقرار في المنطقة، رغم مؤتمر بغداد الشهر الفائت ومؤتمر اسطنبول هذا الشهر·
فوضى ليست خلاقة
يقال الآن: هل يدفع السوريون ثمن الخلاف؟ لا، لا، الرئيس ''بوش'' له مفهومه للعلاقات مع سوريا· يتحدث عن دعمها لحركة ''حماس'' و''حزب الله'' وعينه على العراق· هناك البلاء الكبير، فالإمبراطورية تتخبط· الطريف أن بعض المعلقين يعتبرون أن إدارة الرئيس ''بوش'' نجحت في نشر ''الفوضى الخلاقة''· الفوضى التي تأكل الجميع، كيف تكون خلاقة·
ربما كان الأهم من زيارة ''بيلوسي'' لسوريا، بعد زيارتها إسرائيل، وهي المعروفة بعلاقتها الوثيقة بالدولة العبرية (كضرورة سياسية مطلقة في الولايات المتحدة)، وزيارتها للرياض· تعلم أن هناك مركز الثقل الذي تكرّس بالقمّة العربيّة الأخيرة·
لا أحد توقع منها أن تقول لخادم الحرمين الشريفين الملك ''عبدالله بن عبدالعزيز'': ''لنتعاون معاً من أجل إنقاذ أميركا''· هي التي سبق وقالت، وقال آخرون، إن أميركا في خطر· ذاك الطوفان من الجثث ومن الأموال لا يؤدي سوى إلى طوفان من الجثث والأموال· قالت في دمشق، وقالت في الرياض، إنها تخشى من توسيع الحرب· لكن المعلومات الدبلوماسية في بيروت تقول إن نصيحة الملك ''عبدالله'' لطهران قد بدأت تؤتي ثمارها، فلا مجال للاستمرار في السياسات الجافة والمقفلة، ولا بد من التعاطي، إن لم يكن التفاعل، مع الوضع الدولي الراهن، وإلا فإنّ قاذفات القنابل، والصواريخ، لن تبقي ولن تذر··
لا حرب جديدة
''بيلوسي'' التي قالت في دمشق إنها ليست متفائلة بأن تتمكن الإدارة الحالية من إطلاق دينامية تفاوضية توصل إلى معالجة شاملة لأزمة الشرق الأوسط، لكنها أكدت أن وزيرة الخارجية ''كوندوليزا رايس'' تحاول الآن أن تشق خطاً دبلوماسيا يمكن أن يأخذ بالاعتبار ما أوصت به لجنة ''بيكر - هاملتون'' التي تعتمد عليها ''بيلوسي'' باعتبار أن الحزب الديمقراطي لا يمتلك أي رؤية (منهجية) للتعاطي مع أزمات الشرق الأوسط· تقرير اللجنة أضحى المرجع الذي يمكن الرجوع إليه، وهو يتقاطع، بصورة أو بأخرى، مع المبادرة الدبلوماسية العربية التي قررت قمّة الرياض الأخيرة تفعيلها·
الجولة نفسها أزعجت البيت الأبيض، وليس مجرد زيارة دمشق، فالمواجهة واضحة وقديمة وعنيفة بين الرئيس ''بوش'' ورئيسة مجلس النواب التي يبدو أنها تعمّدت إثارة أعصاب الرئيس أكثر فأكثر حين قالت إن الطريق إلى دمشق هي طريق السلام، ليعقب البيت الأبيض بالقول إنها ''تتبع طريق ضحايا الإرهاب''·
لا أحد يقول إن ''بيلوسي'' هي صاحبة القرار، لكنها أقوى شخصية في الحزب الديمقراطي الذي يملك الأكثرية في الكونغرس، فيما انطلاق معركة الانتخابات الرئاسية لم يعد بعيداً جداً· السوريون استعادوا رهانهم على ''الجنرال زمن'' الذي طالما اعتبره الرئيس الراحل ''حافظ الأسد'' بمثابة الورقة الذهبية بين يديه، فكل ما يمكن أن يفعلوه الآن هو تقطيع الوقت بالحد الأدنى من الخسائر مستفيدين من أجواء المؤتمرات التي تعقد، دورياً، حول العراق، إلا إذا حدثت مفاجأة دراماتيكية وانفجر الوضع العسكري بين واشنطن وطهران، لكن اللهجة التي تحدثت بها ''بيلوسي'' في دمشق لا توحي بأن المنطقة تدنو من حرب جديدة، لكنها شددت على إبعاد الأصابع الإيرانية عن المنطقة· السوريون أبدوا تجاوباً، خصوصاً بعدما كان أحد المحاور الأساسية في قمّة الرياض هو ''تعريب'' بعض الحالات العربية التي تعرضت للاختراق إن لم يكن للانتهاك ولأغراض استراتيجية أو جيوبوليتيكية معروفة·
ما يمكن قوله إن السوريين بعد كلام ''بيلوسي'' تنفسوا نصف الصعداء، ومسؤول سوري كبير يقول لنا انه تم تجاوز الكثير من العقد، ولكن لا تزال هناك عقد كثيرة· من الطبيعي أن تكون العقد الأكثر صعوبة هي المتبقية، لكن ظهور ''نانسي بيلوسي'' في دمشق القديمة حيث تناولت الغداء مع الرئيس ''بشار الأسد''، وفي أجواء القطيعة التي مضت عليها سنوات، ليس بالأمر العابر، حتى ولو كان القرار في البيت الأبيض· ندرك ما هو تأثير الكونغرس، وهذا ما يبعث بعض (وليس كل) الراحة لدى السوريين·

أورينت برس