الاتحاد

الملحق الثقافي

في مهب الثورة

يعرض المؤلف الفضل شلق في كتابه هذا مجموعة مقالات كتبها على مدى خمس سنوات في صحيفة السفير، خلال فترة كانت قد انتقلت حال الأمة من العاصفة إلى الثورة كما كان يقول. ونشر أيضاً قبلها مجموعة كان قد وضع لها عنوان “في مهب العاصفة”.
يقول إن العاصفة تهب من الخارج، وربما من الداخل، ولكن بعوامل خارجية غالباً. وقد عانت الأمة كثيراً من العواصف التي جعلتها موضوع صراعات وحروب، وأعادت القواعد الأجنبية إلى معظم بلدان الوطن العربي، وأعادت معها الاستعمار.
ويشير شلق إلى أن الثورة يصنعها الناس، وفي صنع الثورة يتحول الجمهور من كمّ مهمش، من كمّ مستسلم خاضع، مستسلم قابل بكل شيء، خائف من كل شيء، إلى ذات فاعلة، يصير شعباً، يمتلك كرامة. وتزداد همته على العمل والإنتاج وعلى فعل كل شيء آخر.
ويلفت المؤلف إلى أنها مقالات أشبه بيوميات أسبوعية، وكان اختيار الموضوع، للكتابة حوله، يتطلب جهداً ونقاشاً أكثر بكثير من كتابته بحد ذاتها؛ خاصة إذا تبلورت فكرة الموضوع الذي يشكل اتصالاً بالجماهير، بشكل أو بآخر؛ ليس ضرورياً أن تكون منهم لكي تعرف ما هم فيه؛ لكن الضروري أن تكون معهم حتى تعرفهم وحتى تبني التزامك بهم على المعرفة.

إلغاء الشعب الفلسطيني
افتتح شلق كتابه بمقالة تحت عنوان مؤتمر إلغاء الشعب الفلسطيني يقول فيها: “نعرف من التجربة الجماعية في لبنان، أن المؤتمرات لا تعمر بلداً، حتى لو جمعت كل دول العالم المانحة، الكبرى منها والصغرى. المؤتمرات مناسبات سياسية؛ تُعلن فيها النيات؛ تُعطى الوعود؛ تأتي الشروط في ما بعد؛ والتنفيذ يعتمد على الإيفاء بالوعود، وهذا ليس دائماً وعلى فرض الشروط إذا كانت مقبولة. يطيب للأميركيين القول إن إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية جاء نتيجة مشروع مارشال الأميركي الذي أقر بعد أربع سنوات من انتهاء الحرب، بقيمة 13 مليار دولار، نتائجه عرضة للنقاش، على كل حال. أما إعمار لبنان في التسعينيات، أي بعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية، فقد تم معظمه في غضون أربع سنوات، وانتهى هذا الجزء قبل نهاية العام 1997، قبل أن يلغي الأميركيون الحظر على لبنان. لم يكن للأميركيين أي مساهمة في هذا البرنامج”.
ويضيف: “في مؤتمر شرم الشيخ جاءت الشروط، بعضها على الأقل، في اليوم ذاته. أعلنت كلينتون ثم ساركوزي أن المساعدات يجب ألا تمسها حماس. الواهبون فقط يقررون أقنية الاتفاق والتنفيذ. هكذا يتم إلغاء الإدارة الفلسطينية. تجاهلت كلينتون كما ساركوزي أن حماس سلطة منتخبة. من قبل، أقال عباس هذه السلطة، ثم صار هو نفسه سلطة غير شرعية. ضاع الشعب الفلسطيني بين سلطة غير شرعية وسلطة مقالة، غُيّب المؤتمر، ولو حضر الفلسطينيون الذين حلت عليهم بركة المجموعة الدولية. تضييع الشعب الفلسطيني وتغييبه، وصولاً إلى إلغاء إرادته السياسية، لم يكونا أمراً عفوياً، بل كانا جزءاً من برنامج المؤتمر”.
ويشير إلى أنه قد علم من المداولات التي دارت في دهاليز المؤتمر أن الاتحاد الأوروبي لديه مؤسسة سوف تتولى الإعمار، وكذلك الأميركيين. سوف تأتي هذه المؤسسات، تبني وتشيد، ترسم وتخطط وتنفّذ، بينما الشعب الفلسطيني يتفرج. في عملية الإعمار، لا لزوم للشعب الفلسطيني كما لا لزوم له في مجالات سياسية أو عسكرية.
ويذكر: “في لبنان تعلمنا تجربة مناقضة، وهي إن اللبنانيين هم الذين عمرو وخططوا ونفذوا؛ كانت المساعدات الخارجية مكملة لجهودهم، ولم تحل محلها في أي لحظة من اللحظات. لن يطول الحديث هنا عن تفكك السلطة الفلسطينية بعد 15 عاماً على اتفاق أوسلو. إن ما يعرفونه بالتأكيد هو أن قادة إسرائيل يستخدمون شعار الدولتين لتفريغ السلطة الفلسطينية متى وأينما وجدت من السيادة، أي من الإرادة الفلسطينية. وهم أيضاً يستخدمون عملية السلام لإتاحة الوقت الكافي لقضم مزيد من أراضي الضفة الغربية. تبقى فلسطين تحت الاحتلال بالوجود العسكري المباشر أو بالمراقبة عبر الحدود والبحر والسماء أو بالحرب التي تشن ضد الشعب الفلسطيني من أجل تهجيره وإبادته”.
يعود وينهي المقال بالقول: “إن ما عجزت عنه إسرائيل بالوسائل الحربية مقدّر له أن يستمر بوسائل أخرى من شرم الشيخ إلى غزة إلى الضفة الغربية تنوعت الأسباب والنتيجة واحدة”.

استعادة الكرامة
في مقالة أخرى عنونها بـ “الثورة تعود إلى القاموس” والتي يقول فيها إن ما بدأ في تونس يستكمل في مصر، وما استكمل في مصر يعم الوطن العربي. لن يكون الحدث التونسي فريداً، ولم يكن تعبيراً عن فرادة تونسية، كما قال السيد فيلتمان مؤخراً. تتشابه الأحداث في أقطار عربية عديدة ومنها اليمن. يستفيد المتظاهرون في قطر عربي من تجربة الأقطار الأخرى. المهم هو أن كلمة ثورة باقية في القاموس العربي، وقد كدنا ننساها، وأن هذه الثورات هي حروب استقلال جديدة لاستعادة إرادة هذه الشعوب وكرامتها، وسيكون لكل ذلك عنوان واحد هو العروبة. وستجد إسرائيل أن لا مكان لها في الوضع الجديد، إلا إذا حدث شيء ما في الوعي العربي والوعي الغربي الإسرائيلي، يقول أيضاً: “لقد أعادت لنا حركة الشعوب العربية في شتى أنحاء الوطن، العروبة والشعور بالحياة والمعنى والمغزى. استعدنا تعابير مثل الثورة التي لم تعد تفي بوصف ما يحدث. ما يتوجب علينا هو أن نلحق بشعبنا وأن نفهم ونعي ونستعيد الثورة في نفوسنا وقلوبنا”.
يختم الفضل شلق كتاب مقالاته هذا بمقالة تحت عنوان “سوف تستمر الثورة وسوف يتغير العالم”، معتبراً أن المارد قد خرج من القمقم، وانتفضت الجماهير العربية. إن الثورة العربية حدثت لأن الكيل طفح عندها، وهي تعرف أكثر مما تعرفه أي أمة أخرى، وأنها اليوم عند منعطف تاريخي في مسيرة العالم، تكون الثورة العربية عالمية الأفق بمقدار ما تستمر من دون قلق على المستقبل ومن دون خوف من المصير. ويؤكد أن الثورة سوف تستمر، وسوف يتغير العالم، وستكون الكلفة كبيرة، لأن كلفة الأزمة العالمية كبيرة.
لقد بدا الكاتب عميقاً في تعليقاته ومقارباته للوضع العربي، وحاول في تحليلاته أن يقارن بين المجاز والحقيقة، وأتقن رسم الصور واستخلاص العبر، في سعيٍ حثيث لكشف الغوامض وتبيان الوقائع، بالشرح المسهب والتعمق المتاح.

الكتاب: في مهب الثورة
الكاتب: الفضل شلق
الناشر: دار الفارابي، بيروت

اقرأ أيضا