الاتحاد

منوعات

«البوسنة والهرسك».. مزيج من الإبداع والذكريات

من الفنون الشعبية البوسنية (تصوير عمران شاهد)

من الفنون الشعبية البوسنية (تصوير عمران شاهد)

محمود إسماعيل بدر (أبوظبي)

يواصل مهرجان الشيخ زايد التراثي، نجاحاته في «الوثبة» تحت شعار «الإمارات ملتقى الحضارات»، من خلال البحث عن المعرفة وترسيخ ثقافة التراث والترفيه والاستكشاف، وأشياء كثيرة تدخل في منظومة هذا المشهد الاحتفالي اليومي، الذي يكرّس رسالة إماراتية نبيلة في صياغة مفاهيم جديدة للتسامح وحوار الحضارات والثقافات والأديان. وكل هذه الأشياء المنصهرة تمثل «حالة ثقافية» بانورامية استثنائية، الأمر الذي يؤكد تنوع مجالاته التراثية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والترفيهية والرياضية، ليظل الحدث الأكبر والأضخم في مد جسور التعاون بين الثقافة الإماراتية وثقافات العالم، حيث تشكل الفعاليات الفنية والفلكلورية عنصراً مهماً في أجندة المهرجان، لما لها من أهمية كبرى في بناء التواصل الثقافي النوعي بين الزوار، وإظهار صورة أبوظبي في إطار عصري ومشرق، حيث يحمل المهرجان رسالة عالمية للحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال القادمة بطرق ووسائل معاصرة متنوعة.

تاريخ عريق
وعندما نعبر بوابة جناح «البوسنة والهرسك»، التي تعرف اليوم ببلاد السياحة طوال العام، لما تمتلكه من جمال وسحر، وطبيعة خلابة، ومناخ معتدل، نلمس أيضاً ثقافتها وتاريخها العريق، وفنونها وفلكلورها البديع، كما يعتبر الجناح مكاناً جيداً للتسوق وشراء الهدايا التذكارية والسلع المحلية، والمشغولات التقليدية المصنوعة يدوياً، ومن ذلك ما تستقبلك به «فرقة جيلزرا بريبوردي» للرقص التقليدي البوسني، من عرض فني مبهر على مستوى الموسيقى والرقص والحركات والتوليفة الفنية الشعبية بشكل عام، وكانت «رقصة الفلاحين» واحدة من أمتع الرقصات الشعبية التي قدمتها الفرقة للجمهور، فيما لفتت الأزياء الجميلة التي يرتديها أعضاء الفرقة والموشاة بالزخارف والتطريزات الريفية - أنظار الحشود من الزوار الذين تجمعوا حول المسرح المكشوف الذي يتوسط المكان، لمعايشة تلك الإيقاعات القوية والسريعة، التي تكشف عن جمال تصميم هذه الرقصة وغيرها مما يحتويه برنامج الفرقة اليومي، الذي يثير الإعجاب، ويجعل من المهرجان بالفعل بوابة للفرح والانفتاح الثقافي.

صور للمشاهير
وفي لقاء مع الفنان التشكيلي البوسني من أبناء العاصمة سراييفو «عمر كراسنتشه»، الذي حطّ رحاله في ركن بديع يحمل اسم «ستوديو عمر الفني»، كان هذا المبدع يمتلك كامل أدواته وذوقه وموهبته في إنجاز لوحات تشكيلية بالفحم والرصاص، وأعمال من النقش على النحاس والألمنيوم، وصور قام بالتقاطها لمشاهير الشخصيات في البوسنة والهرسك من المغنيين والموسيقيين والسياسيين والرياضيين، ومصممي الأزياء وأهمهم كما أخبرنا عمر هي العارضة البوسنية العالمية «سامرا منزلوفيتش»، التي بدت في واحدة من أجمل الصور في مجموعته النادرة، لكن ما يعتز به كما ذكر هي تلك التحف من أعمال النقش على النحاس للأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، كذلك عمل فني من الحفر على الألمنيوم نقش عليه شعار دولة الإمارات العربية المتحدة، هذا إلى جانب إبداعات من النقش على الحديد والخشب والبرونز لمجموعة من القيثارات والقدور النحاسية الصغيرة والتحف، ومجسمات لمناطق تاريخية في البوسنة والهرسك، مثل مدينة موستار الرومانسية، وحديقة سوتيسكا الوطنية ومدينة ترافينيك وغيرها.

قهوة و«بكلافا»
في ركن البوسني «محارب شبير» ثمة طعم مختلف للقهوة، وإذا كان لديك حب المزيد من الاكتشاف، فما عليك إلا دخول هذا الركن لتجد نفسك أمام ورشة كاملة لإعداد وصناعة القهوة التقليدية البوسنية وأهمها كما ذكر لنا، هي «قهوة نانا»، المستخرجة من مزارع مدينة زانتيسا، والتي يحضّرها أمامك بواسطة مطحنة يدوية، لذا كان لافتاً أن يذهب إلى ركنه عدد كبير من الزّوار لتناول هذا النّوع من القهوة التقليدية، وأيضا شراؤها وشراء الأدوات المستخدمة في تقديمها من أطباق وكنكة نحاسية وفناجين، فهي من أجمل التذكارات والهدايا التي يمكن الحصول عليها من البوسنة والهرسك، التي يعرف أهلها بإدمانهم شرب القهوة مع حلوى محلّية طيبة المذاق تعرف باسم «بكلافا» أو «البقلاوة» بالنسبة لنا، وهي حلويات غنية، مصنوعة من طبقات من عجين الفيلو، محشوة بالمكسرات المفرومة والمحلاة، ثم ترش بالعسل أو قطر السكر، ولكل منطقة وصفتها الخاصة بها، وبقلاوة البوسنة تأتي على شكل لفائف صغيرة مع الزبيب.

حرف يدوية
في ركن مجاور، تدير سيدتان كبيرتان في السن، هما «سينا بركاتيتس، وفشنيا إزفيدوتش»، محلا أشبه بسوق شعبية قديمة صغيرة، يعرض مجموعة متنوعة من المجوهرات التقليدية من الصناعة اليدوية الوطنية التي يغلب عليها الطابع الإسلامي، كما يعرض منتجات أصلية من الصوف الطبيعي، مثل الجوارب، الطاقيات، المفارش ذات التطريزات والنقوش البديعة، وكذلك عرض خاص للأدوات المستخدمة في عمليات الحياكة التقليدية، وقالت لنا السيدتان: نحن جزء من مشروع وطني كبير للمحافظة على صناعة الحلي التقليدية، والهدايا التذكارية التي تعكس ثقافة بلدنا، ونحن سعيدتان منذ انطلقنا من مدينة «باسكار سيجا» للمشاركة في المهرجان وعرض ما نبدعه بأيدينا، من أعمال التطريز، فضلا عن الدمى المصنوعة يدوياً، والصناديق الخشبية، ومختلف الحرف اليدوية الجميلة الأخرى.

عسل بوسني
«لحياة أكثر صحة».. شعار ترفعه السيدة «باسيما شبير، مع زوجها محارب شبير»، في محلّهما المخصص لعرض أجود أنواع العسل البوسني، ومنها كما ذكرت لنا: عسل الغابة، عسل الكستناء، عسل المنّ، عسل زعتر، شهد العسل، والعسل الجبلي، وذكرت أن الجبلي من أكثر أنواع العسل قيمة وعلاجا، ويتم الحصول عليه من الأعشاب الجبلية، وبسبب مكوناته الطبيعية من النباتات الطبية، فالطلب عليه في تزايد مطرد، فله نشاط مضاد للميكروبات القوية، ويستخدم لتقوية جهاز المناعة وفي علاج مشاكل التنفس، والالتهابات التي تسببها الفيروسات والبكتيريا، وأوضحت باسيما، أنها تعرض في محلّها أنواعاً مختلفة من الصناعة الوطنية مثل «شراب برونهي» المعد من الأعشاب الطبية لعلاج السعال، وأيضا براعم «بولين» التي تخلط مع العسل أو الشاي، للاستفادة منه في زيادة المناعة، كما أن هذا الخليط يمنح القوة للجسم.
وترى باسيما، أن مشروعها وغيره من المشاريع المماثلة من أهم مشروعات التصنيع الغذائي، وهي من أفضل وأنسب الحلول الاقتصادية لحفظ الإنتاج الزراعي وتسويقه في البوسنة والهرسك، والتي يدخل ضمنها صناعة المربيات والعصائر ومعها صناعة العسل، وهي تمثل في مضمونها اتجاهاً حديثاً له شريحة تسويقية كبيرة بأسواق البوسنة والهرسك. وعبّرت في السياق عن ارتياحها للإقبال الكبير من الزوار على شراء منتجاتها خاصة العسل والشاي الأخضر والمربّى وحبوب اللقاح بأنواعه، وتعتبر هذه الصناعات الصغيرة جزءاً مهماً من تاريخ وعادات وتقاليد المجتمع البوسني وبخاصة في الأرياف.

جبنة بوسنية
تدير الشابة «آنيا بقانوفيتش» ركناً صغيراً لصناعات محلية مثل الجبن البوسني، ومنه «ترافنيك، ليفنو ماسنا، برسو كاتشا»، وذكرت أن هذه الأنواع يتم إنتاج معظمها في المزارع الريفية الصغيرة، كما تعرض للزوار أنواعاً مختلفة من المخللات والمربيات والبسكويت والفواكه المجففة مثل التين، المشمش، الفراولة، والكمثرى، وغيرها من خلطات الطعام، وأهمها وأكثرها طلباً من قبل الزوار «خلطة أجار» والتي تستخدم غالبا في تحضير طبق «اليخنه البوسنية» ويعتبر من أشهر الأطباق التقليدية للبوسنة والهرسك، ويتكون من وعاء فخار توضع فيه اللحوم والخضراوات المختلفة من الطماطم والبقدونس والبصل والملفوف، مضاف إليه الثوم والتوابل المختلفة، ويدخل فرن الحطب لمدة لا تقل عن 4 ساعات حتى ينضج تماما، ويقدم ساخناً على وجبة الغداء كطبق رئيس.

صابون طبيعي
«نرمينا آرياجيتش» شابة بوسنية، تنتمي لعائلة متخصصة في صنع الصابون الطبيعي من حليب الماعز، منذ أكثر من قرن في مدينة «برنيافور»، وفي ركنها الصغير في الجناح، تعرض أنواعاً وألواناً مختلفة من هذا الصابون، الذي يستخدم كعلاج بديل لعدد من الأمراض التي تصيب الجلد، وعن تحضيرها أشارت أنها تصنّع بطريقة قديمة وتقليدية، باستخدام حليب الماعز النّقي، مضافاً إليه أشياء طبيعية كثيرة لتحسين جودته مثل ماء جوز الهند. وأوضحت نرمينا أنها تعرض في ركنها المزيد من المنتجات المتعلقة بالجمال، مثل الكريمات المحلية المصنّعة من ثمرة الأفوكادو، وكريمات للأطفال تعرف باسم «الماديرم» وجميعها تستخدم لتحسين البشرة، والمحافظة على الصحة النفسية.

دمى ومسابح
هناك محلات مخصصة لصناعة دمى الأطفال من الصوف الطبيعي، وتطريزات مشبعة بروح الثقافة القروية، وتدير إحداها «فاسنا بيكتو»، إضافة إلى محل مخصص لمستحضرات التجميل الطبيعية، يعرض فيه «مصطفى لاليج» أقنعة لتنقية الوجه من السموم، ومعطرات جو من نبات اللافندر، وتعتبر صناعة المسابح التي يعرض منها مجموعة خلابة حرفةً وفناً، ويراعى فيها كما ذكر مصطفى لاليج، دقة اختيار الأحجار لكل مسبحة.

جوهرة أوروبية
تعد البوسنة والهرسك واحدة من جواهر أوروبا الخفية، والتي تحولت في الآونة الأخيرة إلى وجهة سياحية شعبية يقصدها السائح من كافة أنحاء العالم للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة جنباً إلى جنب مع التراث التاريخي والثقافي، الذي يساعد البلاد في أن تصبح وجهة سياحية شعبية بشكل متنامٍ، ولعل التسوق في جناح البوسنة والهرسك بالمهرجان، يمثل تجربة فريدة من نوعها، كما أنها تستحق الاكتشاف، لاسيما عند زيارة الأركان المخصصة للمشغولات والحرف اليدوية.

دول البلقان
تطلق تسمية دول البلقان على البلدان الواقعة في شبه جزيرة البلقان، وهي عشرة دول تقع بالكامل داخل المنطقة، وهي: البوسنة والهرسك، ألبانيا، بلغاريا، الجبل الأسود، رومانيا، سلوفينيا، صربيا، كرواتيا، كوسوفو، ومقدونيا.

اقرأ أيضا

العثور على 50 جثة في منزل بالمكسيك