الاتحاد

الملحق الثقافي

التباسات التناص في الممارسة النقدية

مصطلح التناص في النقد الأدبي الحديث، موضوع له جذوره التأسيسية، فمنذ أن قدمت “جوليا كرستيفا” صكاً له، وتوضيحاً منهجياً للفكرة في نهاية الستينيات من القرن العشرين، أصبح التناص فكرة سائدة في الممارسة النقدية الغربية، فما أكثر عناوين الكتب والمقالات التي تحمل مصطلح التناص. وعلى الرغم من ذلك الشيوع في التداول النقدي للمصطلح والفكرة معاً، فإن ما يلفت الانتباه هو تلك الأسئلة الإشكالية التي تنطوي عليها الفكرة، فالتناص ليس مصطلحا شفافا ينطوي على دلالة مسيجة يمكن استخدامها بطريقة واثقة مطمئنة كما يستخدمها النقاد.
ونجد في كتاب” التناص النظرية والممارسة” لمؤلفه الدكتور مصطفى بيومي، الصادر عن النادي الأدبي بالرياض في السعودية بصفحاته الـ “208 من القطع المتوسط”، أن التناص لا يقدم حلولاً نهائية لمشكلاته في النظرية والممارسة لكنه لا يقدم حلولاً نهائية للمشكلات، بل يدفعه إلى حالة من الشكل الدائم في الممارسة النقدية، وعدم الخضوع والإذعان إلى المألوف والمعتاد.
يتكون الكتاب من مقدمة “أما قبل” وثلاثة أقسام، وقائمة ببليوجرافيا. وألمح المؤلف في”أما قبل” إلى: ما كان يقلق “جوليا كريستيفا” من الممارسات المبتذلة من قبل النقاد التي أحالت التناص إلى مجموعة من نقد المصادر والتأثيرات، ودفعها إلى استبداله بمصطلح النقل أو التحويل. ثم أضاف قائلاً: “إنّ التناص، في عبارة موجزة، يشير إلى تحويل الأنساق أو الأنظمة إلى أنساق أو أنظمة جديدة تدمر الأنساق القديمة وتتجاوزها؛ إنه يتأسس على سميوطيقا الانتقاد أو انتقاد السميوطيقا: أي انتقاد النمذجة والمعنى الثابت والمدلول المتعالي والعلامة المنقسمة إلى دال “صوت”، ومدلول “معنى”. بعبارة أخرى: إن التناص يتأسس على مفاهيم ما بعد البنيوية، ويشتغل ضمن نطاق مفاهيم النصية والبلاغية ولعبة الدال.

التناص.. لعبة الدال
قسم مؤلف الكتاب موضوعات القسم الأول من كتابه إلى خمسة موضوعات، بدأها بالحديث عن “التناص لعبة الدال” بادئاً بتقديم لمحة تاريخية عن فكرة التناص INTERTEXT ALITY وهي من الأفكار المركزية للنظرية الأدبية والثقافية المعاصرة، وبرزت هذه الفكرة في أواخر الستينيات من القرن العشرين، ويعود الفضل في ذلك إلى “جوليا كرستيفا” التي قدمت تأطيراً مفهومياً لهذه الفكرة في العام 1966م، بعنوان “الكلمة والحوار والرواية”، وفي مقالات وكتب أخرى ظهرت بعد هذا التاريخ حتى أوائل السبعينيات.
وأشار إلى أن التناص ليس مُصطلحاً شفافاً ومن ثم، على الرغم من استعماله المطمئن من قِبَل العديد من المُنظرين والنقاد، لا يمكن أن يتم استدعاؤه في طريقة بسيطة وغير معقدة. وأن علاقة ما بين نصين أو أكثر لديها- أي تلك العلاقة - فاعلية على الطريقة التي تتم من خلالها قراءة المتناص Intertext، والمنتاص هو “ذلك النص الذي يتردد أو يتوطن حضور نصوص أخرى داخله”. وهذا التوصيف برأي بيومي لمصطلح التناص لا يقدم، فيما يظن، أي خلاف نوعي بين التناص ومُصطلحات أخرى مثل التضمين أو الاقتباس أو الإلماح/ الإلماع، فكل هذه المصطلحات تقع في دائرة العلاقة بين النصوص ولديها تأثير أو فاعلية على الطريقة التي تتم قراءة المتناص من خلالها، ذاكراً آراء عدد من النقاد الغربيين في هذا المقام.
بعدها عرض بيومي لمفهوم التناص الذي أثار جدلاً في الغرب لأن الإجراءات التي يتضمنها بدت قادرة على أن تقدم استبدالاً Replacement، منهجياً لنظرية التأثير Infl ence، التي تم تأسيس البحث في الأدب المقارن عليها، ثم تناول مؤلف الكتاب في هذا القسم ما أجملته “إيلام” لأسس النقد التقليدي في خمس قضايا يقابلها سبع قضايا تعد الأسس المعرفية التي ينطوي عليها النقد الما بعد بنيوي الذي أنتج فكرة التناص، وقضايا النقد التقليدي هي: “إن اللغة لديها القدرة على أن تخلق معنى ثابتاً، وأن هذا المعنى يوجد داخل حدود الشكل، وأن الكاتب- أو الفنان- مُسيطر على المعنى أو مُتحكم فيه، وأن أي عمل ينطوي على انغلاق Clos re تواتراته، وغموضه، وتعبيراته الساخرة، التي تأتي إلى نقطة الحل، وأخيراً أن النقد الأدبي هو نشاط مُلحق أو تابع منفصل عن الأدب”.
عقب ذلك أشار مصطفى بيومي إلى ذكر القضايا السبعة التي أنتجت فكرة التناص.
وتطرق المؤلف في الجزء الثاني من القسم الأول إلى أن “وارتن وستيل” محررا كتاب “التناص... النظريات والممارسات”، يؤكدان أن ظاهرة التناص: “بشكل ما قديمة قِدَم المجتمع، وبناء عليه، بطريقة بديهية، فإننا يمكن أن نجد نظريات التناص حيثما كان هناك خطاب حول النصوص، وذلك لسببين، أولهما: أن المفكرين كانوا على وعي بالعلاقات النصية. وثانيهما: أن معرفتنا بالنظرية تجعلنا، بوصفنا قُرّاءً، مُتحمسين لإعادة قراءة نصوص المصادر الخاصة بنا على هذا الضوء”.
وخصص القسم الرابع للحديث عن “رولان بارت” كونه يعد شخصية مركزية للنظرية الأدبية والثقافية المعاصرة، وأعماله المتعددة لديها تأثير بالغ الدلالة في الممارسات النظرية. وأضاف بيومي: وربما أتصور أن إسهاماته المتنوعة في مجالات البنيوية، والسيموطيقا، وما بعد البنيوية، والدراسات الثقافية، جلعت بارت في طليعة النقاد والمنظرين.وناقش في القسم آراء بارت وعدد من النقاد الآخرين بخصوص التناص.

سلطة الأبوة
أفرد مؤلف الكتاب ثماني موضوعات في القسم الثاني للحديث عن “سلطة الأب: النص والعلاقات النصيّة عند العرب”، حيث أكد أن النقد العربي القديم هو جزء من التراث العام، الذي تم إنتاجه في فترة تاريخية متعينة وفي إطار شروط معرفية معينة. ثم قال: إن “دال النص” يشير في مرجعيته اللغوية إلى فكرة التعيين والرفع والارتداد إلى أصل، كما يشير أيضاً إلى الوضوح والظهور والغاية ومنتهى الشيء والتوقيف والإسناد.
كما دلل على أنه قد ورد في معاجم اللغة العربية المعروفة كلسان العرب، وتاج العروس، وأساس البلاغة والقاموس المحيط أن: النصّ هو الرفع والإسناد، ونصّ الحديث، وكذا نصّ إليه، أعقبه بالدلالة الاصطلاحية، حيث يقول: زعم محمّد مفتاح في كتابه “المفاهيم معالم، نحو تأويل واقعي”، بأنّها: لم ترد في المعاجم القديمة أو في لسان العرب على وجه الخصوص، وان المعاجم العصرية مثل المعجم الوسيط قد سدّت النقص...
كما أعتقد بيومي أن النقاد والبلاغيين العرب القدماء لم يدر بخلدهم تقديم إستراتيجية قرائية أو تأويلية تعتمد على فكرة العلاقات بين النصوص، ولكنه يعتقد أنهم صنفوا ووصفوا النصوص ضمن إستراتيجية أخرى وهي البحث عن نقاء النصوص ونسبتها إلى أصحابها... وأن الكاتب أو الشاعر لا بدّ أن يبتكر ويبدع شيئاً جديداً. ثم يرى أن قضية السرقات الأدبية في مجملها ليست سوى الوجه الآخر لفكرة الإسناد أو التعيين، والبحث عن نسبة النص إلى صاحبه ومؤلفه الذي يعود إليه فعل الخَلْق والإبداع لذلك النص، وأن بموضوع السرقات تلك إنما وجه النقاد القدامى ضربات قاسية وعنيفة وقفت بوجه التجديد والابتكار، وأنه لا يمكننا أن ننظر إلى فكرة هذه السرقات الأدبية في النقد العربي على أنها تجسيد لإستراتيجية التناص، لأنها فكرة مغايرة.
ودرس مؤلف الكتاب “قراءة الصورة: ممارسة التناص في النقد العربي المعاصر”، في ثماني موضوعات، وذلك لتبيان اشتغال الناقد العربي المعاصر بفكرة التناص، حيث قدم دراسات متنوعة على المستوى النظري والتطبيقي، ومستعرضاً بروز فكرة التناص على استحياء في النقد العربي المعاصر على حدّ قوله، من خلال إطار تحليل بنية الشعر العربي المعاصر في المغرب والذي قال فيه: “محمّد بنيس فيما أعلم أول مَن استخدم هذه الفكرة بوصفها إستراتيجية تأويلية، وذلك ضمن دراسته المعنونة “ظاهرة الشعر العربي المعاصر في المغرب 1979م”، ثم أعقبه الحديث عن عدد من نقاد العرب المعاصرين الذين تناولوا في مؤلفاتهم ودراساتهم مصطلح التناص لدى النقاد العرب المعاصرين أمثال صبري حافظ، محمّد عبد المطلب، عبد العزيز حمودة، صلاح فضل، وجابر عصفور.

الكتاب: الفكر الاتصالي: من التأسيس إلى منعطف الألفية الثالثة
المؤلف: بيرنار مييج
المترجم: أحمد القصوار
الناشر: دار توبقال، المغرب

اقرأ أيضا