الاتحاد

الملحق الثقافي

قوائم عار.. مشوشة

دار الأوبرا في مصر ما تزال تحافظ على الفن الأصيل (صورة أرشيفية من الحفل الموسيقي المرأة تغني)

دار الأوبرا في مصر ما تزال تحافظ على الفن الأصيل (صورة أرشيفية من الحفل الموسيقي المرأة تغني)

حينما تحدث ثورة في بلد ما، فمن الطبيعي أن يتوازى ذلك مع قيام ثورة ثقافية شاملة، ومن أمثلة ذلك ما حدث بعد الثورة الفرنسية، وعربيا على نحو ما حدث بعد ثورة يوليو 1952 في مصر، وما حدث في تونس وليبيا، من تأسيس قاعدة لنهضة أدبية وفكرية وفنية لها رموزها ومدارسها واتجاهاتها. في الواقع ان ما لمسناه بعد ثورة 25 يناير في مصر على مستوى الإنتاج الثقافي والابداع عموما، يبعث على الشك والتساؤل؟ هل كان الأدباء والمثقفين والفنانين على مستوى الحدث؟


أحمد علي البحيري

سؤال يقودنا بالضرورة إلى البحث في إشكالية: هل نحن أمام أزمة جديدة تضاف الى الأزمات القديمة على مستوى الفكر والنقد والنص والكلمة والمخرج، والجمهور، وبخاصة بعد أن شاهدنا عددا محدودا من الأعمال السينمائية الجادة، وأعداد كبيرة من الأفلام الهابطة المسفّة، مع بروز ظاهرة الأغنيات المبتذلة، والبرامج التلفزيونية (المنوعات) التي تفتقر إلى أدنى مستويات الإعداد والالتزام بقواعد المهنة، ولا تصدر لنا سوى مذيعات ركيكات المعنى والهدف، وينسحب ذلك على فن المسرح، مستذكرين على الدوام أن التزام المسرح بقضايا الجماهير هو سر نجاحه، وأن مواكبة النقد الموضوعي للإنتاج المسرحي الجاد يسهم في تواصله وتعزيز دوره في بناء الثقافة الجماهيرية الحقيقية، ولعل الجميع يستذكر دور الأغنية والنقد والفنون في إعادة الاعتبار للمتلقي بعد هزيمة عام 67 من خلال ما قدمه محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومعهم نخبة الملحنين الكبار وما قدموه لنا من ملاحم فنية توقظ المشاعر وتعيد الثقة بالنفس.

أزمة فكر
نقول أننا نعيش أزمة فكرية، وهذا واقع نلمسه ونعيشه من خلال مستوى الآداب والفنون التي ظهرت لنا بعد إنجاز الثورات العربية مهماتها الأولى، وكلها تشير إلى أننا نعيش أزمة الكلمة، بشتى إيقاعاتها واستخداماتها، وهو ما ينتج لنا في العادة ظواهر يتسلق أصحابها على ظهر المهنة بل ويركبون الموجة ويحققون انتشارا لا يمكن أن يكون مقبولا لفئة النقاد المتخصصين أو من الجمهور صاحب الذائقة الفنية العالية، والمتمسك بقيمه وتقاليده العريقة. يجب علينا الاعتراف أن هناك من يتقصد عزل الجماهير عن منبع الثقافة الحقيقية، وأن هناك من يلعب دوراً خفياً في إرساء قواعد الثقافة المضادة، وإلا ما هو الغرض من إنتاج فيلم سقيم المعنى والتركيب ومع ذلك يحصد أعلى الإيرادات بعد عرضه في صالات السينما بمصر والعديد من البلدان العربية، والفيلم يحمل عنوان “أنا بضيع يا وديع” سيناريو وحوار محمد فضل، وإخراج شريف عابدين. والغريب في هذا الفيلم أنه يضم النجمة المصرية نيللي كريم، واللبنانية لاميتا فرنجية، وهو بمجمله لا يقول لنا شيئا ذا قيمة، بقدر ما يريد تصدير أشياء تشبة السينما في صورتها، وتؤكد على الابتذال الفني على مستوى الكلمة والتمثيل والأداء والمناظر التي تضخ لنا عريا ورقصا وتهريجا متواصلا، تحت ستارة مناقشة بعض القضايا التي يعاني منها المجتمع الشرقي، والفيلم أيضا هو استثمار تجاري في السينما، قبل أن يكون عملا فنيا يسهم في صناعة السينما.
مثل هذا الفيلم الذي تم إنتاجه بعد ثورة شبابية هزت مصر والعالم العربي، ليس سوى مثالا على هبوط الذائقة الفنية، وما هو إلا تأكيد أن هناك أزمة نقد حقيقية، ولولا وجود مثل هذه الأزمة وغياب الرقابة الأصيلة، لما نمت مثل هذه الظواهر التي توجه لنا الإهانة، وبمناسبة كلمة الإهانة، فليس شرطا أن تتحقق من خلال الضرب أو الشتم، فهناك من يهيننا بالأغنية الهابطة والفيلم الرديء، والقصيدة المسيسة الموجهة، وهناك من يوجّه لنا الإهانة من خلال أسلوب المخاطبة في التلفزيون والإذاعة والكتابة بأشكالها المختلفة، وهناك من يهيننا عبر الصحافة والمقالات والأخبار المغشوشة، مما يعني أننا نعيش في حالة فراغ ثقافي خطير، وإلا ما الذي يدفع بمطرب هامشي مثل شعبان عبد الرحيم أن يخرج علينا بعد بضعة أغان انتقادية هشّة الكلمات والمعاني والصور ليقول “أنا مفجر ثورة 25 يناير”، بل تتضاعف جرأته لحد الإعلان عن نيته إنتاج فيلم سينمائي بعنوان “شعبولا هو الحل”، صحيح أن الفيلم تم رفضه من الرقابة لجانب اسمه فقط، مما اضطره الى تغيير اسمه إلى “منخوليا”، وبغض النظر عن كل شي فان مجرد حدوث مثل هذه التجاوزات على تاريخ سينما عربية عريقة، يعني أن الرقابة عندنا وهي من المفترض أنها تمثل (النقد) بأجلى صوره، هي رقابة صورية، وخارج ما نعرفه بأنها يجب أن تكون في دائرة توجيه الرأي العام الذي يتمثل في المواطن المكافح في سبيل معتقداته والذي ينتظر من الناقد (الرقابة) والذي يجب أن يتحلى بثلاثة صفات جوهرية هي الشجاعة والعدل والصدق، أن تساعده في توسيع معارفه وثقافته، لا أن تعمل على هدم ثقافته ومن ثم عزله عن قضاياه الاستراتيجية. وهنا تجدر الاشارة الى أن النقد مثل أوجه النشاط الانساني المختلفة، يقف على مفترق طرق بين الموضوعية والذاتية مع وجود وجهة نظر خاصة وقدرة على التذوق وبصيرة نافذة الى الجوهر لانارة الطريق أمام القارئ أو المشاهد دون الاهتمام باصدار الاحكام ، حتى على مستوى الصحف ، فتجد في مواقف كثيرة أن النقد الفني لا يزيد عن التعليق المزاجي ، فبعض نقاد الصحف معرضون كغيرهم للمجاملة والفساد ، لأنهم يكتبون في كل شئ ودون حدود أو اعتبارات علمية تجعل من التخصص هو المعيار الحقيقي لعملية النقد، مستذكرين أننا شعب ناقد منذ “أسواق عكاظ” أما الظواهر المرضية في تقييم الإنتاج الفكري مثل الهجاء، فهي التي تجعل من النقد نشاطا غير محترم لدى الرأي العام. وعلى الناقد حتى يكون مساهما فاعلا في بناء ثقافة بلده، أن يتحلى بالشجاعة وأن يتعفف عن المصالح الشخصية ويحتمي بالموضوعية، حتى يكون مؤثرا وصاحب رسالة ورؤية واضحة.

قائمة بيضاء وسوداء
هل لعبت النقابات الفنية دورها الحقيقي في توعية الجمهور؟ وهل لعبت دورها الذي أنشئت من أجله في دعم الثقافة الجماهيرية وبخاصة وقت الأزمات؟
النقابات الفنية هي مؤسسات اعتبارية، وتضم في جنباتها النخب من المبدعين سواء في مجال الكتابة والأدب أو الفن، فأين كانت نقابات المهن الموسيقية حينما امتلاء الشارع بأغنيات الفيديو كليب الهابطة أو تلك الأغنيات المتسلقة على ركام البشر المطالب بحريته، وكرامته. لو كانت مثل هذه النقابات موجودة وفاعلة لما تفشت تلك الظواهر المؤسفة من ظهور مكثف لأغنيات سقيمة الخيال، وعارية الشكل والمضمون، ولا تعبر بأي صورة من الصور عن طموحات الجماهير، ولما هرب العديد من الفنانين والمطربين خارج وطنهم مع أسرهم، متخلين عن دورهم ورسالتهم الفنية العظيمة في دعم الشارع، الذي نهض وسطر تلك القوائم السوداء التي ضمت مئات الأسماء لفنانين وفنانات وكتاب وشعراء وغيرهم. قائمة العار كما اسماها البعض لمن هربوا ولمن هزموا ولمن قالوا كلاما كثيرا بحق من وقفوا في الشوارع والميادين من أجل بلدهم أولا واخيراً. بموازاة ذلك هناك من يمثل اسمه حضورا حقيقيا في سياق هذا الموضوع ، وهي دار الاوبرا المصرية التي تقف منذ سنوات في خندق الدفاع عن الأغنية الشرقية الأصيلة، بل وتعمل أكثر من ذلك حينما خصصت الدورة العشرين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية للبلدان التي شهدت الحراك الشعبي.
هل كنا بحاجة إلى تقسيم الفنانين في قوائم سوداء وأخرى بيضاء؟ بغض النظر عن قيمة هذا التقسيم على المستوى العملي، يبقى الهدف المعنوي أكبر بكثير من ذلك، فهذه القوائم وإن كنّا لا نعرف كيف تم ترسيم حدودها وتصنيفها، الا أنها في الواقع تعكس الهاجس في الشارع العربي الذي يمثله الجمهور في هذه الحالة وربما تكون مثل هذه القوائم سببا ودافعا لدراستنا لواقع الشارع ومدى ارتباطه بالفنانين والمثقفين والكتاب كمصدر تعبير عن أحلامهم وطموحاتهم، وإلا ما الذي يدفع بمنظمة مثل اليونسكو لاختيار عدد من الفنانين االعرب ليكونوا سفراء للنوايا الحسنة لتقديم خدمات للمجتمع العالمي في مواجهة العديد من القضايا التي تخص الجوع وتشرد الاطفال والفقر والتصحر وقضايا بيئية وإنسانية مختلفة سوى أن الفنان صاحب رسالة، بل هو ممثل عن شعبه ومجتمعه في الكثير من المواقف. ومن شاء المزيد ما عليه سوى متابعة صفحات “الفيسبوك” ليقرأ المزيد عن القوائم السوداء والبيضاء التي تحمل أسماء العديد من الفنانين والفنانات والكتاب والرسامين وغيرهم من موسيقيين ومصورين ومخرجين وإعلاميين، متهمون بخداع الشعب، وآخرين كانوا في الصف الأول من المدافعين عن قضايا الشعب بما يتواصل مع رسالتهم الفنية الأصلية والشرعية. خلاصة الحديث أن الفن هو التزام قبل الكسب والنجومية والشهرة، فنجوم الفن والغناء والأدب هم رموز بما تحمله الكلمة من معنى، ولا يجوز لهذه الرموز أن تسقط في بؤر الخداع والتخلي عن واجبها ورسالتها، وأن الشارع العربي كان محقا حينما كان يردد ويريد إسقاط كل ما هو مسفّ ومبتذل وهابط في مجالات الإبداع المختلفة.
نحن بحاجة اليوم الى اعادة زمن الابداع الجميل ، الابداع الحقيقي بكل مرتكزاته ومقوماته ورسائله ، على أن نضع في الاعتبار أن الشعب هو الذي يصنع رموزه ونجومه ، ونجوم الشعب هم من يصنعون ثقافته ورغيفه ، الرمز في تقديري هو صاحب القضية والموقف ، وهو المبدع المستقل وهو الأقرب لروح الشعب وقيمه وأصالته ومورثه الانساني، وليسوا أولئك الذين يتقمصون ادورا خيالية وهمية للكسب غير المشروع من وراء الإبداع الزائف والثقافة الزائفة.

اقرأ أيضا