الاتحاد

الملحق الثقافي

عبد الهادي التازي: الأشخاص يموتون والوثيقة تبقى

عبد الهادي التازي: ابن بطوطة مثل تمور تاكزاوا كلما قرأته يزداد حلاوة (تصوير عمران شاهد)

عبد الهادي التازي: ابن بطوطة مثل تمور تاكزاوا كلما قرأته يزداد حلاوة (تصوير عمران شاهد)

حدث ذلك في مدينة فاس، يوم الأربعاء الموافق 15 يونيو 1921. صرخ الطفل المولود حديثاً تلك الصرخة المعهودة التي تعلن سريان الروح في الجسد. ربما لم تنتبه فاس إلى عيني الزائر الجديد اللتين تومضان بذلك البريق الغريب... بريق المعرفة. وربما لم يلفتها، فيما بعد، ذلك الإصرار الذي يطل من خطواته السادرة في طريقها إلى المدرسة.
ترك الطفل مقاعد الطفولة ليلتحق بقطار الصبا، فأزهر حبها في قلبه، وذهب في العشق إلى آخره. أعني حب بلاده الذي أخذه إلى العمل الوطني فساهم في الحركة الوطنية ضد الاستعمار. وسجن ثلاث مرات: 1936، و 1938 و 1942 وفي 1944 عشية مطالبة المغرب بالاستقلال كان داخل المعتقل. مذّاك، جرت مياه كثيرة في نهر حياته لكنها لم تغير فيه شيئاً، فقد ظل المناضل، الذي كان يحمل رقم 561 في الكتلة الوطنية والذي أصبح فيما بعد سفيراً لبلاده في دول كثيرة، هو نفسه عبد الهادي التازي المخلص لوطنه ومسيرته الوطنية كما يقول.

شـهيرة أحـمـد

تكوّن التازي فكرياً في جامعة القرويين. هناك درس الفقه والنحو والصرف والأدب والجغرافيا والفلك وغيرها من العلوم ثم جمع إليها المعارف واللغات العصرية الحديثة، فنبت له جناحان طار فيهما في حقول معرفية واسعة جعلته منفتحاً في فهمه للثقافة والحضارة والتراث الإسلامي. وجاءت القراءة لتكون النبع الثاني الذي امتاح منه رؤاه ومعارفه، والقراءة عند التازي شيء مختلف عما نعرفه. إنه يقرأ في كل وقت، وهو الرجل الذي لا يمكن أن تراه بدون كتاب. وتأتي الرحلات لتكون الينبوع الثالث الذي ضخ الماء في جداوله الفكرية، فنبتت حولها ثماره / كتبه التي بلغت خمسين كتابا.
مع التازي، أنت أمام راوية مدهش، وحكاء ماهر، حاضر البديهة، متوقد الذاكرة، ذي قدرة على توظيف المعارف التي يحتويها رأسه للتدليل على ما يقول. أمثلته حاضرة دائماً، وفي التاريخ الذي يهواه كما يهوى الصائغ جوهرته الثمينة معين له في ما يرغب. حلو اللسان، وربما يكون هذا أحد أسباب نجاحه في العمل الدبلوماسي. متواضع يذكرك بالقول الشكسبيري الشهير عن السنابل التي تنحني لأنها ملآ. عاشقاً للجمال في كل تبدياته وأحواله وحالاته، يقطف من ورود الكلام ما يشاء ويشاء له ولع ينفتح على مديات اللغة الوسيعة. يسعفه الشعر عندما يطلبه، يأتي إليه طائعاً مسلماً له القياد كما لو أنه صقر مدرب في يد قانص محنك ماهر. أما إذا طلب العون من التاريخ فإن الأحداث تتواتر إليه كما تتواتر الزرافات إلى ماء صاف. حديثه رائق مثل نسيم صباحي وروحه أوسع من أن تحيط بها العبارة.
مؤخراً زار المؤرخ والدبلوماسي المغربي عبد الهادي التازي أبوظبي للمشاركة في الدورة الرابعة لندوة العلاقات الصينية العربية والحوار بين الحضارتين الصينية والعربية، وكان هذا الحوار.

حكايتي مع الشيخ زايد
? جئت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حين كانت في بدايات التأسيس، وها أنت تعود إليها بعد أربعة عقود، كيف تشعر تجاه ما ترى؟
? قبل كل شيء، دعيني أعرب عن سعادتي بأن أرى “جريدة الاتحاد” معي اليوم بعد أن مرّت أربعة عقود تقريباً على رؤيتي لها للمرة الأولى هنا في أبوظبي، كان ذلك في العام 1970 من القرن الماضي، جئت يومها أحمل رسالة من الملك الحسن الثاني إلى الشيخ زايد يدعوه فيها لزيارة المملكة المغربية. لم تكن الإمارات حينها قد بدأت مسيرة وحدتها، كان الجواب بالإيجاب وكانت تلك أول رحلة للشيخ زايد إلى خارج الإمارات، وقد اعتبرتها نجاحاً دبلوماسياً لي استبشرت به. كنت وقتها سفيراً للمغرب في بغداد وكنت أغطي المنطقة كلها، وأقول لك بصراحة: عندما تكون النيات صادقة يتحقق النجاح في العلاقات الدبلوماسية ويظل الوفاق حاضراً. أما الشيخ زايد فمنذ وصوله إلى المغرب، شعر بأنه أمام قوم ينتسبون لأصول عربية شريفة ولمس حبهم الصادق له، فما كان منه إلا أن فتح لهم قلبه هو أيضاً.
وأستطيع أن أقول إن المغاربة يكنون كل الحب للشيخ زايد ولأبنائه الكرام، ولا يوجد إنسان في المغرب إلا ويعرف عن الشيخ زايد مثلما يعرف عن أفراد عائلته.
? كيف كان لقاؤك الأول بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان؟
? منذ لقائي مع الشيخ زايد “رحمه الله” تبين لي أن الرجل كلّه خير، تحدثنا طويلاً عن المغرب وسألني عن أحوالها وأهلها وكان أعجب سؤال وجهه إليّ عمّا إذا كان أهل المغرب يهتمون بالقنص “الصيد بالصقور” وهي هواية كان يحبها “رحمه الله” حباً شديداً، فأجبته بأن هناك ولعاً بهذه الهواية في المغرب، وبأن لدينا منطقة خاصة اسمها “الجديدة” يسكن فيها قوم يسمون “القواسم” لهم ولعٌ بالقنص بالصقر، ثم لاحظت أن لديه رغبة قوية في أن يبدأ زيارته ببلاد المغرب الأقصى. أخبرت جلالة الملك بهذا الأمر فهشَّ وبشَّ - كما تقول العرب - وما شعرت إلا وأنا أقرأ في الصحافة تصريحاته بأنه سيذهب لزيارة المملكة المغربية الشقيقة. وكان لهذه الزيارة أثر كبير لدى المغرب حكومة وشعباً، ومن هنا ابتدأت المسيرة، أو تلك العلاقة الفريدة التي ربطت بين البلدين بأواصر قوية وروابط متينة. كان لقائي بالشيخ زايد “رحمه الله” حدثاً غير عادي بكل معنى الكلمة. نظراً لطبيعة الرجل وما يتوفر عليه من أهمية ونفوذ وقوة سياسية ومجتمعية. كان لقاء على مستوى عالٍ، يهدف إلى ربط الصلة بين دولتين. كانت تلك المرة الأولى التي يأتي فيها سفير من المغرب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حاملاً رسالة من الملك الحسن الثاني. لم تكن مهمة سهلة، لكن الشيخ زايد “رحمه الله” قابلني بحفاوة، بل لقد سحرني ببسمته المعهودة، فقد حباه الله بابتسامة عذبة حلوة. سألني عن المغرب وأحواله. وقلت له إن الملك طلب مني أن لا أغادر أبوظبي إلا إذا عدت بالجواب، فقال: هذا من حسن حظنا لكي تبقى بيننا. أمر “رحمه الله” لي بنزهة إلى جزيرة داس، لا أنسى حلاوتها إلى الآن. فقد غصت في البحر وتمتعت بالجولة البحرية الرائعة، ورأيت ألوان السمك وأشكاله، ثم أخذت الجواب وعدت، وكتبت تقريراً عما شاهدت وحدث معي. كان سعيد الدرمكي رئيس التشريفات في ذلك الوقت يحضر المقابلة، وقد أحالني الشيخ زايد “رحمه الله” على رؤية ولي عهده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان “حفظه الله” الذي وجدته شبه أبيه. كان مليئاً بالطموح والثقافة والعلم.

? هل كان يخطر في بالك أن الإمارات ستصبح كما هي عليه الآن من نهضة وتطور؟
? لم أشك يومها أن الشيخ زايد سوف يبني البلاد ويطورها، وهذا الانطباع كان يتشكل لدى كل من يقابله، فالرجل كان ذو عقل وحكمة وطموح وشخصية قوية لها تأثير على الناس، كان محبوباً جداً، متواضعاً مع البدو، يتلمّس ما يريدون ويحلم بأن يبني لهم دولة قوية، لكن بصراحة، لم يكن ليخطر على بال أي شخص مهما كان خياله مجنحاً أن الإمارات ستغدو بهذا الرقي والجمال، إنني أشعر أنني أمام معجزة تحققت ولا غرابة في ذلك، فالإرادة تصنع كل شيء، وما التاريخ إلا جملة من الإرادات.

? علمت أنك تؤلف كتاباً عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، هل هو كتاب مذكرات؟
? في هذا الكتاب أتحدث عن الشيخ زايد “رحمه الله” وعن دولة الإمارات وتأسيسها ونشأتها كدولة. أنا رجل مذكرات ولا يمكن أن يمر يوم لا أسجل فيه ما حدث معي. وكل أصدقائي يعلمون هذا ويلقبونني بصاحب المذكرات. ربما تكون شهادتي نابعة من طبيعة العمل الذي كان موكلاً إلي. إن عظمة زايد تتجلّى في بساطته، قلبه مفتوح ولا يتصنَّع ولا يتكلّف. كان منفتحاً جداً، وأكثر ما أعجبني فيه حبه للخير. كان مفطوراً على فعل الخير من غير تعقيد، وفي كل بلاد العرب والإسلام هناك شيء من أياديه البيضاء، نحن في المغرب لدينا مستشفى كبير يحمل اسم الشيخ زايد، كفاه فخراً أن يكون له في كل بقعة صرح إنساني أو علمي أو حضاري يحمل اسمه، ويتحدث عن حبه للناس والخير والعطاء.

صقور السلام
? الطريف في كتابك عن القنص أنك اعتبرت الصقور رسل سلام.. كيف ذلك؟
? عندما أمسيت سفيراً لبلادي في عدد من الدول، تعلّقت نفسي - وأنا من هواة التاريخ - بأن أضع مؤلفاً حول التاريخ الدبلوماسي للمملكة المغربية منذ البداية، وفيما أنا بصدد تقصي الموضوع وتحرير الفصل الخاص بالوسائل التي كان لها أثر على تلطيف الجو السياسي والتخفيف من التوتر الذي كانت تشهده أحياناً العلاقات بين المغرب والدول الأخرى، وتتبع الآثار الحميدة التي كانت تتركها الهدايا الجميلة التي ترحل من مكان إلى مكان.. إذ بي أكتشف بأن مهاداة الصقور كان لها فضل كبير في إرساء قواعد السلام، وكانت عاملاً في كثير من الأوقات على إحلال التفاهم بين الشعوب إن في الشرق أو في الغرب. كان المغرب يقدم مساعدته اللامشروطة لملوك الأندلس، ولم يكن هناك من بادرة رقيقة للتعبير عن مشاعر الود وأحاسيس الامتنان إلا أن يبعث أولئك بطائفة من الصقور والبزاة إلى العاهل المغربي الذي كان يقدر جيداً تلك المبادرة. وذات يوم كانت الصلات بين المغرب وجيرانه، على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، على وشك أن تضببها سحب الخلاف، ولم يكن هناك من بشيرٍ يحمل طلائع حسن النية، ويعيد الماء إلى مجاريها إلا وصول جملة من الصقور الأصيلة، وذات يوم كانت إنجلترا على وشك أن تقذف بأسطولها نحو المياه الإقليمية للمملكة المغربية بسبب حادث قرصنة كاد يُعكر صفو العلاقات، ويُهدد الملاحة في البحر. ومرة أخرى لم يكن هناك من بشير للسلام سوى هذه الطيور الحرة التي نسميها بالصقور، والتي بعث بها ملك المغرب كهدية أو كاعتذار إلى الملك شارل الأول ملك إنجلترا. وكذلك كان الحال مع ملوك فرنسا وهولندا وإسبانيا والبرتغال والدانمارك. لم يكن تهادي الصقور ليعني مجرد نقل طير من بلاط إلى بلاط، ولكنه كان يعني عدداً من الدلالات الحضارية البالغة العمق، والتي تحدثتُ عنها في الكتاب.
في الحقيقة أنا مدين، بعد توفيق الله، في تأليفي لهذا الكتاب وكتاب آخر تراثي عن “القنص بالصقر وحكمه في الدين الإسلامي” للشيخ زايد الذي كان وراء معرفتي بهذا العلم، ولسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان الذي كان مشرفاً على مؤتمر الصداقة الدولي للبيزرة الذي عقد في أبوظبي من 10 إلى 18 ديسمبر 1976. لقد اكتشفت الكثير عن هذا الصقر، الذي يسمى الطير الحر لأنه ينتحر إذا مُسَّت كرامته، في رحلاتي الكثيرة مع الشيخ زايد، وكنت أتبادل معه الرأي وكان حكيماً، كان يعيش عيشة الصقور. وهذه الهواية كما تعلمين هواية أرستقراطيه يمارسها الملوك والنبلاء وعلية القوم، وكان القدماء يوازنون بين رئيس الدولة وبين مروّض الصقر، ويعتبرون أن من يقود دولة عليه أن يكون في منتهى الحكمة حتى يعرف كيف يروض صعوبات الحكم كما يروض الصقار الصقور. ولا تفوتني الإشارة إلى أن القنص تراث مشترك بيننا وبين الإمارات، وقيمة حضارية رفيعة المستوى، ومن يقرأ الكتاب يخرج بحقيقة أن أوروبا كانت تشاركنا هذه الرياضة، وإذا كان هناك حوار حضارات فمن هنا نبدأ، من التراث المشترك.

? في جعبتك 50 كتاباً في صنوف معرفية مختلفة، كيف تأتى لك ذلك رغم انشغالاتك في عملك الدبلوماسي وما يتطلبه من علاقات؟
? سأكشف لك السر في كلمات وجيزة. لقد حباني الله بزوجة صالحة توفر لي كل سبل الراحة، وتقوم بكل الالتزامات التي يحتاجها البيت وتنظم كل ما يحتاجه ضيوفي. لم أفكر يوماً في “بصلة ولا لحمة” بل كان تفكيري كله ينحصر في الكتابة والبحث والتأليف. ولأن زوجتي كانت تلميذة سابقة لي فهي تعرفني معرفة جيدة، وتعرف حاجاتي الفكرية والعلمية، وكم أراحتني نباهتها وإحساسها المرهف وقدرتها على تلمس طبيعة الحياة التي يحتاجها الكاتب والدبلوماسي. كما أنني كنت أجد التعاون والتشجيع من طرف كل الذين يعرفون هوايتي. أضيفي إلى ذلك أن تعاطي التدريس لفترة من عمري شجعني على التأليف، فقد كنت أجد متعة كبيرة وأنا أدرس طلابي وأسهم في تأسيس الجيل. ولا أملك إلا شكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة.

بين المؤرخ والدبلوماسي
? مارست الكتابة التاريخية والعمل الدبلوماسي، كيف جمعت بين حقل يحتاج إلى اللياقة والمجاملة والبروتوكولات وبين حقل يحتاج إلى الحياد والموضوعية وتنتفي فيه المجاملة؟
? لا أرى أي تعارض بين هذين الميدانين، بل أظن أن أحدهما يكمل الآخر، ولا أخفيك أن لي اطلاع على الكثير من المواقف التاريخية في المغرب وغير المغرب مما كنت أضع أمامه علامات استفهام. ولما تقلّدت السلك الدبلوماسي وباشرته عن قرب تكشّفت لي حقائق كثيرة لم أكن لأعرفها من خلال ما كتب في التاريخ. من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تلك المعلومة التي تقول إن صلاح الدين الأيوبي طلب من الخليفة الحاكم في المغرب أن يزوده بمعونة عسكرية من أجل التغلب على الصليبيين، واشتهر في التاريخ - للأسف - أن ملك المغرب لم ينجده لأنه لم يخاطبه بـ “أمير المؤمنين” أو شيء كهذا. بعد أن تبوأت الكرسي الدبلوماسي في المغرب عشت حدثاً غريباً ومشابهاً وهو أن الحسن الثاني أنجد إخواننا المصريين في إقصاء إسرائيل عن سيناء، وكان ذلك سرياً، لم أعلم به أنا شخصياً مع أنني السفير، رجعت إلى التاريخ فوجدت أن ابن خلدون يُكذب تلك الإشاعة القائلة بأن المغرب لم يساعد صلاح الدين، وأنه وجّه له مئة وثمانين قطعة بحرية بشكل سري حتى لا يطلع عليها الأعداء فيضربونها في البحر الأبيض المتوسط. أسوق هذه الحادثة لأُبيِّن أن مباشرة العمل شيء والحياة مع ما يُقال شيء آخر، والنماذج لو شئت كثيرة، عندما يمارس المرء العمل يشعر بمسؤولية وبالحقائق الواقعية، لذلك أؤكد لك أن الميدانين لا يختلفان بل يتكاملان. الدبلوماسية فتحت عينيَّ على نواح كثيرة من نواحي الحياة، كيف تبنى علاقات الدول، كيف تتوطد، كيف تتعرض للخطر لسبب بسيط. عشت مع مشكلة فلسطين ولم أكن أعرفها إلا بعد أصبحت سفيراً. الحياة الدبلوماسية حياة جميلة جداً، غنية، ومتجددة. لكنها تتطلب أيضاً من الذين يمارسونها واجبات في غاية الصعوبة. فالسفير يظل مؤرقاً بالعمل بدأب وبصدق على أن تظل العلاقات جيدة وإيجابية. بالنسبة لي، كان هذا هاجساً أساسياً سيما وأنني عملت في مواضع كانت مشتعلة: العراق، ليبيا، إيران. تحضرني هنا حكمة قالها سفير فرنسي عاش قبل 100 سنة: “السفير الناجح هو الذي يستطيع أن يتثاءب من غير أن يفتح فمه”. بالطبع هذا مستحيل التصور، ومع ذلك، عرفت في حياتي الدبلوماسية أوقاتاً وظروفاً كنت أتثاءب فيها من دون أن أفتح فمي.
الدبلوماسية حقل ممتع، وحياة مكتنزة بالكثير مما يستحق أن يكتب وأنا عاتب على سفراء هذه الأيام أنهم لا يكتبون مذكراتهم.

? هل حدث أن أخفيت لأسباب تاريخية أو سياسية أو علمية حقائق في وقت معين ثم رأيت أن تذكرها في وقت آخر، وهل يحق ذلك للمؤرخ؟
? بصراحة، هناك أخطاء وقعت في التاريخ لكن الوثيقة التي تظهر اليوم تكشف الحقيقة. لقد حضرت مؤتمراً في كولورادو يعالج موضوعاً غريباً هو “مستقبل الماضي”، يومها تساءلت: ما هو مستقبل الماضي؟ الماضي راح وانتهى فما علاقته بالمستقبل؟ وتبين لي بعد ذلك أن القصد من المؤتمر هو تصحيح الأخطاء التي كانت في الماضي، وأن المستقبل يكشف صحة هذا العمل من عدمه. لسؤالك حمولة قوية تتعلق بمسؤولية المؤرخ، أنا معك في أن المؤرخ قد يخطئ وقد ينسى وقد يتعمد الإخفاء لكن المستقبل لا يرحم.

? هل يمكن أن يحدث الخطأ بسبب خطأ في المنهج الذي يتبعه؟
? نعم، أحياناً يحدث أن يكون الخطأ في المنهج، وأحياناً يكون ثمة غرض سياسي. الآن، بحكم أن الوثائق أصبحت بين أيدينا شرقاً وغرباً، أصبحنا نحن العرب نمتلك تاريخاً آخر، هذا التاريخ الآخر تحتوي عليه الوثيقة الموجودة في الأرشيف الأوروبي، ويجب على أبنائنا وبناتنا في الجامعات أن يبحثوا عن تاريخهم ليس فقط في الوثائق المحلية أو الوثائق التاريخية المتبادلة، بل خارج المنطقة وفي الأرشيفات الأوروبية، وسيجدون أن لهم ثروة عظيمة فيما يتصل بتاريخهم. في وثائق الأرشيف البريطاني أو الإسباني أو الفرنسي حقائق مشرفة جداً، في باريس توجد رسالة كتبها ملك المغرب إلى ملك فرنسا يطلب إليه فيها أن يصالح ملك إسبانيا رغبة في بسط الأمن والسلام في أوروبا. وهي تبين أن العالم الإسلامي لم يكن أبداً إرهابياً ولا متعنتاً بل كان أداة سلام بين الأمم، وفي الرسالة يقول: “بالرغم من أنني لست من دينك ولست من دينه إلا أنني لا أرضى أن تسيل الدماء في جنوب أوروبا”. هذه الحقائق ينبغي أن نبرزها لأبنائنا الباحثين الذين يتقنون (ولله الحمد) اللغة الإنجليزية.

? كمؤرخ، كيف تنظر إلى الحراك العربي، كيف ستفهمه الأجيال الآتية رغم تعقيداته؟
? لا أرى نشازاً فيما يحدث، وما يحدث اليوم يعطينا فكرة عمّا شاهدناه في التاريخ من قيام ثورات وانقلابات، لكننا ننسى بسرعة. لو قمتِ باستعراض التاريخ ستجدين أنه طوال التاريخ كان هناك شباب يثورون على أسلافهم، وأنه كانت هناك أفكار أصبحت بالية وتحتاج إلى إصلاح. ولذلك أتوجه إلى المسؤولين في هذه الدول أن يأخذوا العبرة مما وقع ومما يقع الآن، ولديَّ “عشم” أن الحس السياسي للحكام اليوم غير الحس السياسي لحكام الأمس. والأهم أن هناك قابلية لسماع شكوى الآخر. نحن كنا بالأمس نعاني من مصيبة عظمى وآفة كبرى هي أننا لا نسمع للآخرين، مقتنعون بأنفسنا وبأننا على حق ولا يوجد صوت غير صوتنا. هذا خطأ، اليوم أبناؤنا وحفدتنا يثورون علينا، ولهم من الجرأة ما يكفي ليقولوا لنا: لا يا بابا.. الأمور ليست هكذا، العالم تغيّر.

? قصدت من سؤالي أن هناك وجهتي نظر تجاه ما يجري، ومن لم يعش هذه الأحداث، كيف سيفهمها؟ إلى أي حد نثق بالتاريخ في حال كهذه؟
? التاريخ هو الوثيقة وليس الأشخاص. الأشخاص تطويهم الأيام وتبقى الوثيقة هي الوحيدة التي تحكم، وينبغي أن نؤمن بأن أبناءنا اليوم يمتلكون من القدرة ومن الكفاية ما يمكنهم به أن يقولوا لنا: “ليست هذه هي الحقيقة”.

أنا و.. ابن بطوطة
? اشتغلت بالتحقيق واشتهرت بتحقيقك لرحلة ابن بطوطة، لماذا ابن بطوطة تحديداً؟
? لفت ابن بطوطة انتباهي لأن عالم الاستشراق أخذ يؤمن بأن رحلة ابن بطوطة هي الرحلة الأولى في تاريخ البشرية جمعاء، مصداقية ومعلومات وحوار حضارات. فالرجل عاش في العصور الوسطى، وهو يتحدث عن معاملة النصراني مع اليهودي مع المسلم، وهذه ثروة لا يملكها أحد، هم يتحدثون عن ماركوبولو باعتباره خرافة من الخرافات، بينما رأينا الأمم المتحدة قبل عشر سنوات تخصص لابن بطوطة يوماً دراسياً في المؤتمر الجغرافي، يبحث في مصداقيته وتنوع حديثه. لقد تُرجم إلى 50 لغة، يعني أن المعلومات عن العالم الإسلامي دخلت 50 دولة. هذا إرث كبير أصبح معروفاً عند الآخرين، ونحن اليوم، من خلال هذا المؤتمر، وجدنا أن زملاءنا الصينين يعرفون عن حضارتنا ودواخلنا ربما ما لا نعرفه نحن، وذلك من خلال ما وصلهم عن طريق ابن بطوطة. لقد أصبحت رحلته كنزاً من الكنوز، وأنا ما زلت إلى الآن أجد متعة كبيرة وأنا أقرؤها يومياً وأعيش مع ابن بطوطة ثراء التجربة.. في المغرب لدينا نوع من التمور ينبت في “تاكزاوا” يقولون عنه: “تمور تاكزاوا زيدها مضغة تزيدك حلاوة” وهكذا هو ابن بطوطة.

? وماذا عن التنوع في كتبك، ألفت في تفسير القرآن والتاريخ والدبلوماسية والشعر والأدب وترجمت وحققت، كيف كنت تكتب؟ كيف تختار موضوعاتك؟
? أجيبك عن التاريخ الدبلوماسي للمغرب فقط. فيما يتعلق بالتاريخ الدبلوماسي للمغرب، أول شيء اشتغلت فيه هو محاولة الإجابة عن سؤال: هل كان لنا تاريخ بالأمس؟ هذا السؤال فتح لي باباً رائعاً في ما يخص علاقة المسلمين بالدول المسيحية. اكتشفت تاريخاً آخر موجود في الأرشيفات الأوروبية. علاقات المماليك المصرية بأوروبا، علاقات العثمانيين بأوروبا وآثار هذه العلاقات على القضية الفلسطينية. ما كنت أعرف أن العصر الوسيط شهد وثائق مكتوبة ومعاهدات مبرمة بين المماليك في مصر ودول أوروبا، هذا جعلني أؤمن أن العلاقات الدولية تحتاج إلى قراءة تاريخنا بالأمس، لذلك أقول لك أن الكتاب الذي ألَّفته عن التاريخ الدبلوماسي للمغرب هو في الحقيقة ليست فقط عن المغرب بل التاريخ الدبلوماسي للأمة العربية والإسلامية مع الآخرين. لو قمت بجولة في الأرشيف البريطاني مثلاً ستدهشين مما يوجد فيه عنا، ستقفين مثلاً على أن ملك بريطانيا في العصر الوسيط (جون) بعث إلى المغرب يطلب مساعدة عسكرية في مقابل أن تعتنق بريطانيا الإسلام (هذا دقيق). لو كان المغرب قبل هذا العرض لأصبحت بريطانيا اليوم عضواً في المؤتمر الإسلامي، ولكن حاكم المغرب قال لجون بأنني لا أقبل أن تعتنقوا الإسلام تحت الضغط، إذا كنتم ستعتنقون الإسلام عن قناعة فأنا موجود لأساعدكم.
أشياء كهذه حاولت أن أبرزها في كتابي (أسميه موسوعة) الذي يتكون من 15 مجلداً لو طلبت مني الآن أن أكتب ورقة واحدة منها لعجزت عن ذلك. الآن إذا أردت أن تعرفي عن مرحلة معينة في تاريخ الإمارات لابد أن ترحلي إلى البرتغال، وسأغتنم الفرصة لأقول بأن رحيل البرتغال عن هذه المنطقة كان بسبب أن المملكة المغربية قتلت ملك البرتغال في المغرب، بمجرد ما انتهى أمر الملك البرتغالي (دون سيبستيان) انتهى الاستعمار البرتغالي في هذه المنطقة، لهذا كنت دائماً أقول لإخواننا في الخليج العربي أن يجعلوا ضمن المناهج الدراسية وقعة تسمى “وقعة الملوك الثلاثة” أو “وقعة المخازي” أو “العرائش”. وسأختصر الحكاية بقصيدة شعرية قالها شاعر اسمه أبو فارس يمدح ملك المغرب الذي انتصر في تلك الوقعة، يقول فيها:
فكم هنأت أرض الفرات بك العلا
وطارت بك البشرى لأرض عُمان
لقد ذكر الشاعر عمان لأن الاستعمار البرتغالي كان في منطقة الخليج، ومن الطبيعي أن يسعد أهل الخليج باندحار البرتغاليين. مما يدل على الصلة الوثيقة بين المنطقتين منذ وقت مبكر.

? ما دمت قد فتحت سيرة الشعر ودوره في التعبير عن الأحداث التي عاشتها الأمة، سأعيدك إلى لهو الصبا وتفتح المعرفة الأولى، حيث كنت تنظم الشعر، كيف ترى مهمة الشاعر؟
? سمعت شاعراً يقول: “يشبه الشاعر البخور/ لا ينشر طيباً/ إلا عندما يحترق”. ولعل في هذا ما يغني عن الشرح. أما عني، فقد قلت الشعر في فترتين من حياتي؛ الأولى عندما كنت في السجن أكتوي بنار الغربة، والفراق، والفقر المدقع. فقلت الشعر لأعبر عن شوقي إلى الحرية، حرية وطني وأمتي، والثاني (يضحك) هو الحب. والحب كما يقول شكوكو “خرب بيتنا”. ففي أيام شبابي تعلقت بسيدة فاضلة لكن والدي (وأشكره على ذلك) رفض أي حديث عن الزواج قبل إنهاء الدراسة والحصول على الشهادة. وكانت والدتي توافقه الرأي، فكان الاثنان يقفان حجر عثرة أمام أي اتصال مع هذه السيدة، فلم أجد ملاذاً لي سوى الشعر.

? عشت حياة مليئة بالأحداث والحكايات والمفاجآت التي تستحق أن تروى، وقد علمت أنك تعكف على كتابة مذكراتك، أين وصلت؟
? حياة هذا الإنسان الذي يجلس أمامك مليئة بالمغامرات والقصص والتجديد، وأحمد الله أنني كنت محظوظاً في كل المصاعب والمنعرجات التي مرت بي في حياتي. وقد سجلت الكثير منها في كل رحلة من الرحلات التي دونتها. وربما تدهشين لو قلت لك إن لديَّ مذكرات لكل سنة من سنوات عمري. وإذا فتحت هذه المفكرة الصغيرة ستجدين تواريخ الرحلات التي قمت بها طوال حياتي.
...
نظرت إلى حيث أشار، على الطاولة مفكرة من الجلد ذات لون بني، تضخمت أوراقها ربما لقدمها وربما لما سجل فيها من معلومات، فتحتها وإذ بي أجدها ممتلئة حتى رأسها بأختام تحمل أرقام الرحلات التي قام بها إلى قارات العالم. كان أحدثها يحمل الرقم 1311. كان هذا واحداً من أمور كثيرة أجابت عن تساؤلاتي حول ما حققه الرجل من إنجاز فكري. لا شك إنه التنظيم والدقة والحرص على التفاصيل. عاش التازي حياة منظمة، مليئة بالرغبة في أن يعرف المحيط الذي يعيش فيه، كما يقول، من دون أن ننسى الشغف الذي يسكن روحه، ويملك عليه قلبه ووجدانه، ويجعله في بحثه عن المعرفة أشبه ما يكون بصديقه ابن بطوطة الذي أحبه أيما حب، ورحل إليه رحلة المقيم الذي يسكن في النص ولا يجاوره من بعيد. لقد أقام التازي في بحر المعرفة، يلملم ما يلمع بين يديه من لآلئها، وينظمها في قلادة طويلة تبلغ خمسين كتاباً كل منها يبدو في تخصصه وفي حقله البحثي، تجربة فريدة. ورغم بلوغه الحادية والتسعين، لم يسأم الرجل الحياة ولا ينفك الرجل يقرأ ويتابع الأخبار، وكأني به، قبل أن يذهب إلى الحلم، يطمئن على حال العالم ثم... ينام.

اقرأ أيضا