الاتحاد

الملحق الثقافي

هاني سلامة.. دونجوان 2012

هاني سلامة.. أدى دوره بشكل مقنع جعل المشاهد يصدق أنه دونجوان حقيقي (الصور من المصدر)

هاني سلامة.. أدى دوره بشكل مقنع جعل المشاهد يصدق أنه دونجوان حقيقي (الصور من المصدر)

قدم المخرج هادي الباجوري أوراق اعتماده كمخرج واعد في تجربة ثرية بالمشاعر الرومانسية، ونجح في أن يعيد نوعية افتقدتها السينما المصرية هي سينما الدنجوان بلغة 2012، وإن عابها بعض الألفاظ غير المناسبة والتي استقاها من ألسنة الشباب في جلساتهم الخاصة، فهذه الألفاظ سببت صدمة لبعض المشاهدين خاصة وأنها جاءت على لسان امرأة راقية تنتمي لمستوى اجتماعي مرتفع.
فيلم “واحد صحيح”، سيناريو وحوار: تامر حبيب، وإخراج: هادي الباجوري، وبطولة: هاني سلامة وبسمة وكندة علوش ورانيا يوسف وياسمين رئيس وعمرو يوسف وزكي فطين عبد الوهاب وزيزي البدراوي.

ماجدة محيي الدين

يميز الفيلم أنه قدم سينما قريبة من الواقع ودخل أعماق الأبطال والشخصيات الرئيسية ليمس أعماق الجمهور من خلال علاقات حقيقية ولغة حوار جديدة وقريبة من اللغة التي تسللت إلى حياتنا حتى لو لم تكن هي الأنسب والأرقى. وقدم الباجوري الدنجوان بملامح 2012 وهو مختلف عن الصورة النمطية التي شهدناها في سينما الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

الحب وعذاباته
يتناول الفيلم الحب كقضية محورية في حياة مجموعة من الشباب ينتمون إلى شريحة اجتماعية فوق المتوسطة من خلال سيناريو محكم وأحداث محبوكة، ويستعرض المشاعر المتناقضة والعلاقات المتشابكة بين عبد الله (هاني سلامة) الذي تربطه علاقة صداقة مع نادين (بسمة) وزوجها فادي (عمرو يوسف) ولكنه يفاجأ بطلاقهما من دون أن يعرف الأسباب، ورغم ذلك يظل على علاقة بهما معا ويحاول في البداية مع الطرفين لإعادة المياه إلى مجاريها ولكنه يصطدم برفض كل منهما.
وعبد الله شاب مندفع في علاقاته النسائية وتسعى والدته للبحث عن عروس مناسبة له وتلجأ إلى نادين لتساعدها وترشح له نادين إحدى قريباتها وهي مريم (الوجه الجديد ياسمين رئيس)، مذيعة تليفزيون شابة وجميلة ومن أسرة مناسبة ولأنه يمتلك كل مقومات الجاذبية إلى جانب أنه مهندس ديكور ناجح ومرموق تنجذب له المذيعة الشابة منذ الوهلة الأولى، ولأنه يجيد اللعب بمشاعر النساء يحرص على الحصول على إعجاب المذيعة وتعلقها به رغم أنه لا يرحب بفكرة الزواج منها؛ فنجده يفاجئها بزهور في عيد ميلادها ويذهب بشكل مفاجئ إلى الحفل الذي يقيمه لها أصدقاؤها. أما هي فتبدأ الاهتمام بوالدته وتزورها ثم تصحبها معها في بعض النزهات.
وتمضي الأحداث لنكتشف أن الحب الحقيقي الوحيد الذي عاشه عبد الله هو تلك القصة التي لم تكتمل مع زميلة الدراسة الجامعية أميرة (كندة علوش) والتي مضى عليها نحو 11عاما حيث فضلت أميرة الانسحاب والاختفاء تماما لاستحالة زواجهما؛ فهي فتاة مسيحية متدينة تعرضت في حياتها لمأساة لأن والدها احب سيدة مسلمة واعتنق الإسلام وترك أميرة وأسرتها يواجهون الحياة وحدهم.
ورغم أن أميرة هي الوحيدة من أسرتها التي ظلت على علاقة بوالدها حتى رحيله؛ إلا أنها كفتاة مسيحية متدينة ظلت ترفض هذا السلوك من والدها ولم ترض لنفسها أن تستسلم لمشاعرها.
وبعد سنوات من الفراق يلتقي عبد الله مع أميرة مصادفة بينما كان في إحدى دورالسينما مع مريم المذيعة العروس المرشحة فينساها تماماً ويندفع إلى أميرة محاولا استعادتها، ولكنها تقول له في حوار منطقي ومتسق مع التركيب الدرامي للشخصيات: “دينك يسمح لك بالزواج من مسيحية لكن ديني يرفض، وإذا احتفظت بديانتي فهل يمكن أن احتفظ بديانتي لأبنائي؟. ومرة أخرى تقرر أميرة الهروب ولكنها هذه المرة تذهب للرهبنة، وهو القرار الصعب الذي اضطرت له بسبب الصراع الذي ظلت تعيشه لسنوات؛ فهي لم تتخلص من حب عبد الله طوال سنوات الفراق بل اختارت اسم عبد الله لوالدها بعد إسلامه، وعندما توفي والدها لم تجد من تلجأ إليه ليدخل معه المقابر إلا عبد الله.
تلحظ مريم عدم اهتمام عبد الله بها كما تمنت، ورغم ذلك تسعى للتقرب منه وتتجاهل إعجاب احد زملائها في العمل بها، بينما يذهب عبد الله طوال الوقت لنادين يبثها همومه ومشاكله العاطفية ولوعته في حب أميرة وانجذابه الشديد للطبيبة فريدة (رانيا يوسف) زوجة الثري إياد (زكي فطين عبد الوهاب) والتي تعرف عليها مؤخراً، وسرعان ما نشأت بينهما علاقة يشبع فيها كل منهما رغباته. ورغم أن نادين كانت تمر بظروف نفسية خاصة بعد أن طلب زوجها أن تقضي ابنتهما ليلة معه لأول مرة لم يلتفت عبد الله إلى حالة نادين حتى خرجت عن صمتها وثارت عليه لتكشف له صورته الحقيقية وأنانيته واهتمامه بذاته وكأن الحياة تدور حوله فقط، وكيف أنه حريص على أن يجعل كل النساء يقعن في هواه، وأن المرأة التي يحلم بها لن يعثر عليها إلا في الجنة، ويقرر عبد الله في النهاية الزواج من مريم بناء على نصيحة والدته، كما أنه يراها فتاة مناسبة. وبالفعل يتم الإعداد لحفل الزفاف.
يفاجأ عبد الله باعتذار نادين عن عدم حضور الفرح لمرض ابنتها ولكنه لا يقبل أن تغيب عن زفافه ويقترح عليها حلولا عديدة حتى انه يطلب من صديقه وشريكه فادي طليق نادين أن يجلس مع ابنته المريضة، ويفجر صديق عمره قنبله ويخبره بأن الابنة بخير وليست مريضة وأن نادين لا تريد حضور الفرح لأنها تحبه منذ سنوات بعيدة وهو لا يشعر، ويذهب عبد الله إلى نادين وابنتها ويترك عروسه في الحفل لتظهر كلمة النهاية.. ولكن هذه المرة نهاية تذكرنا بأفلام الستينيات التي ما زلنا نحن إليها.

رومانسية جريئة
أضاف السيناريست تامر حبيب حلقة جديدة في سلسلة أفلأمه الرومانسية والتي يبدو انه تخصص فيها واعتبرها موضوعا أثيرا لا ينضب معينه من الأفكار، واستخدم لغة حوار جديدة وجريئة وصفها البعض بالصادمة ولولا اختلاف الأذواق لبارت البضائع.
نجح المخرج هادي الباجوري في تقديم سينما جديدة بمفرداته المتميزة حيث اعتمد على الإيقاع السريع ونقلات متميزة واختار أبطاله بعناية وقادهم بحرفية، ورغم طبيعة السيناريو الذي تضمن بعض التفاصيل الملغومة مثل ذلك الزوج الشاذ والعلاقة التي ربطت عبد الله مع الطبيبة فريدة فإنه عبر عن تلك التفاصيل بأسلوب غير فج وبلغة سينمائية راقية ولم ينزلق لمغازلة الشباك بطريقة مباشرة، ولعبت لمسات مهندس الديكور فراس سعيد دورا مؤثرا في صنع عالم منسجم من الألوان يعكس المستوى الاجتماعي الراقي الذي يعيش فيه ألأبطال. وانسابت الموسيقى التصويرية بسلاسة مع الصورة لتمنح الشريط السينمائي مزيدا من الرومانسية والدفء. وجاء توظيف الإضاءة والظلال واختيار زوايا التصوير ليؤكد قدرات مدير التصوير احمد المرسي ويعزز حالة التناغم والتفاهم بين فريق عمل متجانس.
استطاع هاني سلامة أن يقنعنا بأنه فعلاً دونجوان 2012 وقدم أداء متميزا بلا مبالغة.. أما بسمة فقد أكدت نضجها الفني رغم مساحة الدور المحدودة نسبيا، وأضافت رانيا يوسف لرصيدها بأداء شخصية المرأة الطموح ماديا والتي خرجت من بيئة متواضعة لتلحق بالطبقة الراقية، ونجحت في تقديم دور يكاد يكون الأصعب في الفيلم من الناحية النفسية.. أما ياسمين رئيس فهي مفاجأة بأدائها التلقائي البسيط وملامحها المتميزة. ويحسب لعمرو يوسف أداؤه الذي جعل شخصية الزوج الطيب المثالي من لحم ودم يتعاطف معها الجمهور. وسجلت كندة علوش هدفا في قلوب الجمهور بأدائها الناعم الرقيق لشخصية الفتاة المحبة التي تعيش صراعا يعتصرها بين قلبها وعقلها... ويبقى التقدير لمحمود حميدة الذي قدم أداء صوتيا لشخصية والد أميرة فكان صوته بمثابة لمحة تقدير وتشجيع لجيل جديد من السينمائيين الشبان.

اقرأ أيضا