صحيفة الاتحاد

أخبار اليمن

أكثر ممالك اليمن نفوذاً

سعيد ياسين (القاهرة)

أوسان وقتبان مملكتان قديمتان في اليمن نشأت بينهما حروب وصراعات كان من نتيجتها سيطرة قتبان تدريجياً على معظم أراضي أوسان، وأسقطتها بعدما شاركت قتبان مملكة سبأ في حربها ضد اوسان، وحسب كتابات خط المسند، فإن مملكة أوسان «الاوس» كانت تتبع مناطق حمير في جنوب اليمن، لكنها انفصلت عنها، ولم تعرف ظروف ذلك الانفصال على وجه الدقة، وكونت كياناً سياسياً مستقلاً جنباً إلى جنب مع قتبان وسبأ، حيث جمعت حولها الأحلاف والقبائل وساعدها في ذلك ازدهارها الاقتصادي الذي انتفعت فيه بخليج عدن.
وفي أواخر عهود المكربين، قامت بين سبأ واوسان مناوشات وتحولت أطماع السبأيين للسيطرة على أوسان لازدهارها الاقتصادي، وتصاعد الصراع وتبادل الطرفان الانتصارات والهزائم، حتى قام الملك السبئي «كرب إيل وتر» في القرن السابع قبل الميلاد بتدمير مدن أوسان واحتلالها، ويذكر أن هذا الملك هو أول من تلقب بـ «ملك دولة سبأ».
وكانت تقع أراضي أوسان في المنطقة بين وادي بيحان وعدن، وامتدت سيطرتها جنوباً إلى البحر العربي وخليج عدن، وقد عرفت كدولة من خلال نقش النصر الذي سجله الملك السبئي «كرب إيل وتر» في معبد الوعول في مدينة صرواح، ومن خلال النقوش الأوسانية القليلة التي تم العثور عليها، تم الكشف عن أن حكام أوسان اتخذوا لقب مكرب ثم لقب ملك، ومن المدن المهمة في دولة أوسان مدينة «مسورة» العاصمة، ومرخا وخلة والسقية وأم ناب، فضلاً عن ميناء عدن والذي كان الميناء الرئيس للدولة.

اختلاف حول النشأة
واختلف الباحثون في نشأة دولة أوسان ونهايتها، فبينما يرى البعض أن أول ما ظهرت الملكية في أوسان كان نحو عام 230 ق م، وظلت قائمة حتى العام 115 ق م، يرى آخرون في النقش الذي سجل انتصارات «كرب إيل وتر» على ملك أوسان، دليل على أن ظهور مملكة أوسان كان في القرن الخامس ق.م، ويعتقد أن مملكة أوسان استمرت حتى قبيل الميلاد بفترة قليلة.
وتؤكد الدراسات العلمية أن أوسان كانت موجودة منذ القرن العاشر قبل الميلاد، وقد حققت ازدهاراً كبيرا في القرن الثامن قبل الميلاد، الأمر الذي دفع ملوكها إلى توسيع نطاق سيطرتهم على حساب قتبان وحضرموت، وتعرضت في القرن السابع ق.م لهجوم كاسح من القوات السبئية بقيادة المكرب - الملك كرب إل وتر مكرب سبأ، حيث قتل «مرتع» ملك أوسان، وتم تدمير معابدها والقصر الملكي «مسور» وقسمت أراضيها بين مملكة سبأ وحلفائها القتبانيين والحضارمة، وخضع الجزء الأكبر من أراضيها لسيطرة القتبانيين.
وظهرت مملكة أوسان من جديد في القرن الثاني ق.م، وفي تلك الفترة حكمها خمسة من الملوك فقط، تم العثور على تماثيل لبعضهم، ثم عادت للاختفاء من جديد بداية القرن الأول قبل الميلاد من دون معرفة ملابسات ظهورها واختفائها.
وكانت «هجر يهر» العاصمة السبئية مركزاً لحضارة غنية بشكل كبير، فشيدت المعابد وقصور محاطة بالمساكن المبنية من الطين المحروق، وموقع محتمل لسوق كبير، ومكان لاستراحة القوافل المسافرة، وكان للملوك الأوسانيين امتيازات كبيرة، نظرا للسلطة الدينية التي يتمتعون بها، متأثرين بالحضارة الهلينية. واعتمدت حضارة أوسان على ري الفيضان السنوي للمحاصيل في الربيع والصيف، عندما ينزل السيل من الوادي ويغرق الحقول مؤقتاً تاركاً كمية من الطمي الناشئ عما نحتته الرياح من سطح الأرض.
وامتد نفوذ أوسان إلى أفريقيا والهند، حيث كان الساحل الأفريقي يسمى بالساحل الأوساني، وكانت أوسان من أكثر ممالك العرب الجنوبيين نفوذاً حيث سيطرت مملكة أوسان الإمبراطورية غير العسكرية على طول سواحل غرب الهند وشرق أفريقيا، وكانت علاقات مملكة أوسان السياسية والتجارية في الخارج أكثر منها في الداخل، ووصلت تجارتها مع الإغريق في البهارات والأعشاب وتجارة الطين المحروق الذي كان الإغريق يستخدمونه في بناء الآلهة.

قتبان
أما عن مملكة قتبان، فهي دولة يمنية قديمة عاصمتها مدينة تمنع، ويعد نقش «النصر» من أقدم المصادر عن مملكة قتبان، ومنه يتبين أن قتبان كانت شريكا لمملكة سبأ في حربها ضد أوسان، وكان من نتائجها سقوط أوسان وسيطرة قتبان تدريجياً على معظم أراضيها، وظهرت قتبان في وادي بيحان، وامتدت أراضيها إلى البحر الأحمر غرباً، ومن أنحاء مدينة ذمار شمالاً، إلى البحر العربي جنوباً، ويدل نقش قتباني اكتشف حديثاً، أن مملكة قتبان خاضت حرباً ضد مملكة حضرموت، وادعى القتبانيون أنهم دمروا أكثر من ثلاثمئة مدينة تابعة لحضرموت.
وكانت قتبان هدفا لحملة سبئية في القرن الخامس قبل الميلاد، وسيطر السبئيون خلالها على العاصمة «تمنع» وانسحبوا منها بعد أن سلموها لأحد المتعاونين معهم. وفي القرن الثاني قبل الميلاد ترك الريدانيون وهم من أصول قتبانية مناطقهم قرب العاصمة وانتقلوا إلى قاع رعين جنوب ذمار.
واشتهر القتبانيون في مجال العمارة وبناء المدن والمنشآت العامة وخاصة الطرق، ويذكر أحد النقوش من القرن الثاني قبل الميلاد أن المكرب «يدع أب ذبيان» شق طريق جبلي صاعد يربط مناطق قتبان بالمناطق السبئية، وأدى ذلك الى سهولة سير القوافل التجارية، وتدل مباني ومعابد العاصمة على مهارة فائقة في مجال البناء، كما أبدع القتبانيون في المجال الحرفي خاصة صناعة التماثيل، وسك العملات الفضية والذهبية والتي كانت تحمل اسم القصر الملكي «حريب» في العاصمة، وبدأ الضعف ينتشر داخل مملكة قتبان مع بداية القرن الثاني للميلاد، وذلك بعد تحولها لمركز الصراع بين سبأ وحضرموت.

شعب مســــــالم

احتفظ الأوسانيون بأسرار رياح البحر الأحمر في الإبحار إلى شبه جزيرة سيناء التي كانت ملتقى طرق التجارة بين الإغريق، ورغم أنهم لم يكونوا أهل حرب، إلا أنهم سعوا للسيطرة على سيناء وبناء قصر ملكي في وادي العريش.
ولم يكن شعب أوسان مؤمناً بالقوة، ما جعل دمار مدينة «هجر يهر» في القرن الأول قبل الميلاد من قبل الملك السبئي سهلاً، ولم يتبق أحد في المملكة المدمرة من بني أوسان إلا وهرب إلى عدن والحبشة، وذلك طبقاً للنصوص السبأية التي تتحدث عن النصر على الأوسانيين.