الاتحاد

الملحق الثقافي

«الفجيرة للمونودراما».. مختبر مسرحي.. ولِمَ لا؟

مشهد من مسرحية «اصبر على مجنونك» (تصوير يوسف العدان)

مشهد من مسرحية «اصبر على مجنونك» (تصوير يوسف العدان)

اثنا عشر عرضاً مسرحياً وندوة وفعاليات أخرى موازية للعروض، هي كل ما انطوى عليه مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما لدورته الخامسة، التي انطلقت مساء العشرين من الشهر الماضي وحتى الثامن والعشرين منه، وأقيمت في دبا الفجيرة على خشبتي المسرحين جمعية دبا وبيت المونودراما بواقع عرضين لليوم الواحد. كان هذا المهرجان حدثاً بالفعل لكنه أيضا يثير عدداً من التساؤلات حول هذا الفن: “المونودراما” إذ جمع عدداً من الأعمال المسرحية المونودرامية مختلفة الشكل والمضمون التي تعكس وجهة نظر أصحابها، أي المخرجين، على الصعيدين النظري والجمالي، بل والجدلي أحياناً.


جهاد هديب

بدءاً فإن الكثيرين يتفقون على أن المونودراما هي المسرحية التي يظهر فيها على الخشبة ممثل واحد يتقمص شخصية واحدة ويقدم “فعلاً” قد ينطوي على حكاية أو شظايا منها من الممكن للمتلقي أن يستكملها عبر عناصر العرض الأخرى أو عبر تأويل الملفوظ (الكلام الذي يجري على لسان الممثل)، وعلاقته بحركة جسد الممثل.
فإذا صحّ هذا التوصيف (وليس التعريف) للمونودراما، فإن ما تمّ تقديمه من عروض مسرحية تحت مسمى المونودراما قد أشار إلى العديد من “الاجتهادات” المختلفة التي برز الاختلاف معها أو الاتفاق عليها خلال الندوة التي أقامتها إدارة المهرجان تحت العنوان: “المونودراما بين المصطلح والحداثة” بمشاركة وحضور عدد واسع من الفنانين والكتّاب المسرحيين العرب والأجانب، حيث لم يتم التطرق إلى “حداثة” المونودراما شكلاً ومضموناً، واقتصر الأمر على مناقشة المونودراما بين الرفض والقبول، أو بين استكمالها، أو عدم استكمالها للعناصر الدرامية المسرحية خاصة صراع الإرادات الذي ينبغي له، كلاسيكياً، أن يكون بين طرفي نزاع دون النظر إلى أن المونودراما هي أيضا شكل تجريبي داخل البنية الدرامية المسرحية عموما وأن صراع الإرادات من الممكن أن يكون أيضا بين الشخص وذاته وليس بين طرفين يتم تجسيدهما عبر شخصيتين أو أكثر في العمل المسرحي، أو النص الأدبي للمسرح.

حفرة الماضوية
الأمر الآخر الذي من الممكن أنه قد فُهم خطأً فيتجسد في زمن الفعل المسرحي لجهة انتمائه إلى الراهن الزمني الحاضر الذي يجري الآن بكل تفاصيله أو إلى ما قد حدث في زمن آخر ينتمي إلى الماضي بوطأة حضوره الثقيلة في الراهن. وفي حين تمّ الاتفاق غالباً على أن المونودراما هي فعل مسرحي يقوم على “الحكي” فقد جعله المشاركون في الندوة أو الذين تطوعوا للمشاركة في المداخلات تعبيراً عن حدث جرى في الماضي، وقليلة كانت تلك الأصوات التي أشارت إلى أن المونودراما تنتمي إلى “الآن، وهنا” لجهة الفعل الدرامي. وهذا التوصيف الزمني للفعل الدرامي غاب عنه واحد من أهم عناصره التي ينبغي لها أن تسبق الفعل، وهو الإنسان الذي يقوم بهذا الفعل ليكون التوصيف الأقرب إلى المنطق الدرامي للمونودراما هو: “نحن، الآن، وهنا” أو “أنا، الآن، وهنا”، لأن أي فعل درامي من غير الممكن تخيّله في حال غياب العنصر البشري بأي حال من الأحوال.
تطبيقياً، أي على صعيد العروض المسرحية التي تم اقتراحها من قبل أصحابها المخرجين على أنها مونودراما فقد أوقعها الكلام في “حفرة” الماضي حتى عادت غير قادرة على الخروج منه - باستثناء نادر وتحديداً من العروض العربية - التي فاض عن أغلبها الكلام المحمل بالماضي الذي جرى استرجاعه في فضاء متخيل تضعنا فيه الشخصية المونودرامية ضمن رؤية إخراجية حداثية تميل إلى استخدام تقنيات حديثة وجريئة حتى أن عدداً من هذه العروض قدمت ما هو مفاجئ ومثير للاهتمام في توظيف هذه التقنيات دلاليا، وترفعها عن اللجوء إلى الحلول السهلة أو الدارجة التي يستخدمها المخرجون في العادة للتخلص من عبء الانتقالات بين مشهد وآخر داخل الحالة المسرحية ذاتها الممتدة على طول الفترة الزمنية التي استغرقها هذا العرض أو ذاك، وهنا لا بدّ من الإشادة بالعروض العربية: “اصبر على مجنونك” لجمال مطر مخرجاً وأحمد مال الله ممثلاً، و”إلى بغداد” لأزل يحيى الإدريسي من العراق تمثيلاً وإخراجاً و”أكلة لحوم البشر” لمحمد الإبراهيمي ممثلاً، وعلي الجرّاح مخرجاً، والذي بحقّ كان عرضا مباغتا على مستوى الرؤية الإخراجية والتمثيل.

نحو التجريبية
“اصبر على مجنونك”، لمسرح دبي الأهلي بدا في لحظة عرضه الأول جنوناً خاصاً للمخرج والممثل، إنما في نصفه الثاني أو أكثر من ذلك بقليل يقدم أحمد مال الله شخصية مسرحية بعمق دون مبالغات في الأداء، كما في النصف الأول، وبوعي لافت بأدواته كممثل مسرحي موهوب اقترحه المخرج جمال مطر ليقدم عرضه الذي يشتبك فيه مع أوجه عديدة للزيف الاجتماعي وبحساسية مخرج مبدع، إنما صبور، ويتيح المجال للأشياء أن تنضج على مهل في مخيلته وعلى خشبته، إلى حدّ أنه ينبغي لهذا العمل أن يُعرض أكثر من مرة وفي أكثر من مكان داخل الإمارات وخارجها لتتحقق للعرض فرصة النضج الأقرب إلى ما هو عليه في مخيلتي المخرج والممثل، ذلك أن عرض العمل المسرحي على الجمهور واحتكاكه به بصرياً هي أقصر الطرق لاكتمال العرض بشروطه الخاصة.
ويُحسب للممثل والمخرج العراقي أزل يحيى الإدريسي ذلك “التجريب” في المونودراما التي هي فن تجريبي بدءاً من أصل فكرتها. لقد سعى المخرج إلى الخروج برؤيته الخاصة عن المونودراما وما يمكن فعله في هذا الحقل الدرامي “الضيق” على الملأ. وهنا لا حكاية كي تقال بل لم نر نحن المتفرجين سوى الكثير من الصمت والفعل اللذين كشفا لنا عن المحنة التي يعيشها الإنسان العراقي في راهنه ويومه العادي وما أحاق ببلاد الرافدين من تخريب وتدمير، وكذلك “النفس” البشرية القاطنة في المكان. في هذا العمل يكسر المخرج حدود الفكرة التي تمّ الاتفاق عليها أو التواضع عليها بناء على خبرات أكاديمية عربية ترقى إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ليزاول صنيعه الخاص والمؤثر في المتلقي. لقد أثار الكثير من التساؤلات حول العرض ذلك الفعل الذي تقوم به التقنية باربارا كاستنر وتحديدا في اللحظة الأخيرة التي تقوم بها بفعل ما يدخل في صميم نهاية العمل، ومزاولة هذا الفعل رأى البعض فيه أنه كسر للشرط المونودرامي الذي يتمثل بأن المونودراما هي الشخصية الواحدة التي تقوم بالفعل كله من الألف إلى الياء غير أن هذا الفعل من الممكن تأويله أيضا بأن تنفيذه على نحو ما بدا لجمهور المتفرجين هو جزء التَقْنية ذاتها التي نفذتها التِقَنية وليس بوصفها شخصية مسرحية تتدخل في صراع الإرادات الذي يجري على الخشبة.
أما لمن يعرف الممثل الأردني محمد الإبراهيمي، فلم يكن مفاجئاً بالنسبة له تلك المقدرة على الإمساك بخيط الإيقاع بدءا من اللحظة الأولى للعرض وحتى اللحظة الأخيرة، وفقاً لمستوى واحد بموهبة وقدرات تمثيلية لافتة في فضاء مسرحي مكتظ وضيّق جدا ما جعل الخيارات أمامه محدودة كثيرا ليشتغل عليها بذكاء الممثل بل وبفطرته أيضا. أما علي الجراح فيحسب المرء أن قدراته الإخراجية في هذا العمل قد تصلبت أكثر، وتحديدا نزعته إلى التجريب، عبر الأعمال التي قدمها سابقا والتي بدأ بها مع مسرح الطفل، حيث بالفعل أن مَنْ رأى واحداً من عروضه الخاصة بمسرح الطفل يدرك تماما تلك المسحة التجريبية في صنيعه ودأبه على اجتراح رؤاه الإخراجية بما يعزز هذا التجريب ويمضي فيه أكثر.
لكن “أكلة لحوم البشر” المعد أصلا عن نص مونودرامي أدبي للراحل الكبير ممدوح عدوان قد وقع في “مطب” آخر ليس هو “مطب” الماضي بل تعدد الشخصيات داخل العمل المونودرامي الواحد. كراوٍ وشخصية تتجسد على الخشبة كان الإبراهيمي يروي ما حدث وينتمي لعالم الماضي وليس الآن، ويقوم بفعل أكثر من شخصية ويتقمصها على الخشبة بوصفها شخصيات غير رئيسية نراها أمامنا، وهذا ما هو أمر خلافي أصلاً بين العديد من الآراء حول فكرة المونودراما ذلك أن صنيع من هذا القبيل، أي التعدد في الشخصيات التي يقدمها الممثل على الخشبة، يجعل “أكلة لحوم البشر” أقرب إلى عرض الذي يعرف بـ “عرض الرجل أو الممثل الواحد” أو “One Man Show” أكثر من قربه إلى مونودراما الشخصية الواحدة. وهو الأمر الذي ما زال خلافياً حتى الآن على المستوى النظري والتطبيقي في حقل المونودراما.

عرض من لحم ودم
إجمالاً، فإن العروض العربية قد قدّمت اقتراحات مسرحية جمالية على المستوى البصري والدلالة الواسعة، أو الكبرى للعرض جديرة بالاهتمام غير أنها لا تنتمي إلى ما تمّ اقتراحه في السطور السابقة “نحن، الآن، وهنا” بل إلى فكرة حضور الماضي في الحاضر بكل قسوته وجبروته وسطوته على الحاضر وتأثيره فيه سواء تعلّق الأمر بالأحداث السياسية الراهنة في المنطقة العربية، الربيع العربي وثوراته وانتفاضاته، أو بالواقع الاجتماعي وحال المرأة العربية فيه كما في العرض الافتتاحي: “العازفة” للمغربية لطيفة أحرار إخراجاً وتمثيلاً والسعودية الدكتورة ملحة عبد الله تأليفاً، ومن إنتاج هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، فقد جعلت منه لطيفة أحرار منه عرضا من لحم ودم، على ما يقولون، وحقيقياً لجهة اقتراحاته الجمالية على مستوى التمثيل والإخراج، حيث اكتفت بقليل من العناصر السينوجرافية والأداء الجسدي لتجعل المتفرج مشدودا إلى العرض الذي عالجته نصياً ليتوافق مع رؤيتها الإخراجية ويكون مطواعا لمخيلتها المسرحية.
أما بقية العروض العربية فلم تكن، للأسف، مقنعة جمالياً وأدائياً، بل وانتماء للفكرة العميقة للمونودراما، ففي “الطريقة المضمونة للتخلص من البقع” للمصريتين ريهام عبد الرازق إخراجا وتمثيلاً، ورشا عبد المنعم تأليفاً لجماعة تمرد للفنون بدت الممثلة بلا إيقاع وتؤدي أفعالا على الخشبة دون مبرر درامي مقنع للمتفرج أو يصعِّد من التوتر الدرامي الذي ظلّ ينقطع مع بداية كل مشهد. أما مونودراما “قطع وصل” للبنانيين رفيق علي أحمد تمثيلا وتأليفاً، وناجي صوراتي إخراجاً فالأرجح أنها لم تضف جديدا إلى رصيد هذا الممثل بقدراته اللافتة وحضوره المميز على الخشبة، إذ ظلّت قضيته حول صراع الطوائف في لبنان ومشاكل الاجتماع الأهلي الناجمة عن هذا الصراع هي الذريعة التي يريد أن يخاطب بها العالم وليس الانطلاق من لبنانيته إلى المخيلة الانسانية الأوسع وربما الأكثر درامية من ذلك النوع الذي يضع المرء في مواجهة مصير شخصي أمام قوى من غير الممكن أن تكون هناك غلبة عليها.
بالمقابل بدا المسرح الأجنبي يعيش عزلته الأكثر عمقا من أزمة المسرح العربي، وربما لا مبالغة في القول بأنه يعيد إنتاج تسالاؤته حول جوهر فن المونودراما دون قلق أوضغط من الواقع الاجتماعي، أو كما لو أنه استنفد كل خياراته، تبدى ذلك في مونودراما “كبير المحققين” للبريطانيين بروس مايرز تمثيلا وماري هيلين استيان سيناريو مسرحياً، وبيتر بروك إخراجاً والمأخوذة عن الرواية الشهيرة “الأخوة كرامازوف” للروسي ديستويفسكي، حيث ما من أكثر من رجل يقرأ من كتاب ثم يمضي، فلا يعود الممثل لمناقشة الحضور حول العمل الذي يحمل توقيع الشخصية المسرحية المكرمة في المهرجان وأحد أبرز المخرجين المعاصرين في المسرح اليوم، رغم أن العمل ينطوي على فكرة هدم أساسية في الثقافة الغربية والتي بدورها اقتراح من قبل مؤلف الرواية أصلاً، وليس مخرجها أو معدها سيناريو مسرحياً.
وهذا ما ينطبق إلى حدّ ما على العرض المونودرامي الألماني “ديزدمونة” من أستراليا وألمانيا ليولانتا جوزكيويتش تمثيلا وأناتولي فروسين ويولانتا جوزكيويتش إخراجا عن نص مسرحية شكسبير “عطيل”، غير أن الممثلة هنا تقوم ببعض الأداء الذي ينتمي إلى التمثيل التلفزيوني أكثر منه إلى المسرحي بإيقاعه البارد والرتيب وبلغة إنجليزية ذات لهجة غير مفهومة تماما من قبل جمهور يعرف الإنجليزية إما بريطانية اللهجة أو أميركية.
الأداء هنا كان “الحكي” فحسب، فيما يتصل بهاتين المسرحيتين، على العكس من “العشيق” للتوانيين بيروتي مار اقتباسا مسرحيا وتمثيلا وإخراج أندريوس جاكوشيونيس عن رواية للكاتبة الفرنسية مارجريت دوراس بالعنوان نفسه، و”اعترافات قناع” للألمانيين أندريه موسكوج تمثيلا وإنّا ساكولوفا جوردون عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب الياباني يوكو ميشيما، حيث بدا جهد الممثلين واضحاً في هذين العملين، رغم أن بيروتي مار بدت أكثر إبهارا في أدائها كممثلة دون أن تطرح تساؤلاتها الخاصة بها حول شكل ومضمون المونودراما كما فعلت في عمل قدمته خلال الدورة السابقة للمهرجان. الأمر الذي يذكّر المرء هنا بأن إعادة تكرار عرض تجارب لمخرجين وممثلين وفرق مسرحية ليس بالضرورة أن يقدم جديداً، الأمر الذي يخرج بفكرة المهرجان عن سياقها، وهي أن يكون هذا المهرجان، بوصفه المهرجان المسرحي الوحيد المختص بتقديم المونودراما في المنطقة العربية، منبراً للاجتهادات والتأويلات المثيرة للجدل حول هذا الفن وجوهره مستقبله أيضا، أي أنه يحتاج دائما إلى التجديد في الوجوه بقدر حاجته إلى التجديد والتنويع في الاقتراحات الجمالية التي أراد أن يكون منبراً لها.
أخيراً وفي صدد عزلة المسرح العربي العربي إجمالا، وإذا كان كل ما يحيط بالمهرجان هو جزء من واقع حال قائم عربيا وعالميا بكل إشكالياته وتداعياته ومع إصرار إداراته بتطويره ومنح جوائز من خلاله فلم لا يتحدد بوصفه مختبراً لمسرح المونودراما في العالم خاصة أن العروض التي يتم تقديمها فيه لا تخضع لأي رقابات اعتبارية ولا يجري محاكمتها أخلاقيا على نحو مسبق؟؟؟.

اقرأ أيضا