الاتحاد

تقارير

قراءة في «المذكرة التصحيحية»

عبدالله عبيد حسن
كاتب سوداني مقيم في كندا


العاصمة السودانية، رغم مشاغلها الكثيرة وضيق الحال، مشغولة بتتبع الأخبار والتعليقات حول "المذكرة التصحيحية" التي قُدمت لتصحيح مسار الحركة الإسلامية السودانية، وأصحابها مجموعة من داخل الصف.
المذكرة قُدمت إلى سبعة من قادة القيادة العليا لحزب "المؤتمر الوطني" الحاكم. وعندما سرِّب خبرها بداية، أشاع أصحابها أن الموقعين عليها بلغ عددهم ألف عضو ناشط في الحركة الإسلامية، "تنادوا ليدلوا بدلوهم في أمرها، ولتجديد ما اندثر من روح نتيجة تداعيات كان من الممكن تجاوزها". لكن الشائع اليوم في الخرطوم أن عدد الموقعين على المذكرة قد ارتفع إلى عشرة آلاف عضو!
وفي البداية صمت حزب "المؤتمر الوطني" ولم يعقب أو يعلق أحد ممن قدمت لهم المذكرة سوى البروفيسور إبراهيم أحمد في حديث مقتضب إلى إحدى القنوات الأجنبية قال فيه: "إن هذه المذكرة تؤكد على أن هناك حراكاً طيباً في صفوف الحركة الإسلامية"!
لكن الجديد الآن ما تردد بشكل مؤكد من أن "المؤتمر الوطني" توافق مع أصحاب المذكرة على بدء حوار داخلي مع عدد من أصحاب المذكرة لمناقشة الأمر، وأن المتحاورين قد بدأوا فعلاً حوارهم "المسؤول والهادف".
وجاء في خبر منشور أن ستين شخصية تمثل كل الحركات والأحزاب التي تنسب نفسها إلى الإسلام، قد دعوا "جميع الإسلاميين"، لمواجهة ما أسموه الردة العلمانية التي بدأت تطل برأسها في المجتمع الإسلامي السوداني، ومواجهة المؤامرات الدولية و"الإقليمية" التي تهدد بتمزيق السودان وتفتيت ما تبقى منه.
عندما يعيد المرء قراءة المذكرة التصحيحية قراءة متأنية، لن يجد فيها جديداً على الواقع السوداني، سوى أنها جاءت بالمخالفة لسياسة "الإخوان" المعهودة في التكتم وإخفاء خلافاتهم وأزماتهم عن الرأي العام.
وبالطبع فقد تضمنت حديثاً منمقاً عن سلسلة الإنجازات الكبيرة التي حققتها ثورة الإنقاذ، وهي إنجازات يفاخرون بها ويتشدقون، مع أنه للسودانيين فيها وجهة نظر، إذ يعلمون ما صحب ثورة التعمير وتشييد الجسور وتعبيد الطرق من فساد وعمولات وأخطاء فنية اعترف بها حتى بعض ممن شاركوا فيها من الفنيين السودانيين والأجانب.
لكن حين ينظر المرء بموضوعية فيما جاء في المذكرة التصحيحية في "باب السلبيات والإخفاقات" سيحتار ويتساءل أين كان هؤلاء "الإخـوان" الذين هم من داخل الصـف طوال العقـود الزمنيـة الطويلـة التي حكمت خلالها جماعتهم السودان حكماً لم يشهـد لـه مثيلاً، حيث انتشر الفساد والرشوة والمحسوبية، وتمت مصـادرة الدولة وإقصاء الآخرين، وظهرت النعرات القبلية والجهوية وغيرهـا من السلبيات والإخفاقات التي تضمنتها المذكرة، وكلهـا أمـور معلومة لدى عامة السودانيين الذين اكتووا بنار الإنقاذ وتسلطها وعدم احترامها للرأي العام الذي يشاهد يومياً رموزها القائمة في الخرطوم.
وعندما تخاطب المذكرة حزب "المؤتمر الوطني" مطالبة إياه، باعتباره الحزب الحاكم، بالتحقق من شبهات الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية، فهذا في السياسة يعد ضحكاً على الذقون... إذ كيف يمكن دعوة المتهم ليكون وكيل النيابة والقاضي في نفس الوقت؟
أعرف أن بعضاً ممن قدموا المذكرة التصحيحية انخرطوا في صفوف الحركة الإسلامية منذ شبابهم المبكر، لكنهم لم يدركوا أن بريق السلطة وشهوة الحكم أقوى من الإيمان بالمبادئ والمثل العليا.
ولو كانت للمذكرة التصحيحية من حسنة، فهي كونها فتحت باب معركة داخل النظام الحاكم سيصعب عليه إغلاقه بسهولة... ومن يعش سيرى.

اقرأ أيضا