تقارير

الاتحاد

بوتين يلعب ورقة القومية الروسية

فريد وير
موسكو


بعد انطلاق حملته للانتخابات الرئاسية التي ستعقد بعد شهر من الآن، كتب رئيس الوزراء الروسي "فلاديمير بوتين" مقالاً مطولاً عن المسألة القومية التي تعد الموضوع الأكثر تفجراً في روسيا في الوقت الراهن. وفي ذلك المقال قال بوتين إن أصوات المحرضين القوميين، سواء أولئك الذين يمثلون الأغلبية الروسية، أو من يتحدثون عن أي أقلية من الأقليات الصغيرة التي تعيش في البلاد، ترتفع الآن بشكل مطرد، وعلى نحو يهدد بدفع روسيا إلى الطريق نفسه الذي سار عليه من قبل الاتحاد السوفييتي، وقاد إلى دماره. ويقول الخبراء إن خطاب بوتين، وهو الثاني منذ انطلاق حملته، يلفت الانتباه إلى بعض المخاطر الحقيقية التي تجسدها التعقيدات الإثنية والدينية الروسية، ويتطلب حلها -مع ذلك- فرض المزيد من المحددات والضوابط من قبل الدولة.
كما طالب بوتين، في مقاله، ضمن أشياء أخرى، بفرض المزيد من القيود على الهجرة الداخلية، والهجرة غير الشرعية القادمة من الخارج، وشن الحملات الأمنية، وفرض القيود الصارمة على الأحزاب الانفصالية وإنشاء جهاز فيدرالي جديد لتنظيم العلاقات بين الإثنيات المختلفة، بالإضافة إلى ضرورة إجراء فحص للمهاجرين الأجانب للتأكد من إتقانهم للغة الروسية، وتكوين قائمة بـ100 كتاب عن الهوية الروسية يتعين على أي طالب أجنبي راغب في تعلم الروسية قراءتها.
وعلى رغم أن الإثنيات الروسية تشكل ما نسبته 80 في المئة من إجمالي سكان روسيا البالغ 140 مليون نسمة، إلا أن هناك العديد من تلك الإثنيات يعيش أيضاً في الجمهوريات ذات العرقيات المختلفة التي كانت قائمة في العهد السوفييتي. وقد خاضت روسيا كذلك حربين شرستين منذ سقوط الاتحاد السوفييتي للحيلولة دون انفصال جمهورية الشيشان، القوقازية. وقد حذر بوتين في مقالته من أن المشاعر الانفصالية يمكن أن تنشط في العديد من الأماكن الأخرى غير شمال القوقاز مثل سيبيريا، ومنطقة الفولجا.
وحول هذه النقطة تقول "اللا جيربر" رئيسة "مؤسسة الهولوكوست" في موسكو: "إن هناك تهديداً جديّاً من التطرف وهو ما يمكننا إدراكه إذا ما عرفنا أن هناك أعداداً متزايدة من الناس باتت تتبنى عقيدة «روسيا للروس» وهي عقيدة تعني أن كل من ليس روسيّاً فهو أجنبي ودخيل".
وترى "جيربر" أن مبادرة بوتين بفتح هذه القضية في الوقت الراهن أمر محمود نظراً للاستجابة الرسمية المحدودة من قبل، للتوترات القائمة بين الإثنيات المختلفة في روسيا، التي تهدد استقرارها الاجتماعي.
ولكن "جيربر" تخشى أن يكون هناك كثير من التناقضات في أفكار بوتين مع ذلك. وفي هذا المقام تقول إنه: "عند مناقشة موضوع المهاجرين الداخليين، يبدو بوتين وكأنه يتبنى فكر الحركات القومية المتطرفة مثل (حركة ضد المهاجرين غير الشرعيين)... والوصفة الوحيدة التي يقدمها رئيس الوزراء لعلاج المشكلة التي يمثلها هؤلاء المهاجرون الداخليون هي تشديد الضوابط والقيود عليهم، والصرامة في تطبيق القانون ضدهم".
ويرى بوتين أن روسيا عبارة عن كيان شاسع، متعدد الأعراق أقيم على أنقاض الإمبراطوريتين السوفييتية والروسية، ولا يستطيع أن يحيا كـ"بوتقة صهر" على النمط الأميركي أو كـ"مجتمع متعدد الثقافات" مثل بعض الدول الأوروبية، ولذلك فإنه يتعين على روسيا العثور على طريقها الخاص.
وحول هذه الجزئية كتب بوتين في مقاله: "إن التجربة الروسية في تنمية الدولة تجربة فريدة... فمجتمعنا عبارة عن مجتمع متعدد الأعراق. ونحن شعب متحد. ولكن عندما يصاب المجتمع متعدد الأعراق بفيروس القومية، يفقد قوته واستقراره".
ويقول المنتقدون إنه على رغم أن العديد من أفكار بوتين يبدو معقولاً، إلا أن بعضاً منها أيضاً يدعو للحيرة مثل دعوته لتشديد الحملات على المهاجرين الداخليين، وخصوصاً أولئك الذين يتخذون مواقف "غير لائقة، وعدوانية، ومتحدية، وعديمة الاحترام" تجاه ثقافة وتقاليد الأغلبية. فمثل هذه المواقف -كما يقول- يجب أن تقابل بـ"استجابة قانونية وخشنة في ذات الوقت".
وهنا يعلق "ليف بونوماريوف" رئيس منظمة "هيومن رايتس" الروسية الشعبية لحقوق الإنسان على مقال بوتين بقوله: "الحقيقة أنني قد شعرت بإحساس غير مريح عندما قرأت هذا المقال… فبعض أجزائه يحمل سمات شعبوية رخيصة، هدفها تحويل الاهتمام عن المجموعات القومية التي تعارض نظامه في الوقت الراهن".
وفي الوقت نفسه شن بوتين هجوماً على مواقف بعض المجموعات القومية، بما في ذلك مطالبها المتعلقة بقطع المعونات الاقتصادية عن منطقة شمال القوقاز الفقيرة، وهي الفكرة التي سخر منها بوتين، وحظي موقفه منها بدعم قوي من المدون وزعيم المعارضة "إليكسي نافالني" الذي يحظى بشعبية واسعة، باعتبارها مواقف تقوم على نوع من التفكير المدمر الذي قاد مباشرة إلى سقوط الاتحاد السوفييتي منذ عقدين من الزمن.
ويرى "نيكولاي بيتروف" الخبير في معهد كارنيجي بموسكو أن :"فكرة بوتين الأساسية هي أن الأمم المختلفة يمكن أن تتعايش داخل روسيا، ولكن ليست هناك إمكانية كي تتمتع بحق تقرير المصير. هذا علاوة على أنه يرى أن روسيا يجب أن تكون كبيرة قدر المستطاع".
ويضيف "بتروف" أن "هذا الموقف يصب من حيث الجوهر في صالح الإمبريالية والشوفينية الروسية وهو ما يروق للقوميين... وفي الحقيقة أن بوتين يحاول أن يلعب بورقة القومية كي يحول دون خروج هذا الموضوع عن نطاق السيطرة".

ينشر بترتيب مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا