الاتحاد

تقارير

الأزمة المالية الأوروبية... ومحاولات تحفيز النمو

إدوارد كودي
بروكسل


تبنى الزعماء الأوروبيون يوم الاثنين الماضي اتفاقية جديدة تلزمهم بفرض أسقف على العجز والديون الحكومية، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى محاربة الأزمة المالية المؤلمة التي أضرت بالرخاء عبر القارة وجعلتها تنزلق نحو الركود. الاتفاقية، التي وافقت عليها 25 من أصل بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27، تهدف إلى أن تُظهر للأسواق المالية المتشككة أن الحكومات الأوروبية ملتزمة بالسيطرة على عادات الاقتراض المفرط التي ساهمت خلال العقود الأربعة الأخيرة في خلق ديون مرتفعة على نحو خطير.
غير أن هذا الجهد ليس سوى الأحدث ضمن سلسلة من الجهود التي تُبذل منذ أشهر عدة من أجل احتواء الأزمة، ومن غير الواضح ما إن كان قرار يوم الاثنين سيكون كافياً.
والجدير بالذكر هنا أن ديون أوروبا المتزايدة أدت إلى الإفلاس في اليونان، وأثارت شبح الإعلان عن العجز عن تسديد الديون في عدد من البلدان الأخرى، ما أدى إلى مخاوف من إحداث سلسلة من الاضطرابات المالية التي يمكن أن تعرقل اقتصادات كانت مزدهرة في الماضي ليس عبر أوروبا فحسب، وإنما أيضاً في الولايات المتحدة وأماكن بعيدة مثل آسيا.
ولكن الزعماء الأوروبيين مصممون على منع حدوث ذلك، كما أكد رئيس الاتحاد الأوروبي "هرمان فان رومبوي" الذي قال:"إن الاتفاقية تتعلق بمزيد من المسؤولية ومزيد من المراقبة".
غير أن الجهد الأوروبي أُضعف بسبب رفض بريطانيا الانخراط فيه، بدعوى تصميمها على عدم التخلي عن السيادة الوطنية لصالح بنود الاتفاقية التي تدعو إلى فرض عقوبات أوتوماتيكية ضد الحكومات التي تتجاوز الحدود الجديدة للدين.
وإضافة إلى ذلك، فقد رفضت جمهورية التشيك أيضاً التوقيع، حيث قالت حكومة هذا البلد إنها غير واثقة من أنها ستستطيع الحصول على موافقة على مثل هذه الاتفاقية في برلمانها ومحاكمها.
وعلاوة على ذلك، فإن مجموعة من المسؤولين والاقتصاديين الأوروبيين يشككون في جدوى وفائدة الاتفاقية أصلاً، حيث يرون أنها غير ضرورية لأن القوانين الأوروبية -التي يتم تجاهلها بفرح وسرور- تمنع أصلاً معدلات عجز مبالغ فيها، ولأن التركيز ينبغي أن يكون منصباً على النمو الاقتصادي بدلاً من الانضباط المالي، كما يرون.
وفي هذا الإطار، ألقى "مارتن شولتز"، رئيس البرلمان الأوروبي، كلمة على القادة ورؤساء الوزراء المجتمعين تمحورت حول الحاجة إلى تحفيز النمو وتوفير مزيد من الوظائف للعاطلين عن العمل. وقال "شولتز"، زعيم الحزب "الديمقراطي الاجتماعي" الألماني المعارض، في خطاب قصير: "إن هدف الاتفاقية المالية هو استرجاع ثقة الأسواق، ونحن بكل تأكيد في حاجة إلى ذلك"، مضيفاً "غير أنه يتعين علينا في الوقت نفسه أن نحرص على ألا نخسر ثقة الناس العاديين".
ووعياً بهذه النقطة على ما يبدو، أعلن الزعماء الأوروبيون أيضاً عن تدابير ترمي إلى تعزيز التشغيل وتوفير التمويل للشركات الصغرى والمتوسطة حيث قالوا في إعلانهم المشترك الذي صدر في ختام الاجتماع: "إن الحكومات ملتزمة ببذل جهود كبيرة من أجل تصويب اختلال الميزانيات على نحو مستمر، إلا أنه لا بد من جهود إضافية من أجل تعزيز النمو والتشغيل"، مضيفين "لا توجد حلول سريعة". ولذلك، فإن عملنا يجب أن يكون حازماً ومستمراً وشاملاً. كما يجب أن نبذل جهوداً أكبر من أجل إخراج أوروبا من الأزمة".
"فان رومبوي" اعترف أيضاً بأن الانضباط المالي ليس كافياً من أجل استعادة الرخاء حيث قال في مؤتمر صحفي: "إننا ندرك أن الاستقرار المالي ليس كافياً في حد ذاته من أجل الخروج من الأزمة"، مضيفاً "ولذلك، فإنه يتعين علينا أن نبذل جهوداً أكبر، ولاسيما في مجالي النمو والتشغيل".
إعلان الاتحاد الأوروبي حول النمو الاقتصادي كان حافلاً بمخططات تقضي بالمساعدة على تدريب الشباب وتسهيل دخولهم سوق العمل، إلى جانب تعهدات بإيجاد طرق جديدة لتقديم التمويل لأصحاب الشركات الصغرى في بيئة اقتصادية عزت فيها القروض. غير أن معظم مثل هذه الجهود الاقتصادية تقرَّر في الواقع من قبل الحكومات الوطنية، التي تكافح منذ أشهر لإيجاد طرق لحل المشاكل نفسها التي نوقشت في بروكسل.
اتفاقية يوم الاثنين التي تنص على تحديد سقف للعجز -والتي تم الاتفاق على خطوطها العريضة أواخر العام الماضي- يُنظر إليها باعتبارها دليلاً على نفوذ ألمانيا المتزايد في الشؤون الأوروبية. ذلك أن القوة الألمانية تزداد منذ أن امتدت إلى القارة في 2008 تأثيرات الأزمة الاقتصادية التي بدأت في وول ستريت، ثم منذ الصيف الماضي بعد أن أدرك الأوروبيون أن الدين الحكومي الأوروبي قد خرج عن نطاق السيطرة.
ويعزى ذلك بشكل كبير إلى حقيقة أن اقتصاد ألمانيا القائم على التصدير يعيش طفرة حقيقية وأن دينها الحكومي تحت السيطرة، ولكن أيضاً لأن تركة الحرب العالمية الثانية أخذت تتلاشى.
وكانت المستشارة الألمانية المحافظة أنجيلا ميركل تشدد على ضرورة أن تفرض الحكومات الأوروبية الأخرى انضباطاً ذاتياً من أجل الحد من عجز ميزانيتها والاقتراض الذي يمولها. وقد شكل ذلك نقطة مثيرة للجدل في الأوساط السياسة الألمانية لأن ألمانيا، التي تمسك بالمال في يد، كثيراً ما كانت مصدر الأموال التي استُعملت من أجل تقديم إنقاذ مالي لليونان والحكومات التي تعيش أزمات مالية في جنوب القارة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا