صحيفة الاتحاد

دنيا

أيام الشارقة التراثية: كرنفالات الذاكرة وأعياد الحنين


''أيام الشارقة التراثية'' عنوان متجدد لكرنفالات وأعياد أثيرة·
ففي مناخها المغري والطافح بصور الماضي، تتفتح آفاق ومباهج، وتنبعث على وقعها حواسنا المرئية والتفاعلية مع الزمن المفتقد أو ''الزمن الضائع'' على حد تعبير الروائي الفرنسي ''مارسيل بروست'' في روايته الشهيرة التي اعتمدت على الزمن المقصي، كعنصر يرشح بالذكريات والأطياف العصية على القبض·

إبراهيم الملا:
تصوير- محمود راشد بنيان



إن جمالية التبصر التي تهبه الأشكال المتبخرة في النسيان والحكايات الغاربة، هي جماليات مرصودة لعين الزائر والمتجول وسط المعارض التراثية العامرة بحضورها، وكأنها أطلال مبعوثة من قلب الغياب، أو شواهد حية ومتحركة تعيد الوصل المنقطع بين الصوت والصدى، وبين كهولة الواقع وطفولة الحنين·
فهنا وقريبا من( سور الشارقة القديم) تطل قوافل الإبل وعلى ظهورها كنز البراري وكأنها خارجة للتو من ضباب الأسطورة، مبتلة بغيمات وفجر، ومغسولة بماء الدعوات، تطرق القوافل بوابات السور، وتفتح لسكان (الحصن) صرة الحكاية وفردوس السفر·
وهناك أيضا (البراجيل) بقاماتها الفارهة التي يتسكع فيها هواء بارد وعتيق، كأنه مرّ على ثلج الأعالي، وانزلق خفيفا على الريح، ثم نام في صحن الدار مثل طفل وديع·
وجاء ارتباط هذه الفعاليات التراثية أيضا كنوع من الاحتفاء بطقوس ومعالم باتت منسية ومغيبة في فضاء مزدحم بالقيم المعاصرة والمغتربة عن روح المكان، وعن إرثه الموشك على المحو والانقطاع والتلاشي، وهذه الذكرى النابضة والحية التي أشاعتها الأجواء التراثية في باحة الشارقة القديمة، هي ذكرى مستندة دون شك الى أجواء روحانية والى انتباهات متفوقة على قسوة الزمن وتشوه المكان·
فهنا أطفال يحتفلون ببراءة الوقت، وهنا جدات يستحضرن عبق البيوت القديمة والفرجان الغافية على صوت البحر· أما الرجل الذي يبيع مرطبات''النامليت'' فإنه يبعث رائحة المقاهي القديمة، ويعيد لنكهة الزمان ما تستحقه من حلاوة وطلاوة ومن شرود لذيذ في أرض الغيابات المستعادة·

رقصة الموج

احتشد المكان أيضا بالأهازيج الشعبية الصادرة من رقصة الموج ومن إيقاع الصحراء على بحر الرمل وعلى وزن المحبة· استقامت هنا بيوت ''الدعن'' وظللت ''العرشان'' هواءها البارد كي تهندس الظلال على هواها، وكي تهب الذاكرة مما تستحقه من أرصدة وعلامات، تزحزح الوقت قليلا هنا كي تمر قافلة الأيام وكي تهبط بضائع الروح على مهل·
تتداعى هنا أيضا صور وحالات لمهن خضراء مارسها الآباء والأمهات بطراوة اللمس وخفة الفرح· مهن استلفت من الطبيعة مداراتها الوارفة، وهباتها الكريمة والمعطاء، فتحوّل ''التلي'' بين أصابع النسوة إلى نشيد متصالح مع اليد، وإلى انهماك طافح بالنشوة· وانساب ''الزري'' اللمّاع مثل جدائل مغسولة بالضوء وماء الذهب، واستراحت على ''مخدة الكاجوجة'' كل الأطياف القادمة والمفترضة للثوب ولزينة (المرأة/الحلم) في مخدع أيامها القادمة وفي جنة بيتها الذي لا يضاهيه أي بيت·
أما صانعة الحناء فإنها تستدعي الخضاب لحمرة الخجل، وتغري الكفوف بوشاحها الأخضر الساتر لخفر الأنثى، ولغنجها الملتوي مع النقوش والزخرفة·
تعيدنا فعاليات التراث أيضا إلى أعراس ومباهج كنا تركناها وديعة للنسيان وإرثا متواريا في الغفلة، وهاهي تعود اليوم في هذه الاحتفالية الأليفة كي تفرش أعيادها في كل معبر، وكي تبوح لنا بعافيتها وزهوها دون مراوغة ودون تنازل·

تعدد البيئات

تميزت أيام الشارقة التراثية هذا العام بتنوع وتعدد البيئات والفنون المعروضة والمترجمة لخصوصية الأمكنة التي خرجت منها، فترى البيئة الجبلية وهي تتباهى ببيوتها الحجرية أو بيوت (القفل) التي تقي السكان برودة المناطق العالية وهجمة الحيوانات المتوحشة، بيوت شبيهة بمعابد لنساك اختاروا العزلة والزهد، وطوعوا المكان لفسح المعيشة البسيطة، والبقاء الصامد في بيئات قاسية ومغلقة·
ويلاحظ الزائر وجود قرية الساحل البحري المشغولة بطقوسها وفنونها الخاصة
المتأثرة بتقلبات الأزرق الكبير، وتناوب المواسم بين الغوص وصيد الأسماك الصغـــــيرة قرب السواحل والمسماة في اللهجة المحلية (الضغاية أو البرية)، أما الصيد في المناطق البعيدة والعميقة فيحمل عدة وسائل وأسماء مثل : ( الهيالي، والحلاقي، والصيد بالقراقير والألياخ)، أما البيئة الزراعية فتتجلى من خلال المحاصيل الخارجة من حضن الأرض والمتمايلة على هوى النسائم والمياه العزيزة، وتتعانق الفنون والمنتجات البدوية ''الغرودة والطارج'' مع الفنون الشعبية الأخرى كالبحرية والعيالة واليولة القديمة، لتصنع لوحة من الفنون الفطرية المتمازجة مع بيئاتها والمحفورة في ذاكرة أهاليها مثل وشم أبدي لا تلغيه رياح التغيير، ولا تزيله عواصف الزمن·