صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

كرواتيــا عضواً عام ··2009 أما تركيـــا فعليها ألا تنتظـــر!!



أنقرة- سيد عبد المجيد:

منذ سنوات قليلة وتحديدا مع مستهل الألفية الثالثة، كان على المرء المقيم الذي يريد سيارة معفاة من الجمارك أن يخرج من البلاد، ويثبت ذلك على وثيقة سفره طالما زادت إقامته على ستة شهور، وجاء اختيار بلغاريا الأقرب إلى الحدود التركية من ناحية الغرب، بيد أن حافلة نقل الركاب يكفيها أربع ساعات فقط لكي تصل للحدود البلغارية، وفي نفس السيارة وبعد ساعات أربع يكون في تقسيم قلب اسطنبول عائدا، وحتى لا يتعرض المرء لمضايقات روتينية كان عليه - انطلاقا من نصيحة أصدقاء سبق لهم خوض التجربة نفسها - أن يبتاع عدة خراطيش من السجائر الأمريكية الصنع لأنها حتما ستسهل المأمورية، غير أن اللافت في الانتقال من نقطة الحدود التركية إلى نظيرتها البلغارية تمثل في الفراق الكبير من عالم متمدن إلى آخر يذكرك بالقرون الوسطى، هناك وجد العابر صلفا مصطنعا سرعان ما انهار أمام خرطوشة سجائر، كاشفا عن ابتسامة لا تحمل أي قدر من الكبرياء، وتمر السنوات وفي يناير الماضي تلتحق بلغاريا بالاتحاد الأوروبي·
بماذا تفيد المقارنة؟
قبل عقد ربما أقل قليلا كان الأناضول منعوتا بالتأخر، فما بالنا ببلغاريا التي كان يفصلها آنذاك على الأقل 10 سنوات لكي تصبح مثل تركيا، ولا يمكن للمتابع أن ينسى تعبيرات الدهشة، ممزوجة بالسخرية، التي ارتسمت على الوجه الصبوح لـ''تانسو تشيللر'' رئيسة الحكومة التركية (1993 ـ 1996) وهي ترى بروكسل تغدق في الوعود وتمني ''بلغاريا'' بعضوية كاملة بعد سنوات، ساعتها تساءلت غير مصدقة: معقول ''صوفيا'' قبل ''أنقرة''؟· والحق أن المقارنة الموضوعية بين البلدين، وهي لصالح تركيا، لا معنى لها، فالمهم ماتراه القارة العجوز· إن الآباء الأوائل المؤسسين للاتحاد الأوروبي، كرسوا جل جهدهم على ضرورة التغلب على النفس، وتجاوزا منازعات الماضي، وذلك حتي تعود فرنسا وألمانيا لتلتقيا، وأمثلة أخرى سنأتي لذكرها لاحقا، لكن دون أن تنطبق القاعدة ذاتها على تركيا، فمعها لا يمكن نسيان الماضي أبدا· فما لا تعرفه النخبة التركية - وعليها أن تعرفه - وربما عرفته أخيرا: أن أنقرة غريبة في حين لا تعتبر صوفيا غريبة، بل قريبة، وقريبة جدا، وهو ما ثبت في نهاية الأمر بدخول الدولة الشيوعية سابقا إلى النادي الأوروبي· وليت الأمر سيقتصر على ذلك، بل هناك كيانات - لم تعرف ''الدولة'' ككيان سوى عام 1991 - ستنضم قريبا مثل صربيا وكوسوفو والبوسنة ومقدونيا وجمهورية الجبل الأسود وأوكرانيا وروسيا البيضاء، وهي مجتمعات بعيدة عن ثورة التنوير الفكرية والثقافية التي كانت في غرب أوروبا، فضلا عن مشاكلها الإثنية واللغوية الهائلة لكن جميعها يلقى المساندة· وهذا الكلام لم يقله باحث أو معلق تركي، بل منسوب للخبير الفرنسي المتخصص في الجغرافيا والتاريخ ''ميشال فوشيه'' الذي سبق له أن مثل بلاده كسفير في ليتوانيا·
أما تركيا فعليها ألا تنتظر، لسبب بسيط هو: أن الانتظار سيكون مضيعة للوقت، هكذا يوحي الاتحاد الأوروبي ومعظم أعضائه، وحتى يتضح السبب الحقيقي الذي يحول دون دخول الأناضول إلى القارة الأوروبية، يمكن لأي إنسان أن يقرأ ويلاحظ التعبيرات الدينية التي تغلف الذهنية الأوروبية رغم إنكارها الدائم، فانضمام كل من رومانيا 22 مليون نسمة، وبلغاريا 8 ملايين نسمة، حتما سيعزز صوت الارثوذكسية بين الكاثوليكية والبروتستانتينية، وفقا لما ذهب إليه المطران ''كريستودولوس'' رئيس أساقفة الكنيسة اليونانية· هذا المطران سبق واعتبر كل من يوافق على خطة الأمين العام للأمم المتحدة بشأن قبرص خارجا على إرادة الرب، أما الرئيس البلغاري ''جورجي بارفانوف'' فيصف انضام المعسكر الشيوعي سابقا إلى جنة الاتحاد الاوروبي بـ''لحظه سماوية''·
خوف متأصل!
هنا على وجه التحديد يتأكد للكافة أن أنقرة عليها أن تبحث على مكان آخر بعيدا عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما أعلنه ويكرره ''نيكولا ساركوزي'' المرشح الأوفر حظا ليكون خلفا للرئيس جاك شيراك، في هذا السياق جاءت كلمات شيراك الذي يودع الاليزية'' الانضمام التركي ليس مجرد رهان دبلوماسي لأنه يمس هويتنا كأوروبيين ومستقبل نموذجنا الاجتماعي والعلماني''، هذا القول لم يأت بين عشية وضحاها فهو مضمون يكرسه باحثون ومؤرخون من أقصى اليمين إلى الوسط إلى اليسار بأجنحته المختلفة، وبالتالي يصبح مفهوما لماذا يعارض 80 من الشعب النمساوي و70 بالمائة من الشعب الفرنسي في استفتاء أجرته المفوضية الأوروبية'' وإذا كان 74 بالمائة من الألمان يعارضون انضمام تركيا، فلا نتوقع أن يكون الأتراك الذين يحملون الجنسية الألمانية من بين هذه النسبة، وبحسبة بسيطة فقد يتضح أن 90 بالمائة من الألمان لا يريدون تركيا!
إن رفض فرنسا للدستور الأوروبي في استفتاء التاسع والعشرين من مايو قبل عامين، بعدها هولندا بثلاثة أيام فقط عكس حالة الخوف المتأصل ليس من التوسع شرقا، بل من انضمام تركيا المسلمة للاتحاد، ورغم موافقة 18 دولة أوروبية على هذا الدستور إلا أن ''خوزيه مانويل باروزو'' رئيس المفوضية الأوروبية قال نصا وبمناسبة مرور خمسين عاما على نشأة الاتحاد الأوروبي ''كي أكون صادقا، دستور الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي لا يمكن العمل به'' وإحياء الدستور قول غامض، والدليل على ذلك هو ما أكدته ''إنجيلا ميركل'' بتعهدها الحفاظ على جوهر هذا الدستور، وبالتالي فثمة أشياء ستكون محل نظر وقد ينتهي الأمر إلى إقرار الدستور المصغر الذي دعا إليه ''نيكولا ساركوزي''، وغير مستبعد أن يتوج هذا الدستور بنص يؤكد على هوية أوروبا المسيحية كما كان يريد بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بول الثاني·
معايير ·· للأتراك فقط
بمعنى أنه مطلوب من أنقرة حل كل مشاكلها الداخلية والخارجية، لكن نفس المعيار لا ينطبق على بقية الدول الأوروبية المرشحة، فكرواتيا التي ستنضم فعليا عام ،2009 تعاني نزاعاتها التي لم تنته بعد، ولا ينتظر أن تجد لها حلا حتى موعد انضمامها، في شبه جزيرة ''بريفلاكا'' المطلة على البحر ''الادرياتيكي''، وجزء من جمهورية الجبل الأسود المرشحة هي الأخرى أن تكون عضوا بالاتحاد الأوروبي مع صربيا والبوسنة بعد عقد من الآن· الغريب أن كرواتيا بدأت المفاوضات مع تركيا في الثالث من أكتوبر عام ،2005 الفارق أنها وعدت بموعد الانضمام، أما لتركيا فتم إبلاغها أن بداية المفاوضات معها لا تعني أنها قد تحصل على العضوية في النهاية وعليها أن تفهم ذلك!
مثال آخر، ألمانيا تعترف بقبول بولندا في الأسرة الأوروبية دون أن ينتهي صراعات الحدود بينهما، والمجر تقبل رومانيا في حين لم تحل مشكلة ''مولودفيا'' التي تراها ''بوخارست'' جزءا منها، و''سلوفينيا'' التي التحقت بالاتحاد وبالاشتراك مع النمسا تساعد كرواتيا لكي تحصل الأخيرة على العضوية الكاملة، ولا يهم الصراعات بين العاصمتين الكرواتية والسلوفينية: زغرب ولوبليانا، والنزاع بينهما بشأن جزيزة ''استريا'' شمال بحر ''الادرياتيتك'' الطريف في الأمر، أن عملية تأهيل كرواتيا لا تمنع أن تخوض الأخيرة حربا صغيرة وغير دموية بشأن قضية شائكة أخرى وهي صراع الحدود المتنازع عليها في خليج ''بيران''·
أما اقتصاديا فحدث ولا حرج، بيد أن عددا من البلدان الأوروبية لم يخفوا انزعاجهم ومخاوفهم من هجرة العمالة إليها، وقد شرعت بالفعل إلى الإعلان صراحة أنها لن تقبل عمالة من رومانيا وبلغاريا· وفي هولندا أعلنت الحكومة عن إجراءات حاسمة في هذا الشأن بضرورة قيام أصحاب الأعمال باستخراج تصاريح قبل استقدام العمالة من بلغاريا ورومانيا، وبريطانيا تدرس بدورها نفس الملف·
بعد الأرمن·· للبلغار نصيب
ولنعد الآن ونتساءل ماذا عن تركيا؟ أما الإجابة فتتلخص في الآتي: إن الكل يعلم أنه لن تكفي 15 سنة - ولا خمسون عاما - لكي تجعل تركيا بلدا أوروبيا غير متاخم للعراق وإيران، هذا ما قاله ''سيلفي غولار'' بصحيفة ''ليبراسيون'' الفرنسية قبل ستة عشر شهرا، باختصار لقد بعنا الهواء لتركيا!! ويتصور ''فهمي كورو'' الكاتب التركي البارز أن موضوع الجزيرة القبرصية المقسمة هو فقط العائق أمام تركيا، ونسى ''كورو'' أن الاتحاد الأوروبي نفسه سبق وعد القبارصة الأتراك أنه سيرفع الحظر عنهم بمجرد موافقتهم على صيغة الحل التي أعدها ''كوفي أنان'' الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وعندما قالوا نعم تبخرت الوعود لأن الآخرين قالوا ''لا''· وهكذا تمضي فصول المسرحية ويأتي مشهد الاستئناف الجزئي لمفاوضات الانضمام اعتبارا من 29 مارس الماضي كنوع من الفلكولور الذي لا يضر ولا ينفع· وحتى يكتمل العبث، خرج قبل أسابيع السياسي البلغاري ''فولين سيدروف'' رئيس حزب ''آتاكا'' ويعني الهجوم بتصريح ناري يطالب أنقرة بالاعتذار رسميا عن جرائم الإبادة التي ارتكبتها الامبراطورية العثمانية خلال احتلالها لبلغاريا طوال خمسة قرون انتهت العام ·1878
بروكسل عاصمة الاتحاد لم تعلق، لكن هذا لا يعني أن السياسي البلغاري يهذي، كل ما هنالك أن المناسبة لم تأت بعد، بمعنى إذا فرض ولبت تركيا ونفذت كل مطالب وحجج الاتحاد الأوروبي، وبات دخولها وشيكا هنا ستستخدم بلغاريا الفيتو، وستؤيد بروكسل وتطالب أنقرة بضرورة الاعتذار لبلغاريا!