الاتحاد

دنيا

محسن العزاوي: المسرح العراقي نهاري هرباً من الموت ليلاً


القاهرة ــ أسامة سالم :
حالة خاصة جدا يعيشها الفنان المسرحي العراقي هذه الايام فهو يعاني مادياً وذهنياً وكل ما حوله معاناة· والبعض يراها محفزة للابداع وآخرون يرون أنها الخطوة الاولى لخنق هذا الإبداع· ووسط هذه الحالة عاش المخرج والممثل المسرحي العراقي محسن العزاوي الذي كرمته القاهرة مؤخرا·· وهو التكريم الذي أنساه بعض المرارة واعطاه مزيداً من الأمل الذي لم يفارقه·
؟ مسرح تحت الاحتلال كيف حاله وكيف كانت تجربتك كمخرج قدم عرضين مسرحيين وسط الظروف التي يعيشها العراق حالياً؟
؟؟ قدمت مسرحيتين هما 'موسم الجفاف' و'أرجوحة الزمن الضائع' وفي كلتيهما حاولت أن اتمسك بالأمل وادعو اليه0 فالمسرحية الأولى تشبه 'بستان الكرز' لانطون تشيكوف والثانية مونودراما تتذكر الممثلة فيها الماضي وتعلق على الحاضر وتتمنى أن يكون المستقبل أفضل· أما بالنسبة لحال المسرح في العراق فيكفي أن تعرف أنني عملت لمدة ثلاثة أشهر بالمسرحية الواحدة كي أقدمها للجمهور في عرض واحد 00فلم يعد لدينا سوى مسرح واحد هو المسرح الوطني بعد ان كان لدينا في بغداد سبعة مسارح مجهزة بتقنيات حديثة 0ولم يعد أمامنا إلا أن نقدم عروضنا ضمن مهرجان يستمر عشرة ايام ويتم تقديم العرض لمدة يوم واحدة على مسرح يفتقد أجهزة الاضاءة والتقنية الحديثة بعد أن دمرت باقي المسارح أو نسفت وسلبت محتوياتها· وأقول يوم عرض واحد وليس ليلة عرض واحدة لاننا لم نعد نقدم عروضنا مساءً فكل أعمالنا نقدمها ظهراً لأسباب أمنية لأنه يصعب إقناع الجمهور بالخروج ليلاً والمغامرة بحياته وسلامته لمتابعة عرض مسرحي إضافة إلى صعوبة توفير الكهرباء لإنارة المسرح·
على المعاش
؟ فقر المسرح من المؤكد أنه أدى إلى فقر الممثل؟
؟؟ أي عرض مسرحي لا يحقق ايرادات تذكر وبالتالي لم تعد المسألة مجدية ماليا وهناك نوعان من ممثلي المسرح الاول هو الذي يعمل تحت ادارة الفرقة القومية للتمثيل وهؤلاء موظفون لهم رواتب سارية0 وهناك حوالي40 فناناً وفنانة تقاعدوا وأنا منهم0 وقد تم تخصيص راتب اضافي لنا بجانب ما نحصل عليه من معاش اعترافا بدورنا الرائد حيث قدمنا الفن لفترة طويلة تصل الى نصف قرن0 ومن بين هؤلاء يوسف العاني وخليل الرفاعي ومحمد شفيق جميل وسليمة خضير· اما النوع الثاني من الفنانين فهم الذين كانوا يعملون بمسارح القطاع الخاص وكانوا يحصلون على الملايين شهريا قبل توقف المسرح وهؤلاء اصبحوا من دون عمل تقريبا ويعيشون ازمة مالية لان ما جمعوه من اموال بدأ ينفد بعد ان كانوا يحققون ارباحاً كبيرة من عروض الكوميديا التي كان يتزاحم عليها جمهور متواضع الفهم لمعنى المسرح·
؟ تأثرت كثيرا بتشيكوف وابسن؟
؟؟ حصلت على الدكتوراه عن مسرح القرن الـ 19 والقرن العشرين لذلك تجد تشيكوف وابسن وبرنارد شو يلعبون في حياتي المسرحية دورا كبيرا ومؤثرا وتجدني دائما منحازا للمسرحيات الشعبية فهم كُتاب الطبقة المتوسطة والاقل منها· وعندما عدت من اوروبا في بداية حياتي الفنية اتجهت الى الواقعية وتعاملت مع التاريخ والتراث والمؤلف العربي0 ومررت في حياتي بثلاث مراحل هي نفسها المراحل التي مر بها زملائي من المسرحيين المصريين الأوائل في الستينات وعملنا فيها على المسرحية الشعبية 0وبحكم تعرفنا إلى ثقافة اوروبية تعاملنا مع التراث بفهم متفتح0 وكانت الستينات من ازهى فترات المسرح واستمرت حتى منتصف السبعينات وهي فترة عمل نبيل الالفي وسعد اردش وكرم مطاوع وسمير العصفوري وفهمي الخولي في مصر· وهي فترة ابرزت كتابا وممثلين كبارا ولا اربطها بالوضع السياسي الذي كان سائداً وكنا نقدم فيها اعمالا عربية المحتوى اوروبية الاطار· اما المرحلة الثانية فهي مرحلة المسرح الشامل وظهر فيها التجريب على مستوى الممثل والمؤلف والمخرج والشكل حيث كان المسرح جامعا لكل الفنون وظهرت اجتهادات خارج مدرسة ستانسلافسكي التقليدية الاكاديمية· وجاءت المرحلة الثالثة وحملت الانكسار الحقيقي في منتصف الثمانينات من القرن الماضي وتعمق اثرها في اوائل التسعينات وهي المرحلة التي عاش فيها المبدعون احباطات شخصية ولا اقول انهم شاخوا فالفنان لا يتقاعد 0لكنهم شعروا بالاحباط بسبب تزايد شراسة المسرح التجاري الذي حقق شهرة وثراء اكبر لم يكن للاسف من نصيب الفنان الجاد وسيطرت الكوميديا السطحية على الموقف واعتمدت على القهقهة وانا اسميها مسخرة وضحكا على الذقون في وقت كان لابد ان نضحك الجمهور من داخله· فالكوميديا الحقيقية فن راقٍ وصعب وليس مجرد نكتة والضحك من الداخل اكثر نقاء واكثر متعة والعمل الكوميدي الخالد هو الذي يكسبك متعة ذهنية والاحظ بدء موضة الكوميديا في العراق وظهرت في التليفزيون وانا اعتبرها مسخرة تدعي انها نقدية وهي ليست اكثر من كسب عيش واعتقد ان الفترة المقبلة سوف يسيطر فيها على المسرح العراقي نوعان هما الكوميديا والاستعراض· ومعروف انه عبر الالام والاحزان يحتاج الانسان للضحك حتى لو كان بلا هدف·
؟ لا تتوقف شكوى الفنان العربي من الرقابة على الابداع كيف كان الحال عندما أُلغيت الرقابة في العراق؟
؟؟ عندما أُلغيت الرقابة تراجع مستوى الابداع؟! فكأن الرقابة كانت تحفز المبدع وتجعله احيانا يلجأ للرمز الذي كان يسعد الجمهور0 لذلك اصبح المؤلف يعاني من أجل توفير عمل مختلف يعجب الجمهور ولم يبرز حتى الآن في الساحة المسرحية اي نص مسرحي إلا القليل جدا وظهر كُتاب شباب يفهمون المسرح على انه كلمة ومخرج من دون ان يدركوا ضلعين اساسيين هما الممثل والجمهور· والمسرح العراقي يعاني ،فالممثل يواجه احباطات كثيرة والمؤلف يحتاج إلى وقت طويل لمخاض ابداعي جديد لا نعرف لأي اتجاه سوف يسير وهناك قصور في الجمهور الذي يحضر العروض المسرحية ظهراً·
؟ إلى أين يسير الإبداع في العراق؟
؟؟ لا أعرف ولكني متأكد أننا في حالة هبوط مؤقت فنحن عشنا طوال ثلاثين عاما حالة من الخوف والقلق0 ولكني اعرف جيدا اننا ورثة حضارة عريقة واثناء وجودي بالقاهرة سألتني مخرجة ارجنتينية متعجبة من اننا نقدم مسرحا في ظل ظروف غاية في الصعوبة فقلت لها: هل تعتقدين أن شعباً يملك تاريخاً وحضارة عمرها 4500 سنة يمكن ان تختفي جيناته وتحضره؟
؟ هل يمكن ان تحفز الحالة التي يعيشها العراق مبدعين لأعمال مسرحية؟
؟؟ الفرصة ليست مناسبة ومبدعونا لم يألفوا الكتابة عن احتلال يرونه بأعينهم وكتبوا عن الاحتلال البريطاني والاحتلال الاميركي لفيتنام في وقت سابق لكن اعمالاً تتناول ما نعيشه الآن تحتاج الى سنوات لتنضج·
؟ كيف ترى التجريب في المسرح؟
؟؟ التجريب حالة مخاض فنية وهو ليس هدفاً في حد ذاته ·فهو اجتهاد يضاف الى خبرات متراكمة ولا يصح القفز الى عالم التجريب من دون وجود أرضية قوية من التجارب السابقة·

اقرأ أيضا