الاتحاد

دنيا

عبقرية المكان ··أحرقت جمال حمدان حياً وميتا


القاهرة ــ أحمد الجندي :
رغم مرور حوالي عشرين عاماً على رحيل المفكر الكبير د· جمال حمدان فإن الحديث عنه في الأوساط الثقافية لا يتوقف خاصة الظروف والملابسات الغامضة التي صاحبت حادث رحيله· كما ان موسوعته الشهيرة 'شخصية مصر' التي تقع في أربعة أجزاء مازالت الأهم خلال القرن الماضي ولا تزال الأبحاث تقدم عن حياة هذا
العالم وفكره·
وقد أقامت مكتبة القاهرة الكبرى ندوة حملت عنوان 'إحياء ذكرى جمال حمدان' تحدث فيها المفكر محمود أمين العالم والكاتب كامل زهيري ود· عمر الفاروق الاستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة واحد تلاميذ الراحل جمال حمدان· وأكد كامل زهيري أن جمال حمدان شخصية نادرة في تاريخ الفكر والجامعة ومصر والعروبة والعالم· فهو عالم في تخصصه ويشهد بذلك كل تلاميذه المنتشرين في جامعات العالم العربي وهو صاحب فكر مستنير ورؤية مستقبلية صالحة لكل زمان·· وصاحب موقف ومبدأ لم يحد عنه·· وكان عاشقا لمصر وافنى عمره في حبها ثم كانت الضريبة الفادحة لهذا الحب أن قتله الحاقدون مرتين الأولى بإبعاده عن الجامعة والثانية بإبعاده عن الدنيا كلها· واضاف: وإذا كان فكر جمال حمدان واضحاً ناصعاً فإن رحيله كان غامضاً مفجعاً0 ورغم مضي كل هذه السنوات على رحيله فإننا حتى هذه اللحظة لم نستطع حل لغز رحيله وفك طلاسم موته الغامض في شقته· فقد مات الرجل محترقاً بعد انفجار موقد الغاز في منزله 0هذا ما يعرفه الجميع وهذا ما كتب في الأوراق الرسمية عن أسباب الوفاة·· لكن هذا الرحيل المفجع والغامض غارق في الاسرار التي يعلمها من دبروا موته وخططوا لرحيله · فلا يزال الكثيرون في مصر خصوصاً المفكرين والمثقفين الذين عرفوا جمال حمدان أو قرأوا له يتشككون في أن رحيله كان بحادث عارض أو عن طريق الانتحار بعد يأس شديد من الحياة واكتئاب مزمن جعله يرفض كل شيء حتى حياته نفسها· وأكد كامل زهيري انه في مقدمة المتشككين في ملابسات رحيل حمدان فهو كما عرفه لا يمكن ان ينتحر مهما قيل عن حالة الاكتئاب والعزلة التي فرضها على نفسه في سنواته الأخيرة ولا شك لحظة في أن هناك من كان يحقد عليه ويتمنى رحيله والخلاص منه سواء في مصر أو خارجها ولا استطيع ان اجزم بشيء قاطع واعتقد ان هذا الرحيل سيظل لغزاً غامضاً·
تجديد الذكرى
وقال المفكر محمود أمين العالم: ونحن في ذكرى رحيل مفكرنا وعالمنا العظيم جمال حمدان قفز إلى ذهني عنوان قديم لعميد الأدب العربي د· طه حسين هو 'تجديد ذكرى أبي العلاء' واحسست بأنني استلهم هذا العنوان في هذه المناسبة· فما احوجنا إلى ان نجدد ذكرى الرموز الكبيرة التي تحتل المقدمة في تاريخ الفكر والابداع والتجديد والاحتفاء ليس مجرد احياء بل من خلال معايشة واستلهام نخلص منه إلى اضافة لرؤيتنا لحاضرنا ومستقبلنا· فنحن نبدأ بلحظة فكرية وعلمية نتأمل فيها ما كان يقصده جمال حمدان بأفكاره وما يحدث حاليا لنجدنا امام واقع حضاري محلي وعربي واقليمي زاخر بالصراعات· واشار العالم إلى أن جمال حمدان في موسوعته الشهيرة 'شخصية مصر' لم يتحدث عن مصر على انها مجرد موقع جغرافي متميز فهو لم يدرس الجغرافيا ويصبح عالما فيها في غير تفاعل مع التاريخ· ومن خلال هذا التفاعل تبين ملامح مصر من خلال تاريخها وجغرافيتها النابضة بكل المتناقضات· وجمال حمدان لم يقل عنها انها مجرد هبة النيل بل قال إنها هبة الإنسان أي الشعب بكل طوائفه· فهي الندرة والخصوصية وهي الفرعونية والقبطية والإسلامية التي تأثرت وأثرت في العالم كله وهي صاحبة التأثير الأكبر في البشرية كلها· لذلك جاءت موسوعته اشبه بملحمة في عشق مصر· فقد كان واعياً بما حاق بها من اخطاء على كافة المستويات واستطاع بهذا الوعي ان يحمي فكره من أي سيطرة وهو يفسر كل الظواهر والقوانين التي مر بها هذا الوطن فجاءت افكاره لتكشف بشكل حقيقي عن شخصية مصر وجاءت اشبه بوقود لتسليح العقل والضمير المصري وهو يقول في مقدمة موسوعته 'تجد مصر نفسها في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التفكير في كيانها ووجودها· وبالعلم وحده لابد وان يكون الرد والبدء' لذلك كان العلم عنده هو سبيل المواجهة ومزج بين العلم والعمل للخروج بمصر من مأزقها التاريخي والوجودي· وقال ان موسوعة جمال حمدان ليست مجرد كتاب في الجغرافيا فحسب بل هي موسوعة للتصدي لمحاولة طمس شخصية مصر على كافة المستويات وهو الأمر الذي لا تزال مصر تعانيه حتى اليوم· وأكد ان جمال حمدان لم يكن محبا للعزلة كما اشاعوا عنه ومنذ كان طالبا في قسم الجغرافيا بكلية الآداب وهو محب لكل الفنون ومتفتح على الاخرين وعزلته في السنوات الأخيرة قبل وفاته لم تكن اختيارا منه بل فُرضت عليه من جانب من كان حوله منذ استقال من الجامعة بعد ان واجه موجة عاتية من الجهل والانفلات والتحجر وأكثر ما آلمه ان الجميع فرضوا عليه ان يخفي افكاره واصابه هذا الواقع المريض وقتها بالحزن العميق· وقال العالم: جمال حمدان لم يكن مجرد عالم أو باحث في علم الجغرافيا بل هو مشروع حي وحقيقي للمستقبل وهو أشبه بمشروعات عصر النهضة· وهنا اعود لمقدمة ابن خلدون وهي أهم مصادر الوعي التنويري واراها تتشابه مع هذا المشروع الحمداني الذي هو امتداد رفيع المستوى لفكر عصر النهضة واطالب بضرورة احياء هذا الفكر وهذا المشروع مهما كانت الصعاب فلابد ان نعتنق الافكار الجريئة وما احوجنا إلى ذلك في الوقت الراهن· وقال د· عمر الفاروق : في كل مناسبة تهل علينا نفحات جمال حمدان الطيبة لتحرك الافئدة من دون قصد· ويكون السؤال كيف استطاع الشعب رغم انصرافه حاليا عن الفكر ان يلتقط الاشارة التي يمثلها حمدان عند مصر والمصريين·؟ واضاف: حمدان أديب من حيث اللغة فقد كان لديه رصيد لغوي ثري وقوي وحساس وهناك لمسة عبقرية في ادائه اللغوي· وبعد الاديب يأتي الفيلسوف فهو مفكر كامل الوعي والابداع ويقدم من خلال هذا الوعي عصارة ما يبدعه في كتب وعبارات تحمل مضامين فلسفية بالغة العمق وعظيمة التأثير والدلالة· وأشار إلى ان موسوعة حمدان تقع في أربعة الجزء الأول اشار فيه ببراعة إلى جغرافية مصر واكد انها شديدة البساطة واقام توليفة رائعة بين بساطة الجغرافيا وتعقيد التاريخ 0ومن خلال هذه الثنائية وجدت شخصية مصر· وقال ان الموسوعة تحوي كل أسباب العبقرية ورغم انني جغرافي مخضرم اجد صعوبة في الوصول إلى ما وصل إليه جمال حمدان فهو يقدم اصعب اجزاء الجغرافيا في شكل واطار درامي مبهر· ودخل منطقة نسميها 'الجدل في الطبيعة' وتخيل ان كل هذه المتناقضات الطبيعية تدخل مع بعضها في حوار·· وهذا فكر فلسفي بالغ العمق· وأضاف أنه في الجزء الثاني نلمح شخصية مصر الحضارية وهو هنا يشير إلى صلة الفكر الاوروبي في القرن 19 بتطور الحياة ثم تناول مصر من خلال السلطة الدائمة لنهر النيل ودوره في التطور الحضاري0 وكيف خلق النيل تجانسا وتناغما حضاريا بين كل اقاليم مصر من شمالها لجنوبها ويقول: إذا زرت أي قرية مصرية في شمالها أو جنوبها فكأنك زرت كل قرى مصر· وفي الجزء الثالث شخصية مصر الاقتصادية -حيث طرح فكرة عبقرية تعد نموذجا في علم الاقتصاد حيث يدعو إلى ضرورة الانتقال من اقتصاد المعيشة إلى اقتصاد الفائض الهامشي· وهذه الدعوة تفسيرها البسيط هو الابتعاد عن العقلية القانعة التي ترضى بالخضوع والقليل والواقع والمقسوم وضرورة الطموح في الوصول إلى مجتمع الرفاء والمعيشة الأفضل· وفي الجزء الرابع قدم مفاتيح الشخصية المصرية للاستفادة منها في التعليم والتدريس وهذه المفاتيح هي ملكة الحد الأوسط وملكة الامتصاص حيث ان المصري يمتص كل ما يرد إليه من ثقافات ويصهر كل ما يمتصه ويخرج ذلك في إطار وسطي يمكنه من الاستمرار من دون ان يتأثر بأي ثقافة بعينها أو بأي تيار عقائدي لذلك يقول ان الشعب المصري رغم تعدد حضاراته وثقافاته من فرعوني إلى قبطي إلى إسلامي بقي صامدا وله ثقافته المستمرة التي ربما تتغير في شكلها لكنها ثابتة في جوهرها·

اقرأ أيضا