الاتحاد

الملحق الثقافي

الاتحاد.. هكذا تصنع الأحلام

الزمان: 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971
المكان: قصر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، على شاطئ الجميرة
الحدث: اجتمع خمسة من حكام الإمارات ومعهم الشيخ راشد بن أحمد المعلا الذي كان آنذاك ولياً لعهد أم القيوين، وتولى الحكم فيما بعد، وتوصلوا الى اتفاق كامل، ووضعوا خطة عمل متكاملة لتأسيس الإمارات العربية المتحدة. دارت وثيقة التأسيس على الحكام، وكان أول الموقعين الشيخ زايد وقد بدت على وجهه أمارات التعب، ثم راح يراقب بفرح انتقال الوثيقة من حاكم إلى آخر، ابتداء بالشيخ راشد حاكم دبي، ثم الشيخ خالد حاكم الشارقة، فالشيخ راشد حاكم عجمان، ثم الشيخ راشد بن أحمد المعلا ولي عهد أم القيوين ليختتم التوقيع على الوثيقة الشيخ محمد بن حمد الشرقي حاكم الفجيرة. بعد التوقيع صدر عن الحكام الإعلان التالي:
“في هذا اليوم، الخميس، الموافق الثاني من ديسمبر عام 1971، وهنا في إمارة دبي اجتمع حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة بصفتهم موقعين على الدستور المؤقت لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ في جو مفعم بالعواطف الأخوية الصادقة والثقة المتبادلة والعزيمة القوية الثابتة؛ من أجل تحقيق طموحات الشعوب في هذه الإمارات، وأصدروا إعلاناً سوف تسري بموجبه شروط الدستور آنف الذكر منذ هذا التاريخ”.

ما إن يذكر اسم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حتى تنطلق من القلوب “رحمه الله”، بكل عفوية، بحب، بتبجيل هائل واحترام يعزّ نظيره من كل من عاش على هذه الأرض بل من البعيدين الذين رأوا في أعماله ما يستحق كل تقدير.
أما السرّ الحقيقي في هذه المشاعر المتدفقة تجاهه فلا يكمن فقط في كونه باني الاتحاد بل أيضاً في شخصيته وسماته الخاصة التي جعلت كل من يقترب منه أو يكتب عنه ينحاز إلى تجربته ويثمنها.
زايد... رجل من عمق هذه الأرض.. نبت من صحرائها عارفاً بكل خباياها.. قارئاً فصيحاً لبلاغتها.. تغلغل في لغتها وأدرك إشاراتها وإلماحاتها.. كبر بها وكبرت به.. وصار كلاهما نموذجاً يحتذى: هو في حب القائد لشعبه وحرصه على ما يسعده، وهي: في الوحدة وبركاتها التي لا تحصى.
زايد... أحب أهل هذه الأرض... فأحبوه.
سهر من أجل راحتهم وسعادتهم فقدموا له باقات الوفاء واحدة تلو أخرى لتشرح له مشاعرهم الفياضة وحبهم الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا يملّ... ولا يطويه النسيان.
كان صوت العقل عندما تغيم الرؤية وتزوغ القلوب. ويجمع كل من كتب عن زايد على أنه شخصية إصلاحية، وحْدَوية، عقلانية، على وعي كبير بتاريخ المنطقة، ودراية وخبرة واسعة في تحويل الآمال الى واقع. ويستشهدون على ذلك بما حققه من إصلاحات وتطوير في منطقة العين في وقت مبكر جداً وفي ظل موارد مالية شحيحة وقليلة، إلى ذلك وصف زايد باستمرار بأنه من الحالمين الكبار.. كان يملك حلماً كبيراً بأن يرى إمارات الخليج كلها موحدة في دولة واحدة، قوية، لكن الأهم من الحلم أن يعمل المرء لتحقيق حلمه.. كان هذا درس زايد الذي يتكرر في كل عام. لكي تحقق الحلم عليك أن تعمل بجد، بإخلاص، بتعب حقيقي، بتضحية بالراحة الشخصية لكي تحقق حلمك.
وجدت ما يؤكد قناعتي السابقة تلك في كتاب “زايد رجل بنى أمة” للمؤلف جريم ويلسون والصادر عن المركز الوطني للدراسات والوثائق، والحاصل مؤخراً على جائزة أفضل كتاب مترجم عن الإمارات في معرض الشارقة للكتاب، تفاصيل كثيرة وعديدة تبرز كيف عمل زايد بشغف حقيقي، بكل ما يملكه من قوة روحية وجسدية، وبكل خبرته في التعامل مع الرجال والمشاكل الصعبة، لكي تخرج هذه الكلمات السابقة إلى العلن، معلنة قيام دولة جديدة... وهذه في ظني ميزة هذا الكتاب بالإضافة إلى رؤيته التحليلية للأحداث وربطها بأحداث عالمية جرت في الوقت نفسه... هنا نتتبع – باختصار تقتضيه المساحة - تفاصيل توحيد الإمارات كما رواها المؤلف.

السنوات الأولى
يقول المؤلف نقلاً عن محمد الفهيم: “في طريقنا من المطار الى ابوظبي اخذني الدهش مما رأيته من التغير الذي حدث في غيابي؛ فالقرية شبه الميتة التي غادرتها من الآن ورشة اعمار اشبه بخلية النحل، الشاحنات والجرافات والسيارات والناس في كل مكان، يعملون في كل شيء، من انشاء الطرق الى مد الاسلاك. كانت ابوظبي خلية لا تهدأ... ابنية تجارية، دوائر حكومية، أبنية سكنية، عنابر تخزين، كل هذا كان يتم إنشاؤه في الوقت ذاته... مدينة بأمها وأبيها كانت تقام من لاشيء...”.
“مدينة بأمها وأبيها كانت تقام من لاشيء”، ربما أوحت هذه الكلمات المكثفة للمؤلف بعنوان كتابه “زايد... رجل بنى أمة”. لكنها ستأخذنا أيضاً إلى ما قاله الشيخ منصور بن زايد آل نهيان واصفاً كيف كان الشيخ زايد يتابع كل صغيرة وكبيرة في ورشة الإعمار الكبرى هذه، يقول: “في واقع الأمر كان والدي في السنوات الأولى من توليه سلطة الحكم يدير كل دوائر الحكومة ومؤسساتها؛ فبين عامي 1966 و 1968 تزايد عدد موظفي الإدارة الحكومية في ابوظبي من مئتي موظف إلى ألفين. وكانت فترة أسطورية في النمو في تاريخنا الحديث، وكانت الدولة يومها تنتقل من الحكم التقليدي المطلق الذي يتولاه رجل فرد إلى الدولة التي تديرها حكومة حديثة. كان الشيخ زايد “رحمه الله” القائد الذي انتقلنا على يديه من الماضي إلى يومنا الحاضر”.
وبعيداً عن تلك الظروف التي يعرفها باحث وقارئ لتاريخ الإمارات يكشف ميرزا الصايغ الذي كان طالباً في تلك الفترة، عن وجود “مبنى صغير بالقرب من القوز في دبي، يتكون من غرفة واحدة فقط، بنته شركة النابودة لتخزين الديناميت في الفترة بين عامي 1965 و 1966، لكنه غير معروف، والكثيرون من الناس لا يدركون اهميته. في تلك الغرفة اجتمع الشيخ زايد والشيخ راشد للتباحث بشأن مستقبل الدولة، كانا يبحثان في الاتحاد”.

أول الغيث...
إلى جانب الحافز الداخلي والرغبة العميقة في الوحدة، ثمة حافز خارجي لاح في الأفق مع بدايات العام 1968، في التاسع من كانون الثاني/ يناير 1968 على وجه الدقة، تمثل هذا الحادث في خبر سرّبته صحيفة الديلي اكسبرس البريطانية مفاده ان القوات البريطانية التي تتخذ قواعد لها في الخليج وكل منطقة الشرق الاقصى سوف تعاد الى وطنها. لكن التسريب الصحفي سيصبح حقيقة واحدة بعد ذلك بأسبوع واحد فقط، وهو ما عرف بأسبوع (الثلاثاء الاسود)، فقد أصدرت الحكومة البريطانية بالفعل بياناً جاء مطابقا الى حد كبير لما نشرته الديلي اكسبرس، مع زيادة تفيد بأن “الانسحاب مخطط له أن يتم مع نهاية عام 1971”. كان ذلك حافزاً إضافياً للإسراع في العمل على تحقيق الاتحاد لسدّ الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات البريطانية من منطقة الخليج.
لدى سماعه الخبر، ما كان من الشيخ زايد “رحمه الله” إلا أن رفع سماعة الهاتف (كان ذلك في العاشر من كانون الثاني/ يناير 1968) واتصل بحكام الامارات، بالاضافة الى اميري البحرين وقطر ليبحث معهم هذه المشكلة الطارئة.
لقد وضع هذا القرار الشيخ زايد والحكام أمام الأمر الواقع، حيث بات أمامهم اربع سنوات فقط قبل أن يتم الانسحاب.
وإدراكاً منه لخطورة الأمر، ذهب الشيخ زايد “رحمه الله” في اليوم نفسه، العاشر من يناير 1968، إلى دبي مع مجموعة من مستشاريه المقربين. استقبلهم الشيخ راشد “رحمه الله” وعقد الزعيمان العزم على نشج موقف سسياسي مشترك يكون نهجا للمستقبل.
يعلق المؤلف على هذا الحدث قائلاً: “الصورة التي يستعيدها عارفو الزعيمين عنهما هي أنهما كانا شخصيتين مختلفتين. “زايد السياسي وراشد رجل الأعمال البراجماتي” على ما وصفهما البعض، وقد بقيت هاتان السمتان تميزان الواحد منهما عن الآخر طوال حياتهما”.
مرّ قرابة الأربعين يوماً على هذا الحديث قبل أن يجتمع الشيخ زايد والشيخ راشد مرة أخرى، في مخيم صحراوي اقيم خصيصاً للقائهما في منطقة السميح قرب غنتوت. كان ذلك في الثامن عشر من شباط/ فبراير 1968. يومها، بحكمة القائد المحنك الذي ينظر إلى المستقبل ويضع مصالح العباد والبلاد تخلص الشيخ زايد وإلى الأبد من “خلافات صغيرة في وجهات النظر”. تنازل الشيخ زايد عن مساحات من الارض كان بإمكانه التمسك بملكيتها، لكنه شاء ان يضع حدا لانقسامات الماضي”، كما قال حمد بن سوقات الذي كان عهدذاك من وجهاء مجلس الشيخ راشد في دبي، واضاف: “كان الشيخ راشد شريكاً أساسياً وفي حسابات الشيخ زايد ان التصلب في المواقف في مسائل كهذه من شأنه فقط ان يؤخر ما لابد من إنجازه”.
وقبل أن تغيب شمس ذلك اليوم، كان الشيخان يجلسان الى الطاولة ليوقعا وثيقة تنص على اتفاقهما على انشاء اتحاد بين امارتيهما، وعلى ان يكون للاتحاد علم موحد، واجهزة اتحادية للدفاع والامن الداخلي، والسياسة الخارجية، فضلا عن توحيد دوائر الهجرة والرعاية الطبية والنظام التعليمي. عرفت هذه الوثيقة باسم (اتفاق الوحدة)، وكانت أول الغيث، أو “الخطوة الاولى الواضحة والملموسة نحو تحقيق الاتحاد بين امارات الخليج” كما يأتي في الأدبيات السياسية. بالنسبة إلى الشيخ زايد كانت هذه الاتفاقية خطوة اولى تمهيدية لجمع الإمارات الساحلية في اتحاد واحد شامل. وهو الأمر الذي عبر عنه في ما بعد حين قال: “لم نتوصل الى هذا الاتفاق المهم لأسباب آنية متصلة بوقتنا الحاضر فحسب، فالاتحاد سوف يحمي مستقبل أولادنا وأولاد أولادنا”.

...وظلت فكرة
لم يتأخر الوقت كثيراً لكي يغدو هذا الاعتقاد الذي يحمله الشيخ زايد أمراً عملياً، فبعد أسبوع فقط من توقيع الوثيقة الأساسية، في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 1968 تم تنظيم اجتماع في قصر الشيخ راشد في الجميرة حضره قادة الامارات السبع المتصالحة، اضافة الى قطر والبحرين، واستمرت الاجتماعات ثلاثة ايام متواصلة حتى السابع والعشرين من شباط/ فبراير ، واتفق القادة التسعة المجتمعون على كل النقاط التي طرحت للبحث والتي شكلت جزءا أساسياً من الاتفاقية المؤقتة، ومع غروب شمس اليوم الاخير وانتهاء الاجتماعات صدر عن المجتمعين بيان جاء فيه:
“تم التوصل الى إجماع لتأسيس اتحاد فيدرالي يضم الإمارات العربية المتحدة في منطقة الخليج، بما في ذلك إمارتي ابوظبي ودبي، وبما يتوافق مع رؤية هاتين الامارتين ويتناغم مع طموحاتهما وآمال المنطقة ككل، استجابة لرغبة الشعوب بما يعزز الاستقرار في المنطقة، وبما يتوافق مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة والجامعة العربية”.
كان المفترض ان تصبح الاتفاقية سارية المفعول في الثلاثين من آذار/ مارس 1968، أي بعد شهر من توقيعها، لكن (اتحاد الامارات العربية) الذي انشئ بموجب (اتفاقية دبي) ظل مجرد فكرة لم تبصر النور. واعتبر من وجهة نظر تاريخية وثيقة آنية تستهدف صرف النظر عن المرمى الحقيقي لاسيما أن بعض المشاركين فيه لم يلتزموا ما جاء فيه ولا فحواه.
طال انتظار الشيخ زايد وسعيه الدؤوب لتحقيق الوحدة، واخذ التأخير يشكل خطرا على هذا الهدف. أصبح واصحاً أن الإمارات المتصالحة يجب ان تبدأ الالتفاف حول أبوظي، لاسيما بعد ان ظهرت إشارات واضحة وقوية الدلالة على ان البحرين وقطر باشرتا اتخاذ اجراءات جدية باتجاه تثبيت استقلالهما دولتين قائمتين بذاتهما، ومما نشر في تلك الفترة مقال افتتاحي لشهرية “الشروق” التي كانت تصدر في الشارقة، في الحقيقة هذا واحد من الأمور اللافتة، أعني الجرأة التي كان يتمتع بها الإعلام في تلك الفترة المبكرة، وجاء فيه:
“مضى اكثر من سنتين على توقيع اتفاق اتحاد الإمارات العربية... وهذا الاتفاق جعل الناس يعتبرون ان تلك الزيارات المتبادلة والمشاورات والاجتماعات الثنائية لابد أن تؤدي الى اقامة اتحاد فيدرالي، ولكن مع كل يوم يمر تزيد رغبتهم بانشاء دولة اتحادية بينما يبقى الاتحاد حتى الآن مجرد حبر على ورق. على القادة المسؤولين أن يحسموا أمرهم مرة واحدة، هل يريدون اتحادا ام لا يريدون؟”.
مرت شهور كثيرة ضائعة من عمر الحلم الذي يحمله الشيخ زايد في روحه وعقله وقلبه.. لكن ثمة شيئا إيجابيا كان يحدث على صعيد الإمارات الشمالية الخمس: الشارقة، عجمان، ام القيوين، رأس الخيمة، حيث كان (صندوق تطوير الإمارات المتصالحة) عنصر تقارب بينها، وهو الأمر الذي انعكس إيجابياً على علاقتها مع إمارتي أبوظبي ودبي، وقد أدى هذا التقارب الى مزيد من التفاهم بين المجموعة كلها. ومع شهر إبريل عام 1970 ستشهد الإمارات حراكاً متواتراً بين الحكام، لقاءات ونقاشات أشبه بـ “المصارحة” أعقبت لقاءات ثلاثة بين الشيخ زايد والشيخ راشد لمراجعة مسار الأمور، ومناقشة النقاط الأساسية في مسألة الإمارات المتصالحة، إذ استقبل كل منهما بعد ذلك نظيره من الإمارات الخمس الأخرى دون توقيع أي وثائق أو إصدار أي بيانات. كانت اجتماعات غير رسمية، بعيدة عن كل مظاهر البروتوكول، وقد شاءها الشيخ زايد لقاءات فردية مع كل حاكم على حدة بحيث يتاح له ولضيفه أن يتصارحا دون أي عوائق او حرج”.
كانت المنطقة تشهد عداً تنازلياً، ومع كل شهر يمضي تقترب اللحظة الحاسمة التي لابد من مواجهتها.. في صباح العاشر من تموز/ يوليو غادر ابوظبي وفد على رأسه الشيخ زايد وفي عداده ولي عهده في ذلك الوقت الشيخ خليفة (رئيس الدولة “حفظه الله” لتمثيل الإمارة في اجتماع كان مزمعا عقده في مقر (صندوق الإمارات المتصالحة). ولم يكن قد بقي لمغادرة القوات البريطانية من المنطقة سوى خمسة أشهر، وكان الوضع قد أصبح شديد الحساسية.
ولم يستغرق الأمر سوى أربعة أيام لكي يتم اختيار أبوظبي في (14 تموز/ يوليو) عاصمة مؤقتة، واتفق على إنشاء مجلس للشورى، أما تمويل الدولة الاتحادية فسيتم بتحصيل خمسة في المئة من عائدات النفظ في كل إمارة، وأما الدستور فقد تم تعديل الصيغة التي وضعت (لاتحاد الإمارات العربية) بحيث تعكس كياناً جديداً ذات سبعة أعضاء هو (الإمارات العربية المتحدة).

إنهم يصنعون التاريخ
لقد بدأ الحلم يتحقق، وظهرت بوادره على الأرض.. ففي يوم الأحد (18 تموز/ يوليو 1971)، وفي قاعة الاجتماعات التابعة لصندوق تنمية امارات الخليج، كان الشيخ زايد وإخوانه الحكام الستة الآخرون يصنعون بالفعل بعض التاريخ. في عصر ذلك اليوم صدر عن المجتمعين البيان التالي:
“استجابة لرغبة شعبنا العربي، نحن، حكام ابوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة، قررنا إنشاء دولة اتحادية (فيدرالية) تحت اسم الإمارات العربية المتحدة، وفي هذا اليوم المبارك تم توقيع دستور الإمارات العربية المتحدة المؤقت، وفيما نحن نزف الى الشعب العربي هذا الخبر السعيد نضرع الى الله سبحانه وتعالى ان يجعل هذا الاتحاد نواة لاتحاد كامل يضم بقية الاعضاء من أسرة الامارات العربية الشقيقة التي حالت ظروفها الحالية دون توقيعها هذا الدستور”.
وفي الجملة الأخيرة من هذا البيان اشارة الى رأس الخيمة التي كان متوقعاًً انضمامها في وقت لاحق.
لم يركن الشيخ لما تحقق.. بل كان في أعماقه يخشى عليه.. أراد للمولود الجديد أن يثبت ولهذا قام بجولة على الإمارات الست سعياً لتثبيت أركان الاتحاد: “لا أزال أذكر جيدا كم كان فرحنا عظيما”، كما قال الدكتور عبيد بن بطي، الذي أضاف:”لقد غادر الشيخ زايد الاجتماع وكان وجهه يشع فرحاً وبدا عليه الارتياح والرضا، لكنه مع ذلك أوصانا بالاستمرار في بذل الجهد؛ لأن ما ينتظرنا من العمل مازال كبيراً جداً؛ فقد سبق أن شكلنا اتحاداً لكنه لم يصمد ولا وصل الى خاتمته السعيدة. كان مصمماً على أن ذلك يجب ألا يتكرر”.

هكذا صيغ الدستور
تم اعتماد دستور الدولة في ظروف غير مرجحة داخل منزل المستشار الأقرب إلى الشيخ راشد. يقول مهدي التاجر: “بمباركة من الشيخ زايد، اجتمعت أنا وأحمد خليفة السويدي في منزلي. ولم نرغب في حضور المحامين. وعلى الرغم من أننا لم نكن كتابا محترفين بالضرورة، لكننا نعرف المفاهيم الخاصة، وكان باستطاعتنا تحويلها الى نصوص مكتوبة”.
وفي عدة اجتماعات في منزل التاجر استمرت أكثر من شهر أعد الرجلان ورقة “أعطيت فيما بعد للمحامين لتحريرها بلغة أكثر بلاغة. وكتب الدستور بلغة قوية، الأمر الذي يعد دليلاً على هذا النهج الذي اتبعناه”.
في الأول من كانون/ ديسمبر 1971 بدأ المقيم السياسي البريطاني جولة في الإمارات السبع وقع أثناءها كل واحد من الحكام وثيقة تلغى بموجبها كل المعاهدات والاتفاقيات التي عقدت بين بريطانيا منذ (المعاهدة العامة للسلام ) التي وقعت عام 1820. تلك الزيارة التي جاءت في اعقاب التحرك الايراني ضد الجزر العربية: أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، أظهرت مدى المرارة التي اتسمت بها نهاية الحقبة الطويلة التي هيمنت فيها بريطانيا على الخليج.
في صباح اليوم التالي 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971 اجتمع في قصر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، على شاطئ الجميرة خمسة حكام، ومعهم الشيخ راشد بن احمد المعلا الذي كان آنذاك ولياً لعهد أم القيوين، وتولى الحكم فيما بعد، وتوصلوا الى اتفاق كامل، ووضعوا خطة عمل متكاملة لتأسيس الإمارات العربية المتحدة. وبعيد الحادية عشرة صباحاً دارت وثيقة التأسيس على الحكام، وكان أول الموقعين الشيخ زايد وقد بدت على وجهه أمارات التعب، ثم راح يراقب بفرح انتقال الوثيقة من حاكم الى آخر، ابتداء بالشيخ راشد حاكم دبي، ثم الشيخ خالد حاكم الشارقة، فالشيخ راشد حاكم عجمان، ثم الشيخ راشد بن أحمد المعلا ولي عهد أم القيوين ليختتم التوقيع على الوثيقة الشيخ محمد بن حمد الشرقي حاكم الفجيرة.
بعد التوقيع صدر عن الحكام الإعلان التالي:
“في هذا اليوم، الخميس، الموافق الثاني من ديسمبر عام 1971، وهنا في إمارة دبي اجتمع حكام ابوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة بصفتهم موقعين على الدستور المؤقت لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ في جو مفعم بالعواطف الأخوية الصادقة والثقة المتبادلة والعزيمة القوية الثابتة؛ من أجل تحقيق طموحات الشعوب في هذه الإمارات، وأصدروا إعلاناً سوف تسري بموجبه شروط الدستور آنف الذكر منذ هذا التاريخ”.
عندما كنت أزور المجمع الثقافي في سنوات سابقة، كنت أقف أمام طاولة زجاجية كبيرة تحتضن في داخلها بعض الوثائق الخاصة بتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، أهمها إعلان قيام الاتحاد، كنت أرى المسألة فقط من زاوية فكرة الوحدة وأهميتها، وما عادت به من منافع على هذه الأرض وشعبها... لكن بعد التمعن في تلك التفاصيل المرهقة التي تحدث فيها من عرفوا الشيخ زايد عن قرب، وبرنامجه اليومي المليء بالعمل، ونهار عمله الذي يبدأ عقب صلاة الفجر، ويمتد إلى أوقات متأخرة من الليل، ومتابعته ودأبه وحرصه وتضحيته بوقته وراحته الشخصية من أجل تحقيق هدفه، يمكن للمرء أن يقول: هكذا ولدت دولة الوحدة... هكذا تنجز الأحلام... هكذا يصنع التاريخ...


الحدث الكبير ساعة... بساعة

ينبلج الفجر في يوم قيام اتحاد الإمارات ليقود الشيخ زايد سيارته باتجاه دبي وتحقيق حلمه. غادر الشيخ زايد ومستشاريه قصر المنهل قبل هبوط الليل يوم 1 ديسمبر وأمضوا الليل في السميح.
تتواتر الأحداث في الثاني من ديسمبر لتعلن تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة على النحو التالي:

? 10 صباحاً: اجتمع الحكام في مجلس الشيخ راشد على شاطئ جميرة ولم يتمكن الشيخ احمد المعلا من الحضور بسبب المرض فحضر الشيخ راشد المعلا وحضر الشيخ صقر القاسمي حاكم رأس الخيمة بصفة مراقب. الحكام ومستشاروهم يجتمعون في “بيت الاتحاد” ثم يصادقون على الدستور المؤقت، وأحمد خليفة السويدي يقرأ بيان إعلان الاتحاد ويبث مباشرة بالاذاعة.
? 11 صباحاً: المجلس الأعلى يتشكل من حكام الإمارات الست.
11.30 (تقريباً): يغادر الحكام الاجتماع وتنضم إليهم الوفود والضيوف والإعلاميون، ويقوم مهدي التاجر بتسليم العلم رسمياً للشيخ زايد ليرفعه على السارية فيما كانت المدفعية تطلق 21 طلقة للتحية.
? 11.30 (تقريباً): نقلت أخبار قيام الدولة باللاسلكي إلى المسؤولين بقصر المنهل في أبوظبي حيث أقيمت مراسيم مشابهة لرفع العلم حضرها الوجهاء والضيوف.
? 12.30 (تقريباً): الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم يقرأ بيان إعلان الدولة عن والده: “تم توقيع اتفاقات لإنهاء العلاقات التعاقدية الخاصة بين كل الإمارات. في هذا الاجتماع التاريخي نشهد إعلان تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة. الهدف من هذه الدولة الجديدة هو توفير حياة افضل واستقرار للأمة.
وحماية حقوق وواجبات مواطنيها، وتحقيق التعاون الوثيق بين الإمارات من اجل الخير المشترك، وتحقيق التنمية والتقدم في جميع المجالات، ونتطلع الى الانضمام لجامعة الدول العربية والأمم المتحدة تماشياً مع القضية الاسلامية، ودعم الصداقة والتعاون مع جميع الدول الصديقة والتي تقوم على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية”.
? 6 ديسمبر: قبول الإمارات العربية المتحدة في الجامعة العربية لتصبح الدولة رقم 18.
? 9 ديسمبر: إعلان قبول عضوية الإمارات في الأممم المتحدة بناء على القرار رقم (340) عام 1971.
? 10 ديسمبر: رفع العلم خارج مبنى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك للمرة الأولى، وتشكيل أول حكومة للإمارات.
? 22 ديسمبر حل كشافة عمان المتصالحة في مقرها العام في الشارقة وفي غيرها من الحاميات، وذكرت أخبار أبوظبي: أدى الجنود بملابسهم الحمراء وقبعاتهم البيضاء يمين الولاء للدولة الجديدة.
? 18 فبراير: رأس الخيمة تنضم للاتحاد.
? 4 إبريل الإمارات تنضم إلى اليونسكو.
(هذه التواريخ وردت في معرض بعنوان “جذور الاتحاد” سبق أن نظمته هيئة ابوظبي للسياحة والثقافة في العام الماضي 2012 احتفالاً باليوم الوطني للإمارات).

اقرأ أيضا