الاتحاد

دنيا

مهرجان الجزيرة للإنتاج التليفزيوني··

اضطراب في التصنيف وتداخل بين الأنواع وجهات الإنتاج
كما تتميز قناة 'الجزيرة' بالمهنية العالية بغض النظر عن توجهاتها السياسية، يتميز مهرجان الجزيرة الأول للإنتاج التليفزيوني بنفس القدر من المهنية، فقد كان منظماً على نحو يندر وجوده في مهرجانات الفنون العربية، ومن بين نتائج المهنية العالية، ومن الدلائل عليها في نفس الوقت تصريح مدير المهرجان المنتج والمخرج إسماعيل أرناؤوط عشية الافتتاح أن دورة 2005 'بروفة' لمهرجان دولي كبير يقام في العام القادم· فهذا التصريح ليس فقط تعبيراً عن التواضع الذي يتصف به العلماء، وإنما أيضاً تعبير عن الطموح الكبير لقناة الجزيرة على مختلف الأصعدة·
ولعل السؤال الأول الذي يطرح من خلال اسم المهرجان هو: ما الإنتاج التليفزيوني؟ كل وسيلة للتعبير تصبح فناً عندما تكون لها لغة خاصة، أي لا يمكن التعبير عن مضمونها إلا بهذه اللغة، فهل للتليفزيون لغة خاصة، وما هي هذه اللغة: لغة التليفزيون هي لغة البث المباشر، وانتاجه هو ما ينتج عن البث المباشر، أو ما يسمى على الهواء· صحيح ان محطات التليفزيون لا تقتصر على البث المباشر، فهي تنتج الأفلام مثل شركات السينما، وتنتج الكتب مثل دور النشر، وتنتج المسلسلات الروائية والتسجيلية، ولكن يظل البث المباشر هو ما يميز التليفزيون عن غيره من وسائل
التعبير·
أصدر مهرجان الجزيرة الأول للانتاج التليفزيوني كتاباً رسمياً فاخراً عن الدورة (الكتالوج)، ولكنه مع الأسف لم يتضمن لائحة المهرجان التي توضح أسسه وأهدافه وشروطه وجوائزه الى آخر ما تتضمنه لائحة أي مهرجان· وتم تقسيم الانتاج: موضوع المهرجان الى أفلام وثائقية وبرامج اجتماعية وبرامج اخبارية وتنويهات، وتم الفصل بين انتاج القنوات في الأنواع الأربعة المذكورة وبين انتاج الشركات المستقلة، وتضمن المهرجان قسماً خاصاً بعنوان الأفق الجديد لأفلام وثائقية مختارة·
الوثائقي·· والتسجيلي
كلمة وثائقي هي ترجمة لكلمة دكيومنتري الانجليزية، والتي تترجم أيضاً تسجيلي، ولست أدري لماذا اختارت ادارة مهرجان الجزيرة (وثائقي) بدلاً من( تسجيلي) وهي الأكثر شيوعاً· وقد نشرت منذ سنوات بحثاً مسهباً حول هذا الموضوع انتهيت فيه الى ان اللغة العربية تغرق بين الوثائقي والتسجيلي، واقترحت ان نعتبر التسجيلي ما يصور الواقع والوثائقي ما يعتمد على وثائق الارشيف، أو ما يطلق عليه بالانجليزية فيلم ارشيف أو فيلم مونتاج·
وجوائز المهرجان ذهبية وفضية وبرونزية، ومن المفترض ان تكون للأقسام الأربعة المذكورة من الأعمال لكل من القنوات والشركات المستقلة، ولكن صفة الجوائز في الكتاب الرسمي (الكتالوج) تقسم الجوائز بين القنوات والشركات المستقلة والشركات، ولا تذكر البرامج الاخبارية، وانما الحوارية وتضيف التحقيق الصحافي والتقرير الصحافي، وتخصص 3 جوائز للأفلام الوثائقية وتطلق عليها التسجيلية، وللأشكال الأخرى جائزتين فقط، وهذا كله انما يعبر عن خلل بنيوي شديد بسبب الاضطراب في التصنيف، والتداخل بين الأنواع وجهات الإنتاج، وبين السنيما والفيديو·
ويفتقد (الكتالوج) الى التعريف العلمي الدقيق بالأعمال، ويكتفي بالعنوان والاخراج والانتاج ومدة العرض، بينما من الضروري معرفة الكاميرا التي تم بها التصوير، ونوع الشريط المعروض، كما يفتقد الى أي تعريف للمخرجين والمخرجات· وقد أتمت لجان التحكيم والتي تشرفت بعضوية إحداها عملها قبل أن يبدأ المهرجان، ولم تعرض أفلام المسابقات في المهرجات ولا حتى الأفلام الفائزة، واقتصر المهرجان على عرض عشرة أفلام عربية وأجنبية بينما كانت كل أفلام المسابقات عربية· ومع الأفلام العشرة اقيمت أربعة ندوات: الإنتاج الدولي المشترك، ونحو صناعة وثائقية عربية، ومشروع الديمقراطية، اشترك فيها عدد كبير من الخبراء العرب وغير العرب·
وتضمن المهرجان ندوة خاصة عن السينما في قطر نظمها المنتدى السينمائي القطري وأدارها الناقد عبدالرحمن محسن وعرضت ثلاثة أفلام قطرية: 'الأرض' و'خيوط تحت الرمال' إخراج خليفة المريخي، و'سائق أجرة' إخراج حافظ علي· كما تضمن الإعلان عن تأسيس 'صندوق السينما الفلسطينية' بمبادرة من جماعة السينما الفلسطينية في رام الله· وأهداف الصندوق دعم الإنتاج والتوزيع وإنشاء سينماتيك وإقامة مهرجان سينمائي كل عامين، ووضع مشروعات قوانين لتنمية صناعة السينما في فلسطين، وتمويل الأبحاث والدراسات· وفي حفل افتتاح المهرجان صدر كتاب 'حر خلف القضبان' عن قضية تيسير علوني مراسل الجزيرة في مدريد، وتم منح زوجته شعار المهرجان، وعرض أول الأفلام العشرة المختارة للعرض خارج المسابقات 'كرة ولعبة ألوان' إخراج الفلسطينية لينا صالح، وهو فيلم روائي قصير وأول فيلم لمخرجته التي لا تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، وسبق عرضه في مهرجانات نيويورك ورام الله وبيروت العام الماضي·
تشرفت بعضوية إحدى لجان التحكيم في مهرجان الجزيرة الأول للإنتاج التليفزيوني مع خديجة السلامي مديرة المركز الاعلامي في سفارة اليمن بباريس وأول مخرجة يمنية، والمخرجة المصرية ذات الأصول اللبنانية عرب لطفي، والمخرج والخبير الإعلامي السوداني الدكتور عادل ضيف الله، والأستاذ الدكتور محمد محسن الأستاذ في كلية الإعلام والتوثيق بالجامعة اللبنانية، وقد أسعدني أن أقضي معهم أربعة أيام في الدوحة شاهدنا فيها 36 فيلما تسجيليا و6 برامج اجتماعة و9 برامج حوارية منها برنامجين في مسابقة مستقلة، أي أربعة مسابقات· وكان علينا منح ثلاث جوائز (ذهبية وفضية وبرونزية) في مسابقة الأفلام، وجائزتين (ذهبية وفضية) في المسابقات الثلاث الأخرى·
الـ36 فيلما تسجيليا من فئة إنتاج الشركات حسب تصنيف المهرجان، وفضلا عن أنها كلها أفلام فيديو، ولابد من التفرقة بين أفلام الفيديو وأفلام السينما لأنهما مختلفتان من حيث الإمكانيات، وليس لأن هذا أفضل من ذاك، فهناك خلط واضح بين الفيلم والبرنامج والأفلام التسجيلية خمسة أنواع (التعليمي - الواقعي - السياسي - التاريخي - الفني)، وقد كانت هناك أفلام من الأنواع الأربعة الأولى ما عدا أفلام الفن (أي أفلام الرسم والنحت)، وكانت أقل الأفلام من النوع الواقعي وأكثرها من النوع السياسي وخاصة عن قضية فلسطين· ومن بين الـ36 فيلما لم يستحق المناقشة في النهاية لاختيار الأفلام الفائزة غير ستة أفلام، ولكن كان لابد من فوز ثلاثة فقط بعد المناقشة·
مآخذ وملاحظات
بصفة عامة يؤخذ على الأفلام الثلاثين الإطالة من دون مبرر وعدم إدراك قيمة الايجاز وقيمة الايقاع، ولا شك ان سهولة التصوير بكاميرا الفيديو مقارنة مع كاميرا السينما سبب رئيسي، ولكنه هناك أيضا التعامل بالدقيقة في الانتاج التلفزيوني، والذي يبدو أثره المروع في المسلسلات الدرامية، ويؤخذ على الافلام الثلاثين التعليق الإنشائي في الكثير منها على طريقة الافلام التسجيلية التقليدية منذ نصف قرن، والخلط بين التسجيلي والدرامي تحت دعوى 'دوكيو دراما'، بينما هناك فرق كبير بين الدوكيو دراما وبين استخدام التمثيل والادعاء بانه ليس تمثيلا، كما يؤخذ على الكثير من الأفلام التفاخر بالتاريخ (الاقدم والاعرق والأول) للتغطية على مهازل الحاضر وغموض المستقبل، واعتبار كادر (الكارت بوستال، كادراً جمالياً وهو اكثر اشكال التصوير ابتذالا)·
وكما ان هناك من يستخدم التمثيل للكذب هناك من يستخدم مشاهد من افلام روائية ويدعى انها تسجيلية مثل فيلم 'طريق النسر' الذي يدعى انه يصور مظاهرات حقيقية بينما هي مشاهد من فيلم 'في بيتنا رجل' اخراج بركات· وعلى وجه الخصوص تفتقد الافلام عن قضية فلسطين إلى التحليل السياسي، وتعزل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن تاريخه وعن واقع العالم، والفيلم الوحيد الذي تناول حياة وموت الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (حصار الحلم) يتجنب تماما موته الغامض رسميا حتى الآن، ويدعى انه مات بسبب امراض الشيخوخة· وفي ذروة ازمة دارفور التي تشغل العالم عرض من السودان· فيلم 'خلاوي دارفور' والخلاوي هي كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم، التي يبلغ عددها أكثر من ألفين والتي تواجه زحف المبشرين بالمسيحية حسب ما جاء في التعليق·
الفيلم الأكثر جرأة كان من انتاج نفس الشركة التي انتجت الفيلم الذي فاز بالجائزة الذهبية، وهي شركة 'انتاج '3 اللبنانية والتي قيل لي انها تتبع قناة العربية، وأعني به فيلم 'مرارة المنفى' اخراج جون زادا، ويتناول حياة أكثر من 7 آلاف لبناني ذهبوا الى اسرائيل بعد تحرير الجنوب مع جيش لبنان الجنوبي المتعاون مع الاحتلال، ويعيشون هناك في معاناة مستمرة حيث يكرههم الفلسطينيون ولا يحبهم الإسرائيليون ويلفظهم اللبنانيون، ولكن مشكلة الفيلم الثرثرة والتكرار والاطالة، والترجمة الصحيحة لعنوانه الإنجليزي 'المنفى المرير وليس مرارة المنفى' والفيلم الذي ظلم 'عندما تغني المرأة' اخراج مصطفى حسناوي من وجهة نظري الخاصة بالطبع·
بعد جلسة المشاهدة الأولى، والتي لم تسفر عن أي فيلم يبقى للمناقشة قلت لزملائي الفيلم الذهبي يختارنا بقدر ما نختاره عندما يعرض ان كان موجودا سوف ننظر الى بعضنا البعض ونقول هذا هو الفيلم، ولن نتناقش حوله كثيرا، ومن حسن الحظ انه كان ضمن أفلام هذه المسابقة في الجلسة قبل الأخيرة، مرت دقائق عرضه الـ 60 وكأنها عشر دقائق، وما ان انتهى العرض حتى تبادلنا النظرات وقال أحدنا انه الفيلم، وفاز 'طرق لغروب أقل' اخراج باسم فياض بالجائزة الذهبية بالإجماع، وكان الفيلم الوحيد الذي فاز بالاجماع، باسم فياض مخرج من لبنان سوف يكون له شأن كبير في المستقبل، 'طرق لغروب أقل' عمل فني تسجيلي من طراز رفيع عن رحلة في عراق ما بعد صدام أو عراق المخاض الطويل الصعب الى الحرية من كردستان في الشمال الى البصرة مرورا بالموصل وبغداد والنجف، وفيه يعبر الفنان الى رؤية صادقة ونزيهة لكل ما يحدث في العراق عام تصويره، ويربط كراوية على شريط الصوت بين تجربته في الحروب اللبنانية وتجربة صديقه المخرج العراقي عدي رشيد في الحروب العراقية·
وفاز الفيلم السوداني 'بيت الثعبان' اخراج سيف الدين حسن (25 دقيقة) بالجائزة الفضية، ويتناول الحياة في قرية سودانية تعيش على صيد الثعابين، وفاز الفيلم الفلسطيني 'سفيرة الأسرى' اخراج سعود مهنا (28 دقيقة) بالجائزة البرونزية، وهو من أفضل الأفلام التي عبرت عن القضية الفلسطينية منذ مطلع القرن الميلادي الجديد حيث نرى امرأة فلسطينية عادية 'أم جبر' التي استطاعت ان تتجاوز كل الصعاب لترعى أولادها الأسرى، سجون اسرائيل، وكذلك كل الأسرى من فلسطين ومصر والعراق والسودان ولبنان، ويعبر الفيلم عن حياتها ويقدم شهادات عنها من الأسرى الذين أفرج عنهم ·
وفي مسابقة البرامج الحوارية فاز 'المقال' اخراج ناصيف خوري واعداد وتقديم داود الشريان من انتاج تلفزيون دبي بالجائزة الذهبية لأنه حوار شائق وجريء مع فؤاد عجمي الذي يمثل وجهة نظر متطرفة ضد كل وجهات النظر السائدة عن الحرب الأميركية في العراق، وحجبت اللجنة الجائزة الفضية، كما حجبت الذهبية والفضية في مسابقة البرامج الحوارية للشركات المستقلة، وحجبت الذهبية والفضية في البرامج الاجتماعية، ومنحت شهادة تقدير لبرنامج 'خريف العمر' اخراج صفاء محمد من سوريا الذي يتناول في (40 دقيقة) الحياة في بيت لرعاية المسنين، وهكذا تم منح 4 جوائز وحجب خمسة جوائز من الجوائز التسع التي كانت مقررة في المسابقات الأربع موضوع تحكيم اللجنة·
واذا كان صحيحا ان شركة انتاج 3 تتبع قناة العربية في دبي، تكون دبي قد فازت بالجائزتين الذهبيتين والسودان بجائزة فضية وفلسطين بجائزة بزونزية مع شهادة تقدير لبرنامج من سوريا·
ثرثرة وتفاخر وادعاء
بصفة عامة يؤخذ على الأفلام الثلاثين الإطالة من دون مبرر وعدم إدراك قيمة الإيجاز وقيمة الإيقاع، ولا شك أن سهولة التصوير بكاميرا الفيديو مقارنة مع كاميرا السينما سبب رئيسي، ولكنه هناك أيضا التعامل بالدقيقة في الإنتاج التلفزيوني، والذي يبدو أثره المروع في المسلسلات الدرامية، ويؤخذ على الأفلام الثلاثين التعليق الإنشائي في الكثير منها على طريقة الأفلام التسجيلية التقليدية منذ نصف قرن، والخلط بين التسجيلي والدرامي تحت دعوى 'دوكيو دراما'، بينما هناك فرق كبير بين الدوكيو دراما وبين استخدام التمثيل والادعاء بأنه ليس تمثيلا، كما يؤخذ على الكثير من الأفلام التفاخر بالتاريخ (الأقدم والأعرق والأول) للتغطية على مهازل الحاضر وغموض المستقبل، واعتبار كادر (الكارت بوستال، كادراً جمالياً وهو أكثر أشكال التصوير ابتذالا)·

اقرأ أيضا