صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

تركيا: معترضون صامتون.. وآخرون مقاطعون

إعداد- أمينة عوض:

اليوم من المفترض أن تبدأ الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية التركية، بعد ثلاثة أيام من إعلان حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي الى جذور إسلامية عن اسم مرشحه وزير الخارجية عبدالله غول· وتعتبر هذه الانتخابات من أكثر الأمور تعقيداً بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، إذ سبقتها مئات الآلاف من الأتراك بتظاهرات في أنقرة طالبت زعيم الحزب، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بالتخلي عن الترشح للرئاسية· فيما شنت الأحزاب المعارضة حملة كبيرة ضد أي مرشح من حزب العدالة والتنمية، وقامت أكبر أحزاب المعارضة ''حزب الشعب الجمهوري'' بإعلان مقاطعتها للانتخابات، فيما طالب حزبان آخران بتأجيل الانتخابات الرئاسية والدعوة إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة، والتي من شأنها أن تغير كثيراً من مجريات الأمور لتصبح بذلك المرة الأولى التي يتم فيها تأجيل الانتخابات الرئاسية في حال وافق البرلمان على ذلك· ويستعد أنصار العلمانية للتظاهر الأحد في اسطنبول·

يسعى مرشح حزب العدالة والتنمية ووزير الخارجية عبدالله غول في الوقت الراهن إلى كسب رضا الأحزاب المعارضة الصغيرة رغبة منه بالحصول على دعمها في الدورة الأولى من الانتخابات· مؤكداً أنه سيكون ''رئيس كل تركيا''· ولانتخاب الرئيس يجب حصول المرشح في الدورتين الأولى والثانية على غالبية الثلثين في البرلمان أي (367) صوتاً من أصل 550 في حين أن الغالبية البسيطة (276 صوتاً) تكفيه بعد ذلك في الدورة الثالثة· ويعد غول في هذه الانتخابات المرشح الأوفر حظاً وذلك لحصول حزبه على 353 مقعداً في البرلمان من أصل 550 مقعدا ويليه حزب الشعب ب178 مقعداً· وكاد أن يكون غول المرشح الوحيد في هذه الانتخابات لولا إعلان ارسونميز يارباي العضو المنشق عن حزب العدالة والتنمية ترشيحه قبل انتهاء مهلة تقديم الترشيحات ·
وجهان لعملة واحدة!
لم يختلف الأمر كثيراً فبعد خروج 300 ألف تركي في 14 من إبريل في تظاهرة لمنع أردوغان من الترشيح للانتخابات الرئاسية، يبقى الوضع كما هو تقريباً لأن كلاً من وزير الخارجية غول ورئيس الوزراء أردوغان ينتميان الى نفس الحزب ''العدالة والتنمية'' ولهما نفس الجذور ''الإسلامية'' حتى أن زوجتيهما أمينة أردوغان وهايرنيز غول ترتديان الحجاب·
غول وأردوغان وجهان لعملة واحدة فالاختلافات قد تكون شكلية إلا أن توجهاتهما واحدة، فقد أسسا معاً حزب العدالة والتنمية حديثة العهد في الساحة السياسية بمساعدة بعض النواب ''منشقين من حزب الفضيلة والرفاه'' بقياده نجم الدين أربكان، والذي كان أكبر كتلة برلمانية في منتصف التسعينيات· وبعد انقلاب 1997 وحل حزب الرفاه ومنع أربكان من العمل السياسي· لم تقف علاقة اردوغان وغول عند حدود العمل السياسي فالاثنان تربطهما علاقة صداقة وثيقة· إلا أن السؤال الذي يطرح نفسة بماذا أختلف اردوغان عن المرشح الرئاسي غول؟! وما الذي يرمي إليه الحزب وأردوغان بترشيح غول؟
أردوغان البطل··· وديمقراطية ''العدالة''
الاحتجاجات التي أرادت منع وجود أية جذور إسلامية في السلطة والحفاظ على بقائها بعيدةً عن التوجهات الدينية، لم تنجح تماماً، غير أنها أوضحت مدى تخوف النخبة العلمانية من شعبية أردوغان·
واعتبر الكثيرون أردوغان الذي دخل السجن بسبب تغنيه بقصيدة شعرية ذات توجه إسلامي،
بطلاً بتنازله عن طموحاته الرئاسية والاكتفاء بزعامة حزب العدالة والتنمية من انتخابات نوفمبر المقبلة بعد أن حقق الحزب بقيادته في عام 2002 نجاحاً باهراً باكتساح معظم مقاعد البرلمان· وأردوغان رجل سياسية من الطراز الأول يعلم أن بعض التنازلات لا تضر كما يدرك أهمية ما قام به حتى الآن، فهو وحزبه قدما نموذجاً أكثر نضجاً ومرونة·
وحرص الحزب العدالة والتنمية في خطاباته السياسية على عدم استخدام الشعارات الدينية، وعمل على تكرار فكرة أنه يحترم حرية العبادة وانه يستند في مبادئه على التسامح والحوار· كما شدد الحزب على عدم معارضته للعلمانية والأسس التي قامت عليها الجمهورية التركية· وعمل أردوغان منذ توليه منصبة على إذابة الجليد الذي يحيط بعلاقات التركية بمن حولها· فعمل على تسهيل الإجراءات التي من الممكن أن تخول تركيا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقام بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية التي حسنت من الأوضاع المتدهورة في البلاد·
ويظل حزب العدالة والتنمية من أكثر الأحزاب الإسلامية الموجودة في تركيا سلاسة مع المجتمع العلماني، واحترام الحريات الشخصية والمبادئ التي يتفق عليها الحزب ويطالب بها العلمانيون، كما يطالب الحزب ''الكماليين'' استناداً إلى كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية بالمثل فقد قال غول مدافعاً عن حجاب زوجتة هذه حرية شخصية يجب احترامها ·

انقلاب عسكري صامت

مازال الجيش يخشى الزحف الإسلامي إلى الكيان السياسي العلماني، ورغم نجاح حزب العدالة والتنمية في نشر مبادئه الديمقراطية الساعية إلى كفالة حرية العبادات والواعدة بالحفاظ على المبادئ العلمانية، لا يزال الشك ونبرة التهديد تطغى على الصوت العسكري بالإضافة، الى الصمت المبهم في كثير من الأحيان·
لا أحد يمكن أن ينسى الانقلابات الأربعة التي قامت بها القيادات العسكرية في الجيش التركي الأكثر تعصباً للعلمانية وحامية إرث مصطفى كمال أتاتورك على مدى عقود، والتي بدأت منذ عام 1960 حيث قام الجيش بشن معركة دامية انتهت في ·1980 والجيش الذي كان يقضي على أي من مظاهر الصحوة الإسلامية حفاظاً على تركية العلمانية، قد يكتفي بالتهديدات المقتضبة أو بالصمت حتى لا يثير حفيظة الاتحاد الأوروبي ضد إي عمل غير ديمقراطي، من شأنه أن يؤجل حلم تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي· ولكن تستطيع القيادات أن تناقض تاريخها الدامي في الانقلابات وأن تكتفي بالتلويح باعتراضها ؟!

غول في سطور

مرشح الرئاسة التركية عبد الله غول المرشح مقرب من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان· وقد تسلم الدبلوماسية التركية على مدى أربع سنوات· ويرى الكثيرون أنه يمثل الوجه المعتدل لحزب العدالة والتنمية· الذي يعتبر اليوم قوة ديموقراطية محافظة· ونجح غول في مواجهة الفترات الأكثر صعوبة حين كان يتعلق الأمر بفتح جنوب شرق بلاده أمام القوات الأميركية التي كانت تستعد لاجتياح العراق عام 2003 لكن البرلمان رفض ذلك في نهاية المطاف ذلك، أوعند إطلاق مفاوضات الانضمام الصعبة إلى الاتحاد الأوروبي عام ·2005
يعتبر غول الذراع اليمنى لأردوغان، ولد غول لدى عائلة متواضعة في 29 أكتوبر 1950 في معقل قيصرية الإسلامي (وسط) حيث انتخب نائباً أربع مرات منذ العام ،1991 ويحمل إجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة اسطنبول· ثم التحق بجامعات بريطانيا حيث نال إجازة ماجستير ثم دكتوراه في الاقتصاد· عاد إلى تركيا للقيام بحملة للانتخابات التشريعية عام 1991 إلى جانب رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان رائد الإسلام السياسي في تركيا والذي حظر حزبه ''الرفاه'' عام 1998 بسبب ''أنشطة مناهضة للعلمانية''· وبعدها انتخب نائباً عين نائباً لرئيس حزب ''الرفاه''· وإثر إعادة انتخابه في الانتخابات التشريعية عام ،1995 أصبح الناطق باسم أول حكومة ائتلافية إسلامية في تاريخ تركيا الحديث حيث تولى فيها منصب وزير الدولة المكلف العلاقات الخارجية وبينها ملف قبرص الشائك·

نظام الحكم في تركيا

نظام الحكم في تركيا جمهوري برلماني ديمقراطي قائم على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي سنها الدستور عام ·1961 والسلطة التشريعية هي من اختصاص الجمعية الوطنية الكبرى والتي تضم 550 عضواً ينتخب كل خمسة أعوام، أما السلطة التنفيذية فيتقاسمها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء· وتضم السلطة القضائية نظاماً من المحاكم الصغرى ومحكمة الاستئناف الوطنية والمحكمة الدستورية·

صلاحيات الرئيس

ينتخب رئيس الجمهورية كل سبع سنوات غير قابلة للتجديد من قبل الجمعية الوطنية، ويشترط على الرئيس المنتخب أن يكون جامعياً وفوق الأربعين عاماً، فالرئيس هو رأس الدولة يتمتع بصلاحيات حكومية مهمة، إنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويصادق على القوانين التي تشرعها الجمعية الوطنية· ويحق له الدعوة لاستفتاء عام بشأن بعض القضايا المتعلقة بالدستور·

الأحزاب السياسية

توجد في تركيا مئات الأحزاب السياسية والتي تقوم على نظام الحزب الواحد، ويعد حزب الشعب الجمهوري من أقدمها حيث تأسس في عام ·1923 تشكل نحو 200 حزب سياسي منذ تأسيس الجمهورية حتى اليوم، وتم حل 22 حزباً· ومن أبرز الأحزاب ''الوطن الأم، الطريق القويم،العمل القومي''، ''اليسار الديمقراطي، ''السعادة، العدالة والتنمية''·

4 انقلابات لحماية العلمانية

1960: أطاح الجيش بحكومة رئيس الوزراء عدنان مندريس بعدما وجهت له اتهامات بالسماح للقوى الدينية بالعمل بحرية كانت الحكومات العلمانية السابقة قد منعتها تماما، ورغم أن مندريس لم يكن إسلاميا فإن مجرد محاولته تخطي شكل العلمانية الذي شرعه أتاتورك كان كفيلاً بمحاكمته وإعدامه مع ثلاثة من وزرائه بتهم غير جدية·
1971: قمع الجيش الصراعات التي تسببت بها القوى اليسارية خاصة بعد أن قام بعمليات مسلحة استهدفت القواعد الأميركية والعاملين فيها وقتلوا القنصل الإسرائيلي في اسطنبول·
1980: حكم قائد الانقلاب كنعان أيفرين لمدة سبع سنوات رئيسا للجمهورية بعد أن صاغ دستورا غريبا وعجيبا مازال الأتراك يعانون منه رغم تغيير العديد من بنوده ومواده باستثناء تلك التي تعترف لقادة الانقلاب بحصانة دستورية إلى الأبد·
وقد فشل جميع رؤساء الوزراء الذين حكموا تركيا بعد ذلك العام بمن فيهم الذين استهدفهم الانقلاب العسكري المذكور ومنهم سليمان ديميريل وبولنت أجاويد ونجم الدين أربكان من تغيير هذه المواد والمواد الأخرى المناقضة للديمقراطية وهو ما يؤكد حالة الخوف النفسي التي يعاني منها السياسيون الأتراك من جنرالات الجيش·
1997: وكان انقلاباً نظريا اكتفى فيه الجيش بإخراج الدبابات إلى الشوارع في أنقرة ليضطر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان إلى الاستقالة، قبل أن يصل الجيش إلى مقر رئاسة الحكومة·