صحيفة الاتحاد

دنيا

محيي الدين اللاذقاني يؤسس جريدة الهدهد الإلكترونية

من العاصمة البريطانية لندن، أطلق الشاعر والكاتب الصحفي الدكتور محيي الدين اللاذقاني مؤخراً جريدة «الهدهد» الإلكترونية وبأربع لغات عالمية، ولما يحمله هذا الاسم المستوحى من موروثنا الديني من دلالات لصدقية الخبر ويقينية، أردنا أن نحّلق معه ومع طائره في هذا الحوار، ليطلعنا على الهدهد وجديده ...
• جاءت انطلاقة صحيفة الهدهد الإلكترونية، بعد توليك مهام إدارة شؤون القسم الثقافي في جريدة الشرق الأوسط لأكثر من خمس عشرة سنة، بالإضافة إلى كتابة عمود يومي فيها، كيف تفسر هذه النقلة والتحول من الصحافة الورقية إلى صحافة إلكترونية وبأربع لغات عالمية؟
بعض لناس – واظن اني منهم – يعشقون التحدي، ويملون من أعمال ووظائف لا تفرض عليهم حالة من التجدد، وأي عمل في اي وظيفة مهما كانت ممتعة لابد ان يصل يوماً ما الى طريق مسدود، وتتحول اثارتها الاولى الى شيء من الملل والروتين، وهذا ما اهرب منه دائماً منذ مطلع حياتي في هذه المهنة، فقد تركت صحفاً كثيرة لا يعرف اصحابها الى هذه اللحظة لماذا تركتها، وكل ما كنت أفعله أن اترك استقالة لا تتجاوز السطر ونصف السطر، لأنطلق خلف تحد من نوع جديد، في مكان مختلف.
هذا المرة كان التحدي من النوع الضخم والأكثر إثارة، فقد بهرني فضاء العنكبوت منذ بداياته، ولم يكن من الصعب أن ألاحظ أن صحافة الورق تتراجع يومياً أمام الانترنت، فأنا اجيد التواصل مع الافكار الكبرى والاحلام نتيجة ادماني على الطوباوية، ولاني اصدق الارقام اكثر من قناعتي بالتحليلات.
وكما هو الحال في أي مغامرة تبدأ المسألة من حلم، ثم يأتي التصميم لتحويل الأحلام الى حقائق، أما لماذا بأربع لغات، وهي خطوة غير مسبوقة في الإعلام العربي، فلأن تعدد الوسائط الاعلامية واندماجها صار يتيح التفكير بتعدد اللغات، ويجب الا ننسى انَّ معظم من يستخدمون الانترنت يتحدثون اكثر من لغة، ويأتي العامل الحاسم من حجم الحلم ودرجة الايمان به، وكما قال شيخنا المتنبي ذات يوم (على قدر أهل العزم تأتي العزائم)، وبصراحة تامة، فإنَّ العامل الحاسم هو محدودية الموازنة التي يحتاجها النشر الإلكتروني مقارنة بالورقي والفضائي، وهذه نقطة هامة لمن لا يريد أن يرهن جهده لرأس المال المسيس، الذي سيحد من الحريات الإعلامية مهما قيل عن تنوره. وانطلاقاً من هذه الخلفيات جميعها صحوت ذات صباح وقلت ها قد حان الوقت يا فتى لتترك بصمتك، وتصنع الإعلام الذي حلمت به منذ عشقت هذه المهنة، هكذا ولدت صحيفة الهدهد الدولية بأربع لغات عالمية، وهذا جزء من الحلم وليس الحلم كله، ففي الطريق لغات أخرى.
* يعتبر التصفح الإلكتروني أكثر سهولةً للحصول على المعلومة والأوفر للقارئ، بالإضافة لإمكانية التفاعل إلكترونياً مع خبر بعينه والتعليق عليه، بالمقابل هنالك صحف إلكترونية تتعمد إطلاق أخبار «انتقائية» معينة فقط لإثارة ردود القراء فيما بينهم، لتحقيق الاستمرارية عن طريق هذا الأسلوب غير المهني، ما رأيك؟
- لا عيب ان يتفاعل القراء مع أحداث بعينها، ومع شخصيات يحبونها او يكرهونها، العيب أن نجعل استثارة الغرائز هدفاً وأنا هنا أساوي بين الغرائز الجنسية والغرائز السياسية ولا أفرق من حيث الاسلوب وان تغير المضمون بين الجزيرة وروتانا – على سبيل المثال - فالنتيجة واحدة وهي الاشتغال على الغريزة وتجاهل مخاطبة العقل ونحن في الهدهد نعمد الى الاستثارات المدروسة لكننا لا نتجاهل عقل متصفحنا ولا نستغبيه أو ندغدغ عواطفه بالحب والكراهية.
أما بالنسبة للمعلومة فهذا هو عصر الغنى بالمعرفة وسهولة الوصول اليها، لذا اضفنا الى الهدهد مكتبة الكترونية عامرة سنواصل تعزيزها، وأردنا الاستفادة من طرق المعلومات السريع لنخدم تراثنا ايضاً، ونبسطه للجيل الجديد، فوضعنا في الهدهد عشرة أروقة للتراث تغطي إرث العشاق والرحالة والمتصوفين والمستشرقين والعلماء والفقهاء إضافة الى المخطوطات. ونريد بذلك كله أن نخلق واحة معرفية للباحثين العرب في قضايا التراث من وجهة نظر حديثة وبلغة معاصرة.
• ما هي طموحاتك وخططك المستقبلية ليبقى الهدهد منطلقاً في سماء الصحافة الإلكترونية؟
- أحب عبارة (جناحي لا تحده سماء) ومع اللغات التي سنضيفها، وبينها لغات شرقية، سنعمل على تطوير خدمات الصوتيات والمرئيات ونستفيد من الدمج الحاصل في وسائل الإعلام ووسائطه لنخلق قناة تلفزيونية داخل الهدهد، تعنى بالهم الثقافي والمعرفي ايضا. نطمح الى تطوير ما نسميه الثقافة التفاعلية كي لا يبقى النقد حكراً على قلة، والابداع منفلتاً من عقاله دون ضوابط، أما من سيخلق تلك الضوابط فهوالقارئ المستنير الذي سيتغير دوره مع زيادة مساحات حريته، وسيفرض حين يحس بقدرته على التغيير على أصحاب القرار ان يمسحوا الغبار عن قوانين واعراف تدعم حرية الصحافة، ولا تسمح بتكميم الأفواه ولا بسيطرة الدول على وسائل الإعلام.
أطمح ايضاً الى تطوير فضاء الانوثة داخل الهدهد، فانا أؤمن بالإبداع النسائي الذي ظل مغيباً لأسباب اجتماعية معروفة، وهذا زمنه ليفك عقاله، ويحلق معنا ليزداد تحليقنا شمولية وأناقة.
* تجربة إطلاق جريدة يومية بأربع لغات عالمية، بلا شك، تعتبر تحدياً وعلى أكثر من محور، سواء من ناحية عملية نقل، وكيفية صناعة الخبر بالإضافة للترجمة المتخصصة له، فإلى أيهما تحتكم، إلى الموضوعية أم إلى مزاجية القارئ في هذا الشأن؟
- رغم كل ما يقال عن مزاجية القارئ فأنا أثق باختياراته. من حقه أن يضجر من الممل والعادي، ومن حقه أن يبحث عن الاختلاف، وأن يتمرد على من يهين عقله. أما بالنسبة للترجمة فنحن لا نترجم الموضوعات كلها للغات الأربع لأننا نراعي الفروق في الاهتمامات، فالقضية التي تهم الشرق أوسطي قد لا تكون في حسابات قارئ في إسبانيا أو فرنسا أو أميركا اللاتينية، لذا فنحن نحرص على دراسة المؤشرات، وعلى رأي المراسلين الميدانيين في ذائقة من يعملون بينهم فلا حاجة لبضاعة لا سوق لها.
تبقى ملاحظة أخيرة عن الموضوعية والحياد، ولنكن صرحاء مع أنفسنا ومع قارئنا، فالحياد المطلق غير موجود الا عند الملائكة ونحن لسنا منهم ولسنا من الشياطين ايضاً، الأمر الذي يعني أن نخدم ما نعتقد أنَّه الحقيقة، وأن نعترف بأن حقيقتنا قد تختلف عن حقائق الآخرين الذين يشكلونها استناداً الى ظروفهم ومعارفهم واهوائهم والى معطيات قد لا تكون بمتناولنا، ومن خلال فهم من هذا النوع تتحقق نسبة عالية من المرونة تسمح بقدر لا بأس به من الموضوعية.