صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

شهداء على طريق التضامن

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو

لم ينشأ التضامن مع ملايين الناس الباحثين عن ملاذ في أوروبا بين ليلة وضحاها، بل بقي يتطوّر في الخفاء لبعض الوقت، بيد أنّ صورة طفل سوريّ غريق ومستشارة ألمانيّة شجاعة - كانا كفيلين بجعله يظهر إلى العلن.
كان ماتيو سالفيني، قائد حزب «رابطة الشمال» الإيطالي الكاره للأجانب، محقّاً عندما لاحظ أنّ المستشارة الألمانيّة البارعة أنجيلا ميركل عقدت صفقة مميّزة عندما رحّبت بعشرات آلاف السوريّين، وبينهم عدد كبير من الأشخاص المحترفين والمتعلّمين، للمساهمة برفع إجمالي الناتج المحلّي في بلادها. وأضاف بالكلام عن الدول الأوروبية الأخرى أنّه بإمكانها طبعاً أن تحتضن ما تبقّى من هؤلاء.
إلاّ أنّ سؤالاً يبقى قائماً: لماذا لم يكن رجل بذكاء سالفيني أوّل من فكّر في الموضوع؟ في النهاية، تضمّ إيطاليا بضعة آلاف من السوريّين. وبالتالي، هل يصعب إلى هذا الحدّ التصوّر أنّنا سنعثر على عدد غير قليل من النازحين المثقّفين القادمين من مجموعات عرقيّة مختلفة؟ على سبيل المثال، غالباً ما أصادف رجالاً سنغاليّين يبيعون مظلاّت وحقائب سفر في شوارع ميلانو، ممّن يتقنون اللغتين الفرنسيّة والإيطاليّة ويقولون إنّهم درسوا في الجامعات.
لم تمحُ عقود من الديمقراطيّة الألمانيّة صورة الألمانيّ القاسي الذي يصرخ «كابوت» من ذاكرة الغرب. حتّى أنّ شبحه عاد ليظهر، على ما يبدو، خلال أزمة الدين اليوناني الأخيرة. لكنّ ميركل نجحت في تحويل الصورة المريعة عن وطنها إلى أخرى ملؤها التعاطف، ليظهر فيها ألماني (أو نمساوي) مبتسم ومستعد لاستقبال عائلات لاجئة (وليس فقط أولئك السوريّين الذين تخرّجوا من الجامعات)، ويقدّم لهم ضروريّات الحياة أو يعرض عليهم، بكل بساطة، إيصالهم بسيّارته.
يبدو الآن أنّ ميركل عقدت صفقة ناجحة، على الرغم من المشاكل التي ظهرت بسبب إيواء آلاف الواصلين الجدد وإطعامهم، كما أنّها تواجه انتقادات متزايدة من الرأي العام الألماني ومن السياسيّين في البلاد، حتّى المنتمين إلى حزبها، حول كيفيّة معالجتها للأزمة. ومع ذلك، تبقى متشبّثة بقرارها.
غير أنّ تعاطفها مع النازحين ليس فقط مسألة اقتصاديّة، إذ يعكس ما هو أعمق بكثير، بحسب ما تبيّن في مطلع أيلول (سبتمبر)، عندما رأى العالم للمرّة الأولى صورة أيلان كردي، الفتى السوري البالغ عمره ثلاث سنوات، والذي عُثر عليه غريقاً على شاطئ بودروم في تركيا.
خلال مؤتمر صحافي انعقد في وقت لاحق من ذلك الشهر في الريفيرا الإيطاليّة، اعتبر الصحافي ماريو كالابريسي أنّ مصوّراً واحداً لا يبرّر أيّ تحوّل فوريّ في وجهة الآراء العالميّة. لكنّه شرح قائلاً إنّ لحظة حاسمة قد تحلّ في أعقاب ضغوط كثيرة وشعور متزايد بالانزعاج مع الوقت. وفي أوقات كهذه، تكفي صورة واحدة لإحداث تحوّل جذري. وهو أمر سبق أن حصل في التاريخ. أمّا في حالة أيلان الصغير، كان الشعور بالتضامن يتطوّر في الخفاء طوال سنين.
فلنفكّر في ما يحصل على أنّه نوع جديد من التديّن. اليوم، تواجه الديانات التقليدية أزمة وغالباً ما تكون متناقضة في ما بينها. إلاّ أنّ هذا التضامن الناشئ يتخطّى جميع الانقسامات بين المسيحيّين الكاثوليك، والبروتستانت، والأرثوذكس، وقد ينجح حتّى في رأب الصدع بين المسيحيّين والمسلمين. وفي هذا الإطار، تحوّل البابا فرنسيس إلى مبشّر بهذا التديّن الجديد، داعياً كلّ رعيّة ومجتمع ديني ودير بتقديم المساعدة والمأوى لعائلة لاجئة واحدة على الأقل.
طوال سنوات، شعر الناس بالقلق حيال اختفاء المراكز التربوية التقليدية الشبابيّة، أكانت بإدارة الكنيسة أو شتّى الأحزاب السياسيّة، وحيال زوال التضامن الاجتماعي الذي كانت تظهره. لكنّ نوعاً مماثلاً من الوعي عاد ليظهر شيئاً فشيئاً حتّى بغيابها.
في إيطاليا، رأينا أولى علامات هذه المودّة عندما ضربت فيضانات مدينة فلورنسا في العام 1966، وتوافد آلاف الشبّان من جميع أرجاء البلاد والعالم إلى المدينة المنكوبة لاستخراج الكتب من الوحول في المكتبة الوطنيّة. في ما بعد، رأينا أدلّة على عودة هذه الظاهرة مع ظهور الأطباء بلا حدود، وهم متطوّعون قصدوا أفريقيا، وكذلك مع عمل مئات الطلاّب مجّاناً في مختلف المهرجانات الثقافيّة.
هل كُتب لهذا التضامن الاستمرار؟ لا أعرف، لكنّ المؤكّد هو أنّه ضاق ذرعاً بسلوك الآخرين. وبالكلام عن قوّة هذا التضامن ونطاقه، هل سيتمكّن من تخطّي موجات كره الأجانب المتفشّية حالياً في أرجاء أوروبا؟ قد يجدر بنا أن نتذكّر أنّ أولى المجتمعات المسيحيّة كانت بالغة الصغر بالمقارنة مع الإلحاد الذي كان منتشراً في محيطها.
سيحصد دين التضامن شهداءه بلا أدنى شك، ويكفي أن ينظر المرء أمامه ليدرك أنّ عدداً كبيراً من الناس مستعدّون لذرف الدماء لقمعه. إلاّ أنّ الاحتمال كبير بأن تكون محاولاتهم، وليس محاولات النازحين، هي التي ستبوء بالفشل.