صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

تمرّد الحشود

خوسيه أورتيغا إي غاسيط (مدريد 1883-1955). فيلسوف وكاتب إسباني مرموق أَثّر في عدد كبير من الباحثين والكتاب والشعراء الإسبان وغير الإسبان، من أبرزهم: أنطونيو ماشادو، لويس ثيرنودا، أوكتافيو باث، ألبير كامو، فرانسيسكو أيالا، ماريو فارغاس يوسا... هو الشَّارح الرئيس للنظريات الفلسفية الحديثة الآتية: المنظورية (Perspectevismo). العقلانية الحيوية (Raciovetalismo) والتاريخانية (el historieismo). ويمكن تقسيم الفكر الفلسفي لأورتيغا إلى ثلاث مراحل رئيسة بارزة:
أولاً: المرحلة الموضوعية (objetivista) (1914-1902) وقد تأثر فيها بالكانتية الجديدة (neokantismo) وبظاهراتية هُوسِّرْل fenomenologia de Husserl وفيها أكدَّ أسبقية الأشياء والأفكار على الأشخاص.
ثانياً: المرحلة المنظورية (1914-1923) بَدَأت بكتابه المعنون «تأمُّلات حول دون كيخوته»، وفي هذه المرحلة قدّم توصيفه للوضعية الإِسبانية في كتابه: إسبانيا اللافقارية (ESPA?A invertebrada).
ثالثاً: المرحلة العقلانية الحيوية (1924-1955) وتُعدُّ مرحلة النضج الفلسفي من خلال أعمال مثل: موضوع زمننا. التاريخ بصفته نظاماً. أفكار ومعتقدات. أو تمرُّد الحشود.
إنَّ العقل الحيوي الذي يقترحه أورتيغا هو بَدِيلٌ للعقل الخالص الديكارتي في التقليد الفلسفي. وهذا العقل المقترح يتضمَّنُ كل متطلبات الحياة، يَدُلُّنا على أولويَّتها ودرجاتها الرئيسة، لا يستغني عن خواصِّ كل ثقافة أو موضوع، بل يطابق بين العقلانية والحياة.
ومن كتاب «تمرُّد الحشود» المنتمي إلى هذه المرحلة الخصبة، اخْتَرتُ هذين النصّين المهمّين لتميّزهما بمقاربة فلسفية عقلانية حيوية في معناها، تاريخانية في مبناها، إنسانية في مرماها بما يَجعلها في قلب رَاهننا السوسيوثقافي اليوم بقدرتها على إنعاش العديد مِن الأسئلة بخصوصه.
---------------
واقعة التكتُّلات

ثمة في اللحظة الراهنة حدثٌ أعْتبره الأهمَّ في الحياة العامّة الأوروبية، هذا الحدث هُو صُعود الجموع إلى السلطة الاجتماعية الشاملة. ولأنَّ الحشود (أو الجموع) بِحُكْم ما هي عليه، لا ينبغي لها ولا تستطيع تدبير وجودها نفسه، بَلْه أَنْ تتحكَّم في المجتمع بكاملهِ، فذلك يعني أن أوروبا تعاني اليوم أزمة خَطيرة تكابدها شُعوب وأقطار وثقافات شتَّى. هذه الأزمة حَدَثَت أكثر مِنْ مَرَّة في التاريخ. مظاهرها وتَبِعاتها معروفة وكذلك تَسْمِيَتها. إنّها تُدعى تمرد الحشود.
لَكِنْ بسبب طابعها العجيب «المحيِّر» مِن الأفضل تَفادي كلمات مِن قبيل «تمرُّد» «جموع» «سلطة اجتماعية»، إلخ..، بِما تحمله مِن مَدْلول سِيَاسي حَصْري بالدرجة الأولى. ذَلِك أن الحياة العمومية ليس سياسة فقط، وإنما هِيَ قبل ذلك ثقافة، أخلاق، اقتصاد، دين في آنٍ واحد، تَحْوي كُلَّ الاستعمالات وتستوعب أنماط اللباس وأنماط الاستمتاع.
لَعَلَّ الطريقة الأنسب لِمُقاَربة هذه الظاهرة التاريخيّة تَتمثَّل في التفاتنا إلى تجربة بَصَريّةٍ بالتّركيز على مجموعة معيّنة مِن حِقبَتنا وليس تحليلها، أنا أُسمِّيها حَدَث التَّكتل -(حدث الازدحام إن شئت)- المدن أصبحت مكتظة بالناس. المنازل عامرة بالمستأجرين. الفنادق بالنُّزلاء. القطارات مكتظة بالمسافرين. المقاهي عامرة بالرواد. المتنزهات بالمارّة المتنزِّهين. عِيادات الأطبَّاء المشاهِير ممتلئة بالمرضى. العُرُوض الفرجوية يزدحم لِرُؤيتها المتفرِّجون. الشواطئ يَمْلؤها المُسْتحمُّون. مَا لَمْ يكن سبباً في أيِّ مُشكلة بالأمس صَار اليوم مُشكلة مستمرَّة تقريباً: مشكلة إيجاد مكان...
هُو ذَا. هَلْ ثَمَّة حَدَث أكثر بساطة، أكْثَر بُروزاً وامتداداً وثباتاً مِنْ هذا الحدث في حَيَاتنا اليوم؟ فَلْنُحاول الآن، وسيُفاجِئنا أنَ نَرى كيْف تنبثقُ منْه فَوْرةٌ غير مُتوقّعة، حيث الضوء الأبيضُ للنهار، لِهَذَا النهار للحاضر يتشوَّش في مجموع تلوينيَّته الداخلية الغنيَّة.
مَا الذي نَراه ويفاجئنا بشدّة لدى رُؤْيتنا إياه؟ نَرَى الجموع عَلَى ما هي عليه بما تتملَّكه مِن أماكن وأدوات صَنَعَتها الحضارة. ما إن نَتأمَل قليلاً ما نَرَاهُ حَتّى تفاجئنا مفاجأتنا نَفْسُها. مَاذا إذن؟ أَوَ لَمْ تُوضع المقاعد في المَسْرح لأجل أن تُشغَل، لكي تَمْتلئ القاعة. كذلك مقاعد القطارات وغرف الفنادق. نعم، لا شك. لكن القضيّة هنا أنَّ أيّاً من هذه الأماكن والوسائل ما كَانَ يعرف الامتلاء مِن قبل والآن أَضْحت تضيق بروادها. إِذَن رغم أَنَّ الظاهرة تبدو منطقيّة وطبيعية فلا ينبغي التغافل عن حقيقة، أنَّها لم تكن تحْصُلُ مِن قبل، وأنها وليدة الحاضر، ذلك يَعْني أن تغيُّراً، تجديداً قد حَصَل وَهُو ما يبرِّر، للوهلة الأولى بالأقل، مُفَاجأتَنا.
أن نتفاجأ أن نستغرب مَعناه أنَّنا بدأنا نفهم. الفهم هو رِياضة نوعية بالنسبة إلى المثقف...
كُلُّ ما فِي العَالَم يبدو غريباً وعجيباً بالنِّسبة إلى أَعْين متنّبهة. هَذَا الاندهاش يَقُود المثقَّف عَبْر العَالَم وهو في حال نَشَوة دائمة هي نشوة الرَّائي. ميزته هي العَيْن المذهولة. لذلك منح القُدَامى لمنيرفا رمْزَ البومة ذات العَيْنَيْن المنبهرتين على الدوام.
التَّكتلّات، ظاهرة الممتلئ لَمْ تَكُن مُتَواترة مِن قبل فلماذا أَصْبَحتَ اليوم هي السائدة؟
إن مُكوِّنات هذه الحُشود لَمْ تَأْتِ مِن العدم. نَفسُ العَدَد مِن السكَّان تقريبا كَانَ موجوداً قبل خمسة عشر عَاماً. وبَعْد الحرب بَدَا طبيعيّاً أن يتناقص ذلك العدد. الأفْرادُ الذين يكوِّنون هَذه الحشود كانوا موجودين مِنْ قَبْل، لكن لَيْس كحشود أو جماهير. كانوا موزَّعين عَبْر العالم في جماعات صغيرة، أو منفردين يعيشون حياة تبدو مختلفة، منفصلة، بعيدة أو متباعدة. كُلٌّ من هؤلاء فرداً كان أو مجموعة صغيرة كان يشغل مكاناً في الحقل في القرية، في البلدة، في حيٍّ من أحياء المدينة.
والآن فجأة يظهرون في شكل تكتّلات. حيثما وَجَّهنا بَصَرنا نَرى الجموع في كلِّ مكان. في أيِّ مكان؟ لا، بل بالضَبَّط في أحسن الأماكن التي هي مِن الاختراعات المرفَّهة نسبيّاً للثقافة الإنسانية، بعدما كانت مخصّصَة مِنْ قَبْل لمجموعات قليلة، أيْ للأقلية في نهاية الأمر.
فجأة أَصْبَحت الحشود مرئيّةً، فرضت وجودها في المحلّات الراقية، في المجتمع. مِنْ قبل كانت تمرُّ، إن مرّت، سَاهيةً. كانت تحتلُّ مؤخّرة المسرح المجتمعي واليوم أصبحت هِيَ الشخصية المركزية. لم يَعُد للأبطال وجود. وَحْدَها الجوقة تَصُول وتجول فوق الخشبة.
مفهوم الحشود مفهوم كَمِّيٌّ ومرئيٌّ فلنترجمه من دون تحريفه إلى المصطلحات السوسيولوجية، حِينئذٍ نَحْصل على فكرة الكُتلة أو المجموعة الاجتماعية. المجتمع هو دَائماً وَحدة ديناميّة مكوّنة مِن عنصرين: أَقلِّياتٌ وجموع. الأقليات قوامها أفراد أو مجموعات أفراد يتمتَّعون بمؤهِّلات نوعيّة. الكتلة أو الحشد هِي مجموعة أشخاص لا تتوافَّر على مؤهِّلات نوعية بالضرّورة. لا ينبغي أن يُفهم إذن مِن لفظة حَشد أو كتلة «جماهير العمَّال» بصورة أساسية. ذلك أنَّ الحَشْد يتمثَّل في الإنْسان المتوسِّط، لنقل في «الطّبقة» الوسطى.
وَهَكَذا يتحوَّلُ ما كان مفهوماً كَمِّيّاً خالصاً – الحشود - إلى تعيين وصفي: إلى تلك الصفة المشتركة المميّزة للفرْد مِن حيث عدمُ اختلافه عن الآخرين مثله، مِن حيث كَوْنُه يكرِّر في ذاته نموذجاً نوعياً.
لَكِن ما الذي رَبحناه بهَذَا التحوُّل من الكَمِّ إلى النّوع؟ بَسِيطٌ جدّاً، مِنْ خلال هذا نَفْهَم أَصْلَ ذاك. أمر بديهيٌّ بل وتحصيلُ حاصل أن يتضمَّن التَكوين العادي للحَشْد تَطَابُقَ رَغَبَاتٍ وأفكارٍ عَنْ نَمطْ الكينونة لَدَى الأفراد الذين يُمثِّلونه.
قَدْ يقال إنَّ هَذَا ما يَحدث مع كُلِّ مجموعة اجتماعية مَهَما حَاوَلتْ أَنْ تتميَّز أَوْ تَمْتَاز على غيرها بالفعل، لكن ثَمَّة فارق جوهري:
في المجموعات التي تتميّز بكونها لَيْسَت حَشْداً يكون التوافق الفعلي بين أعضائها قائماً على رغبة أو فكرة أو مِثال، مِمَّا يَسْتَبعد تلقائِياً العدَدَ الواسع مِن النَّاس. لِتَشكيل أقلّية أيّاً كانت مِن اللازم أن ينفصل قَبْليّاً كُلُّ وَاحِدٍ من الحشد لِأسْباب خاصة فردانية نِسْبيّاً. توافقُه مع الآخرين مِمَّن يكوِّنون الأقلية، إذَن، مسألة ثانوية بَعْديةٌ تأتي مِن تفرُّد وتميّز كُلُّ وَاحِد من أعضائها. فهي لذلك في جَانب مِنْها توافقيةٌ ضِمْنَ عَدَم توافق. ثمة حالاتٌ يبدو الطابع المميِّز للمجموعة فيها مشابهاً للتقلُّبات الجوّية، أعني المجموعات الإنجليزية التي تسمِّي نَفْسها «اللاتقليدية»، أيْ تجمُّعُ مَنْ يتوافقون فقط عَلَى عَدم تقليديتهم إِزاء الحَشْد اللَّامحدود. هَذَا الاتِّحاد هو الذي يجمع الأقلَّ من الناس دائماً في تكوين كُلِّ أَقَلّيةٍ.
عن الجمهور «النُّخبوي» الَّذي يَسْتمع إلى موسيقيٍّ مُرْهف يقول مَالارمي: إنه برهافته المعتادة، بِحُضوره العَدديِّ القَليل يُؤكِّدُ غياب الأكثرية.
وبالفعل، يمكن تعريف الحَشْد كَواقعة سيكولوجيّة من دون دَاعٍ إلى أن نَرى مَا بِهِ يتشابه الأفراد داخل تكتُّل معين. فأمام شخص واحد نستطيع معرفة إنْ كان ينتمي إلى الحَشْد أَوْ لا. إِنَّ الحشْد هو كُلُّ ذاك الذي لا يُقَيَّم لِذَاته – خيراً أو شرّاً – لأسباب خاصّة، وإنَّما يشعر أنَّه «مِثْل جميع الناس» وَمَع ذلك، فَهْو غير قَلِق أو مُغتَمٍّ بل يتمتّع بالرضا بإحساسه أنَّه متطابق مع بَاقِي الناس. لنتخيَّل رَجُلاً مُتواضعاً عند مُحَاولته تقييم نفسه بَناءً على معايير خاصة بأن يسأل نفسه إنْ كانت له موهبة في هذا المجال أو ذاك، إنْْ كان مُتفوِّقاً في أَمْر معين، يتنبَّه إلى أنَّه لا يملك أيَّ مِيزَةٍ بارزة. هذا الرجل سيشعر بأنَّه متواضع وعامِّيٌّ، غير أنَّه لن يُحِسَّ بأنه «حَشْد».
حينما يجري الحديث عن «أقليات مختارة» فإنَّ الإساءة المُعْتَادة تأتي مِن التَّأويل المُغْرِض لهذه العبارة، بِتَجَاهُل كون الإنسان المختار لَيْس ذلك المزهوَّ الذي يعتبر نفسه أَعْلى مِن الآخرين، وإنما ذلك الأشدُّ تطلُّباً من الغَيْر وَلَوْ لَمْ ينجح دائماً في تحقيق تلك التّطلّبات العليا.
ولا شَكَّ في أنَّ التَّقسيم الأكثر رَادِيكالية الذي طُبِّق على الإنسانية هو هذا الَّذي يجعلها مكوَّنة مِن طبقتين من المخلوقات: الطبقة التي تُلزم نفسها بتحقيق الكثير وتضع على عاتَقها وَاجبات ومسؤوليات وتلك التي لا تُحمِّل نفسها أيَّ مسؤوليات خاصة. العيش بالنسبة إليها هو أن تكون في كلِّ لحظة ما كَانَتْه مِنْ قبل، من دون جهد في التكوين والتحسين الذاتي لنفسها، مُفضّلةً أن تبقى مثل عوَّامات مُنْساقة مع التَّيَّار.
هَذَا يذكّرني بالبوذيّة الأورثودوكسيّة التي تتكون مِنْ ديانتين مختلفتين: واحدةٍ شديدة الصَّرامة والتطلّب، وهي المَاهَايانا، والأخرى تتميز بالرخاوة والتّساهل والابتذال هي: الهِنَايانا الأمْر الحاسم هُنَا هو أين نضع حياتنا: في المَرْكَب ذي التطلّبات القصوى أم في مَرْكَبِ التطلّبات الدُّنْيَا؟
إن تقسيم المجتمع إلى جموع وأقليات ممتازة ليس إذن تقسيماً إلى طبقات اجتماعيّة وإنّما إلى طبقات من الناس وهو قَابِل لِلتَّطابق مع التقسيم إلى طبقات عُليا وطبقات سُفْلى.
لا شكَّ في أن المنتمين إلى «الطبقات العليا» حينما يصبحون جديرين فعلاً بمؤهّلاتهم بأن يكونوا من الصفوة يكون حَظُّنا أوفر وأكبر في أن نَجد بينهم رجالاً يتبنّون الطريق الأوعر: طريق التطلبّات القصوى، بينما تَبْقَى الطبقات الدُّنيا معدّة لِلْأَفراد المفتقرين إلى المزايا النوعيّة. لكن في الواقع داخل كل طبقة اجتماعية يُوجَدُ حَشْدٌ هو الغالب وَمَعه أَقَلِّية نوعية. مسألة الهيمنة إذن هِي خاصيَّة مِن صُنْع الزَّمن حتى في المجموعات ذات التقليد الانتقائي مِن الحشد والعامَّة. هكذا يُلاحَظُ في الحياة الثقافية التي تفترض التَّوصيف بِطَبيعَتها النَّجاحُ المتزايد لِأَشْباه المُثَقَّفين عَديمي الأهلية غير القابلين لها بِحُكم تكوينهم ذاته. نَفْسُ الملاحظة تنطبق على المجموعات الباقية من «طبقة النبلاء والنبيلات».
وعلى العكس من ذلك ليس مِن النادر أَنْ نجد اليوم من العمَّال مَن كانَ مِن الممكن من قبل أنْ يُمثِّلوا المَثَل الأصْفى لهذا الذي نُسميَّه «كُتْلة»: أَرواحاً عالية التأديب والانضباط.
والآن حسناً: ثمة في المجتمع عمليات وأنشطة ووظائف متنوِّعة المزايا هي بِطبيعتها تخصصيّة ولا يُمكن تَبعاً لذلك أن تُنفَّذَ على النَّحو المضبوط إلا من مَواهب مُختصّة أيضاً. مثال ذلك أنَّ بَعْض الأعمال الإبداعية ذات الطبيعة الفنية الرفيعة أو الوظائف الحكومية والسيَّاسية المرتبطة بالشؤون العمومية كانت تمارس مِن قَبْل مِن لَدُن أقَلّيات مُؤَهلة بالفعل أو بالافتراض على الأقل. لم تُحاول العامَّة المساهمة فيها لمعرفتها بأنَّ ذلك يَستوجب اكتسابها تِلْكَ المؤهلات التخصّصية وتخلّيها عن أن تكون مِن الحشود. كانت على معرفة بِدَورها ضِمْن دينامية اجْتماعية صحِّيّة.
إذا رجعنا الآن إلى مَا سَبَقَ أنْ أَوْرَدناه في بداية المقال ستبدو تلك الوقائع كعلامات على تغيُّر واضح في مَوْقف الحشود، لأنها جميعها تَدُلُّ عَلَى أنَّها – الحشود – صَمَّمتْ على التقدُّم إلى الطبقة الاجتماعية الأولى لتحتَّل المراكز وتستعملَ الأدوات كلّها وتتمتَّع بالامتيازات والملذَّات التي كانت من قبل مَقْصورة على قلائل. من الواضح مثلاً أن المراكز لَمْ تُعدَّ لِأَجْل الحشود لِأنَّ فَضَّاءها جدّ محدود لذلك يمتلئ بها الجمهور بما يُجاوز حدودها مُظْهراً للأعين وبلغة المرئيِّ الحدثَ الجديد: هُو ذا الحشد، بِدُون أن يتخلَّى عن كَوْنه حشداً، يَحُلُّ مَحلَّ الاقلِّيات.
لا أَحدَ، حَسْب اعتقادي، سَيَحْزَن لكون الجماهير تستمتع اليوم بقسط أَكْبر وعَدَد أكبر مما كانته بالأمس ما دامت تمتلك الرغبة والوسائل لأجل ذلك. الأمْر السيئ هنا هو أنَّ هَذَا القرار المتَّخَذ من الحشود بالاضطلاع بالأنشطة الخاصّة بالأقلّيَّات لا يتجلَّى وَلا يستطيع أن يتجلّى فَحَسْبُ في نطاق الملاهي والمتع بَلْ هو نمط زَمَنيٌّ عَام، نَمَطُ عَصْر ولربَّما عصور قادمة. لذلك أعْتقد، مُسْتَبِقاً مَا سَنَراهُ لاحقاً، أنَّ الابتداعات السياسيّة للسنوات الأخيرة لا تَعْني شيئاً سوى السيطرة السياسية للحشود. الديمقراطية العجوزُ عاشت بفضل جُرعات زائدة مِن مسكّنات الليبيراليّة والحَمَاس للقانون. والفرد بخدمته لهذه المبادئ يصبح مُجْبَراً على أنْ يخضع لنظام صَعْب، إذ وحدها الأقليات قادرة على أن تعيش وَتقوم بدورها محتمية بالمبدأ الليبيرالي والقاعدة القانونية. ذلكَّ أنَّ الديمقراطية والقانون والتعايش القانوني مرادفات لا تنفصم. نَحْن نَرى اليوم انتصاراً لِديمُقْراطيّة «مُفْرطة» تتصرَّف فيها الحُشُود دون مبالاة بالقانون بواسطة ضغوطٍ مادّية فَارِضةً تَطلُّعاتها وأذواقها. غَيْر صحيح تفسيرُ الأوضاع الجديدة كما لو كانت الجموع تَعِبتْ من السياسة فتركت شأنها لأشخاص مختصّين بها. بل العكس تماماً هو الصحيح. ذلك ما حَدَث مِن قبل، تلك كانت الديمقراطية الليبرالية. الجموع اعتقدَتْ مع كلِّ عيوبها وشوائبها أنَّ الأقليَّات مِن السياسيين تملك فهماً أَفْضل منها نسبيّاً.
أمَّا اليوم فالجموع تعتقد، خلافاً لذلك، أنها تملك حَقَّ فَرْض القانون بالقوّة... وإنني لأَشكُّ في أن تكون الجماهير وَصَلَتْ في حقب سابقة من التاريخ إلى الحكم بطريقة مباشرة عَلَى نَحْو ما نراه في زمننا. لذلك أتكلم عن غُلَواء الديمقراطية.
الشيء نفسه يحدث في بَاقِي المجالات وبصفة خاصة في المجال الثقافي، رُبَّما أكون على خطأ، غير أنَّ الكاتب إذ يمسك القلم لِيَكْتُب عن موضوع دَرَسَه لمدّة طويلة عليه أن يفكّر أن القارئَ المتوسِّط الذي لم ينشغل قطُّ بالموضوع إذا قرأ مقالة الكاتب فَلَنْ يقرأها بهدف أن يتعلَّم شيئاً مِنْه، بل بالعكس، لكي يُصْدر حُكْماً «نهائياً» عليه إنْ لم يتوافق مع التُّرّهات التي يحملها هذا القارئ في ذِهنه...
إنَّ ما يميّز اللحظة الراهنة هو أنَّ الرُّوح العاميّة، بمعرفتها أنها عاميّةٌ، تملك شَجَاعة تأكيد عَامِّيَّتها وتفرضها في كل مَكان. في أميركا الشمالية يقال: أن تكون مختلفاً معناه أنَّك قليل الحياء. الحَشْد يستبيح كُلَّ هو مُخْتلف رفيعٌ فرديٌّ مَوهوب متفرِّد. مَنْ لَيْس مثل الجميع، مَنْ لا يُفكِّر مِثْل الجميع يُعرِّض نَفْسه للإقصاء. وبالطبع فإنَّ «مِثل الجميع» هذه ليست هي «الجميع». «الجميع» هي اتّحاد مرَكَّب مِن جموع ومِنْ أقلّيَّات متباينة مخصوصة. واليوم العالم كُلُّه حشودٌ وحسب.


نضج الأزمنة
قَبْلَ ثلاثين عاماً لا أكثر كان السياسيون يَخْطبون أمام الحشود الغفيرة مُنَدِّدين بهذا الإجراء الحكومي أوْ ذاك باعتباره دُون مستوى الأزمنة. مِن المثير التذكير بأنَّ هذه العبارة نفسها وَرَدَتْ في رسالة تراخانو الشهيرة إلى بيلينيو لَمَّا نَصَحه بِأَلَّا يُلَاحِقَ المسيحيين بمقتضى الإبلاغات المجهولة. ثمة، إذن، العديدُ مِن العصور في التاريخ توافر لديها الإحساس بكونها على وشك الوصول إلى عُلوٍّ مكتمل نهائي. إنَّها الأزمنة التي يَسُود فِيهَا الاعْتقاد بالوصول إِلَى نهاية رحلة اكتملَتْ فيها مهمة قديمة وَأُمْنية كل العصور. ذلك هو «اكتمال الأزمنة» النضج التَّامّ للحياة التاريخيّة. منذ ثلاثين عاماً، بالفعل، اعتقد الأوروبي أن الحياة الإنسانية وَصَلَتْ إلى ما كان يجب أن تَصِلَ إليه، إِلَى ما ظَلَّتْ أجيالٌ كثيرة متعاقبة تتوق إلى تحقّقه، إلى ما يجب أن يستمرّ إلى الأبد.

شيء عنه
درس خوسه في مدريد ثم تنقَّل للدراسة والبحث بين مدن ألمانية عديدة. عمل في تدريس الفلسفة في جامعات ومعاهد عليا في مدريد.
بعد الحرب الأهلية الإسبانية، استقرَّ في لشبونة بعد إقامات قصيرة في باريس، أمستردام، بوينس أيريس. اختار بعد الحرب العالمية الثانية الإقامة في ألمانيا؛ لأنه وجد فيها المناخ الملائم للتعبير عن أفكاره بما يليق بصيته ومكانته، لكنْ بدون التخلِّي عن العودة عبر إقامات محدودة في إسبانيا حتى وفاته في 1955. مؤلفاته المنشورة خلال حياته، وبعدها كثيرة متنوّعة المقاربات أغلبها مكوَّن من مقالاتٍ اعتاد نشرها في الصحف.

زمن أعلى من ذاته!
أي معنى لِعُلوِّ زمننا؟
إنه ليس امتلاءَ الأزمنة ومع ذلك يُحَسُّ بأنه فوق كلّ الأزمنة وأَعْلى مِنْ جميع الامْتلاءات المعروفة. ليس مِنَ السَّهل صياغة الانطباع الذي يملكه عَصرنا عن نفسه: إنه يرى بأنه أكبر مِن سواه من العصور وفي الآن نفسه يشعر بذاته كبداية، دون أن يكون على يقين بأنه ليس مجرَّد احتضار. أيُّ تعبير نختار له؟
رُبَّما هذا التعبير: زمنٌ أَعْلَى مِنْ بقية الأزمنة وَأدْنَى مِن ذاته. قويٌّ جداً وفي الوقت نفسه غَيْرُ متأكِّد مِنْ مصيره. مُزْهُوٌّ بِقُدراته ومتخوِّف منها في آن واحد.