صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

ارتفاع أسعار الأغذية يهدد بـ "التهام" النمو الاقتصادي العالمي

إعداد - محمد عبدالرحيم:

زاد ''الوقود الأخضر''، أي المستخرج من المحاصيل الزراعية وبشكل خاص الذرة، ارتفاع أسعار السلع الزراعية اشتعالاً، فقد أدى الطلب المتنامي على ''المواد الخام'' لهذا الوقود إلى رفع أسعار الأغذية والأطعمة في جميع أنحاء العالم ليكشف عن مصدر جديد للضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي، علاوة على أن الارتفاع في أسعار الغذاء بات يثير الإحباط في نفوس المستهلكين خاصة في الدول الفقيرة نسبياً مثل الهند والصين·
إذا ما قدر لهذا الاتجاه أن يكتسب المزيد من الزخم فإن الأمر سيسهم بلا شك في إبطاء وتيرة النمو العالمي كنتيجة طبيعية لنأى المستهلكين عن الإنفاق على السلع الأخرى أو تشجيع البنوك المركزية على محاربة التضخم عبر زيادة معدلات الفائدة·
وشرع رجال السياسة في الأسواق التي تعتبر تكاليف الغذاء فيها أمراً يتسم بالحساسية المفرطة في اتخاذ إجراءات لكبح ارتفاع الأسعار قبل أن تؤدي إلى مخاطر اقتصادية أكبر وقعاً أو اضطراباً وفوضى في إمدادات الوقود·
وما يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه السياسات كافية لاحتواء الضغوط الحالية أو عما إذا كانت ستفضي أسعار الغذاء إلى تضخم على المدى الطويل وبشكل يتماثل مع ارتفاع أسعار النفط والسلع الأخرى التي ظلت تتصاعد إلى عنان السماء·
وكما ورد في صحيفة ''وول ستريت جورنال''، فقد أصبح من المتفق عليه أن أحد الأسباب الرئيسية في تضخم أسعار الغذاء يكمن في زيادة الطلب على الايثانول الذي ينتج من الحبوب وزيت النخيل والسكر والمحاصيل الأخرى، فقد رفع الطلب عليه أسعار هذه السلع علاوة على تكاليف منتجي جميع السلع الأخرى من اللحوم، مروراً بالبيض وانتهاء بالمشروبات الغازية· وفي بعض الحالات شرع المنتجون في تمرير وإلغاء هذه التكاليف على عاتق المستهلكين في مشارق الأرض ومغاربها·
كذلك، فقد ساهم النمو الاقتصادي العالمي - بقيادة الصين والهند - المستمر إلى رفع مستوى استهلاك الأغذية بشكل بات يهدد بالمزيد من الضغوط التضخمية·
ويقدر معدل ارتفاع أسعار الغذاء في المجر على سبيل المثال بـ 13 في المئة سنوياً مقارنة بأقل من 3 في المئة في عام ،2005 وفي الصين بمعدل 6 في المئة أي بثلاثة أضعاف المعدل قبل عام من الآن·
أما في اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم فإن جميع المؤشرات بدأت تدل على ارتفاع عام للأسعار بعد فترة مطولة من التباطؤ الاقتصادي·

وبدأت الولايات المتحدة تشهد أيضاً بعض الصعوبات بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء بمعدل 3,1 في المئة في فبراير مقارنة بمستواها قبل عام من الآن، وبمعدل أعلى بواحد في المئة مما كانت عليه في منتصف العام ·2005
ويتوقع اقتصاديون ارتفاع أسعار الأغذية في أميركا بمعدل أعلى من المعدل العام للتضخم خلال العام الجاري بع زيادة أسعار اللحوم والبيض والدجاج إلى مستويات جديدة· وإذا قدر لهذا الاتجاه أن يستمر، فمن المرجح أن يواجه المستهلكون الأميركيون زيادة مستمرة في مختلف السلع طالما أن الحبوب والمحاصيل تستخدم عادة في تغذية المواشي وإنتاج العصائر العالية التركيز بمادة الفروتكوز أحد المقادير الرئيسية في إنتاج المشروبات الغازية·
وكان المتحدث الرسمي للاتحاد الوطني لصناعة الدواجن الأميركية قد قال في شهادته أمام اللجنة الفرعية في البرلمان إن على الأميركيين أن يتوقعوا زيادات في أسعار الدجاج بسبب ما وصفته المجموعة بـ ''أزمة الايثانول العالمية''·
وظلت التنبؤات المتشائمة تتواتر بشأن حدوث نقص مريع في الغذاء في الصين وأماكن أخرى من العالم لسنوات طويلة خلت، إلا أنها لم تتحقق حتى الآن، بينما مازال بعض الاقتصاديين يعتقدون أن ارتفاع الطلب الحالي على المحاصيل والحبوب ربما يمكن تلبيته دون أن يلحق ذلك أضرارا جسيمة بالاقتصاد العالمي·
ويرى خبراء أن أسعار الغذاء سوف تعود للانخفاض بمرور الوقت خاصة إذا ما عمدت الدول التي لديها المزيد من الأراضي الصالحة للزراعة مثل البرازيل إلى زيادة الإنتاج· ويبدو أنهم يعتمدون في ذلك على أن التقدم التكنولوجي سيفضي إلى تحسين أنواع البذور بامكانه المساعدة على زيادة الإنتاج بشكل يجعله يلحق بالطلب·
ويرى البعض أن ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية لا يعتبر أمراً سيئاً للجميع، حيث يمكن أن يؤدي إلى زيادة مداخيل مزارعي الدول النامية الذين طالما ظلوا متخلفين عن أقرانهم في قطاعي الصناعة والخدمات· وفي بعض الحالات فإن الطلب المتنامي على الأغذية يعكس أيضاً تنامي الثروة في أيدي المعوزين ضمن التعداد السكاني في جميع أنحاء العالم، أما الأهم من ذلك فهو أن ارتفاع الأسعار لم يؤد حتى الآن إلى زيادة حادة في معدل التضخم العالمي الذي ظل منخفضاً ومستقراً نسبياً·
وعلى العكس من الفريق المتفائل، يعتقد بعض الاقتصاديين أن القوى التي أدت إلى موجة الارتفاع في أسعار الأغذية من شأنها أن تستمر وتعاود الظهور مجدداً في السنوات المقبلة فالعديد من الدول باتت تواجه مشكلة النقص في الأراضي والمياه بشكل لم يحدث في الفترات الماضية التي شهدت ارتفاعا في أسعار الأغذية· ولن يصبح بامكان هذه الدول زراعة المزيد من المحاصيل لتخفيف حدة المشكلة ولاحظ الباحثون في مصرف ''يو بي اس'' السويسري أن متوسط أسعار الأغذية في الصين ارتفع في فترة الخمس سنوات الماضية إلى أكثر من مستواه في السنوات الخمس الأسبق بعد أن تم الاستحواذ على المزيد من الأراضي الزراعية لمصلحة المصانع والمباني السكنية العالية·
كذلك فإن التغير الذي طرأ على أساليب تناول الطعام أصبح يفاقم المشكلة، فقد أتاح ارتفاع مداخيل المستهلكين في جميع أنحاء العالم تناول المزيد من الأطعمة ويقر بعض الاقتصاديين بأن الصين والهند تقتربان من النقطة التي لم تعد فيها كميات المحاصيل والسلع كافيه لمقابلة الطلب المحلي بحيث تمنع المزيد من الارتفاع في أسعار الأغذية· وفي الحقيقة فقد تمكنت الصين والهند من إنتاج بعض المحاصيل بكميات قياسية في السنوات الأخيرة ولكن الأسعار لم تكف عن الارتفاع·
أدنى مستوى
أصبح مخزون الحبوب العالمي في أدنى مستوى له طوال فترة 30 عاماً بعد سنوات عديدة من النمو الاقتصادي العالمي القوي· ومن المقدر أن يشهد المزيد من الانكماش إذا عمد المزارعون إلى تحويل المزيد من المحاصيل إلى ايثانول أو أنواع أخرى من الوقود، ووفقاً لبعض التقديرات فإن 30 في المئة من حصاد الحبوب الأميركي من المرجح أن يتم تكريسه لإنتاج الايثانول بحلول العام 2008 أي أكثر بكثير من معدل 16 في المئة في عام ·2006
وعلى الرغم من أن هذه البنوك المركزية ظلت تواجه قفزات مستمرة في أسعار النفط والطاقة، إلا أن معظمها لم يعتد التعامل مع استمرار فترات زيادة أسعار الأغذية، فمنذ حقبة السبعينيات من القرن الماضي ظل التضخم في أسعار الأغذية على استقرار نسبي حتى مع صعود مستوى المداخيل في جميع أنحاء العالم بشكل سمح للمستهلكين بتناول واستهلاك المزيد من الأطعمة والغذاء· وظلت البنوك المركزية في السنوات الأخيرة تحاول تجاهل الارتفاع الذي حدث في أسعار الغذاء طالما أنه لم يخرج عن السيطرة لاعتقادها بأنه أمر طارئ لن يستمر طويلا·
ويتوقع أن يجبر استمرار ارتفاع أسعار الغذاء البنوك المركزية على إبقاء معدلات الفائدة مرتفعة بكثير عن مستوياتها المتوقعة، وعلى سبيل المثال فإن الهند من جانبها عمدت إلى رفع معدلات الفائدة مرات عديدة خلال العام الماضي من أجل مكافحة التضخم في أسعار الغذاء· وقال كارل وينبيرج كبير الاقتصاديين في معهد هاي فيركونسي ايكونوميكس في نيوورك: في آخر مرة انخفض فيها مخزون الغذاء إلى هذا المستوى في عام 1972 فإن الأمر لم ينته إلى تضخم في الأسعار، أما في هذه الأيام فإن التضخم في الأسعار مضى إلى ارتفاع ليس بسبب ارتفاع تكاليف النفط فقط، بل أيضاً بسبب القفزة العالمية في تكاليف إنتاج الأغذية نفسها بشكل بات يهدد بحدوث كساد في الولايات المتحدة الأميركية وتباطؤا في الاقتصاد العالمي·
ومنذ حقبة السبعينيات يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وسائر البنوك المركزية الأخرى خلصت إلى أن بإمكانها تجنب رفع اسعار الفائدة في مواجهة الزيادات العابرة والمؤقتة في أسعار الطاقة والأغذية إذا ما استطاعت التسلح بالمصداقية الكافية كمحارب للتضخم متى ما تمكنت من النأي بارتفاع الأسعار من التأثير على بقية الاقتصاد، بيد أن مخاطر التضخم الحالي تبدو أكبر تأثيراً على الاقتصاديات النامية، ففي الفلبين على سبيل المثال نجد أن الغذاء يشكل 50 في المئة من سلة السلع المضمنة في مؤشر أسعار المستهلك لتحديد وقراءة مستوى التضخم·
فواتير الغذاء
في أحد الأسواق المفتوحة بضواحي شنغهاي ذكر متسوقون أنهم أصبحوا يدفعون مبالغ باهظة بعد أن ارتفعت الأسعار لأكثر من ضعفها في العام الماضي من أجل شراء الخضروات، بينما قفزت أيضاً أسعار اللحوم والزيوت· وتقول اكسو وين، المتقاعدة عن العمل: إن مثل هذه الزيادات في الفواتير أصبحت تلقي بالمزيد من الضغوط على حياتنا اليومية''· وأشارت إلى أنها وزوجها أصبحا ينفقان أكثر من نصف الدخل الشهري على الأطعمة، وهي نسبة من المقدر لها أن تمضي إلى ارتفاع بمرور الوقت·
ولم يفت ذلك على المسؤولين الحكوميين، ففي ديسمبر الماضي قام رئيس الوزراء الصيني وين جياباو بجولة في أحد محال السوبر ماركت في بكين من أجل التحقق من مستوى الأسعار· وشرعت الصين أيضا في تخفيض وقصر زراعة محاصيل إنتاج الايثانول على مناطق بعينها حتى تضمن أن هنالك حبوبا كافية للاستهلاك البشري والحيواني، بل إن المسؤولين في الدولة سارعوا إلى حظر بناء ملاعب الجولف الجديدة في الأراضي الزراعية، وأوقفوا تقديم المساعدات التي كانوا يدفعونها لموزعي الحبوب والقمح الذين درجوا على تصدير الفائض من الحبوب إلى الخارج·
رغم ذلك، فإن المحللين مازالوا يقدرون المخزون الصيني من فائض الحبوب لا يزيد على 30 طنا متريا حالياً، أي أقل بكثير عما كان عليه في مستوى 100 مليون طن متري في نهاية العقد الماضي بسبب ارتفاع الطلب، وهو أمر يشير إلى أن الصين أصبح لديها شهران أو ثلاثة أشهر فقط من المؤن الفائضة وفقاً لمعدل الاستهلاك الحالي وبشكل يجعل الدولة معرضة إلى أزمة خانقة إذا ما تعرض المحصول إلى أي من الظروف الطبيعية القاهرة·
ويشير بعض الاقتصاديين إلى أن الصين يتعين عليها اتخاذ المزيد من التدابير الصارمة لمنع حدوث أي مشاكل غذائية مستقبلية، وهذه التغيرات يمكن أن تتضمن السماح بانتشار المؤسسات الزراعية الكبرى والفاعلة، لكن ذلك قد يجبر صغار المزارعين على الخروج من السوق كما حدث في الولايات المتحدة في العقود الماضية· إلا أن هذه الخطوة لها خطورتها في الصين، حيث ترغب الدولة في الحفاظ على وظائف ومهن عشرات الملايين من أهالي الأرياف· وتمتد هذه الضغوط إلى الهند أيضاً حيث تجأر مونيكا كاتيال، ربة المنزل التي يبلغ عمرها 32 عاماً، بالشكوى من أنها أصبحت مجبرة على التخلي عن مشترواتها من السلع الكمالية مثل مواد التجميل بسبب ارتفاع فاتورة العائلة لسلع البقالة إلى أكثر من 50 في المئة في نيودلهي· وبالإضافة إلى اللجوء إلى زيادة أسعار الفائدة فقد عمد المسؤولون الهنود أيضاً إلى خفض رسوم استيراد الذرة وحظر تصدير القمح حتى تضمن توفير المؤن الخاصة بالاستهلاك المحلي، لكن هذه التدابير قد تفاقم من مشكلة الفقر، ويبدو أن المشكلة الرئيسية تكمن في أن بعض المحاصيل لا تنمو بالسرعة الكافية التي تجعلها تواكب الطلب المتسارع على الغذاء في الهند·
وعلى سبيل المثال فإن إنتاج الحبوب في الهند قفز بمعدل 4 في المئة سنوياً منذ العام ،2001 بينما أصبح يزداد الطلب عليها بمعدل 5,5 في المئة سنوياً، كما يشير أميت ساشديف محلل الصناعة الزراعية في نيودلهي، والذي أضاف بقوله: كلما أمعن النظر في هذا الاتجاه يتبين لي أن الاحتياجات تمضي في صعود وبسرعة أكبر بكثير مما يمكن إنتاجه في الهند·