الاتحاد

دنيا

«ضمير الطفل» كائن حي يستشعر معايير الضبط الاجتمـاعي مبكراً

التواصل مع الأقران ينمي شخصية الطفل

التواصل مع الأقران ينمي شخصية الطفل

إرشادات المرور وأنظمته تحدد أماكن السير وعبور الطرق، وأن من الخطر عبور الطريق إلا من خلال مناطق عبور المشاة المحددة. لكن كثيراً من الكبار يحلو لهم أن يكسروا القواعد الثابتة أو يرتكبوا الأخطاء والمخالفات أو لا يروق لهم التقيد بتنفيذ القانون. هنا نجد الابن الصغير يتدخل ويقول «لا». وهنا قد تقوم معركة بين الأب والابن، فالكبير يستكبر أن«يعلمه» الصغير بعض القواعد، وما دمنا نحن الكبار مصدر «الحق والواجب» و «الخير والإثم»، ما دمنا نحن الذين نعلم الصغار كيفية التمييز بين الصحيح وغير الصحيح - فكيف يتأتى لنا أن نقبل توجيه الصغير، ونحن ننصح الكبار بأن يعترفوا بالخطأ إذا ارتكبوه لأن هذا يسعد الطفل كثيراً، إنه يقوي في أعماقه القدرة على الضبط الاجتماعي، ويمده بالسعادة لأنه يعرف أننا نحن الكبار لم نعد المصدر الأساسي الذي يتلقى منه التعليمات، لكنه هو أيضاً يستطيع أن يلقي بالتعليمات. إن ضمير الابن ينمو باعترافنا له بالخطأ عندما نخطئ، لأنه يبدو كالقاضي الذي لا يقبل أي مخالفة لقانون الضمير والعالم عنده إما أبيض أو أسود.

بالإمكان تعليم وتشجيع الطفل على أساليب توجيه التساؤلات، وتحفيزه على حب المعرفة، والخيال، ولا يمنع إن ظل سلبياً أحياناً أن نسأله: «لماذا لا تسأل؟»، نسأله كيف يحكم على صحة الأشياء أو خطئها؟ وكيف توصل إلى أن هذا الفعل خطأ، أو أنه صواب؟ ، لنجعله ينتقد بعض الأحداث، ونسأله لماذا حدثت، وكيف؟ وإذا قرأ قصة ما ... نسأله عن أحداث القصة، وماذا ممكن أن تعمل لو كنت مكان البطل ؟، وماذا أحببت في القصة؟ ولماذا؟ وماذا كرهت فيها، ولماذا؟.
التفكير الناقد
الدكتورة عبلة عثمان- أستاذ سيكولوجية الفن بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، تقول:«علينا أن نعلم الأبناء أن من الأخطاء المتداولة في التفـكير الناقد الميل إلى الموافقة أو عدمها دون تأمل أو تفكير كاف، فالواجب أن يتعلم ألا يصدر الأحكام قبل توفر المعلومات والأدلة الكافية لديه.
وتوضح الدكتورة عبلة عثمان أن الطفل بطبيعته شخص خيالي، وقادر علي تنمية الصور الخيالية دون تناقض، فالطفل يبني معظم ألعابه الإيهامية في الخيال وقد تكون القدرة الخيالية أحد القدرات التي تتوافر لدي المبدعين أيضاً، ولكن يجب أن نتوقف قليلاً قبل أن نطلق صفة الإبداع التي يتمتع بها الكبار علي خيالات الأطفال، ولكني أسوق المقارنة هنا للاستدلال علي أهمية الخيال لدى كل من الطفل والمبتكر، لأن الخيال في حالة الاحتفاظ به لدى الكبار ينمي من تفكيرهم الإبداعي، وهذا هو المقصود بمواصلة الخيال، فربما يكون المبدع قد احتفظ منذ طفولته بنشاط تخيلي، وربما كان تمسكه بممارسة هذا النشاط الإبداعي هو المسؤول عن احتفاظه به على مستوى يمكنه من تناول المشكلات الإبداعية بقدر تحرره من جمود الواقع وتصلبه».
تنمية التفكير
ويقول الخبير التربوي الدكتور إبراهيم الحارثي: «إننا إذا استطعنا تنمية المهارات الجزئية لأنواع التفكير، فإننا نكون قد رفعنا معدل الذكاء عند الفرد، فهناك نشاطات تساعد على تنمية التفكير الإبداعي، مثل الصور، وهي مثير جيد يركز الطفل تفكيره عليه، ويطلب من الطفل أن يتأمل الصورة، ثم يصفها دون أن ينظر إليها، وقد يطلب منه تعليقاً عليها، أو يتوقع أسبابا للأحداث التي في الصورة، كذلك القصص المصورة، والسردية، ويطلب منه معرفة وجها ت النظر المختلفة التي تورد في القصة. فجلسات العصف الذهني وسيلة فعالة لتوليد الأفكار لحل المشكلات أوالاقتراحات الجديدة. أيضاً هناك الرسم، حيث يعد أحد الطرق للتعبير عن الفكرة خاصة عند الطفل، فالإنسان بشكل عام يدرك الشيء المرئي أكثر من الشفهي، ومن الممكن أن يطلب من الطفل رسومات معينة، أو يلونها، أو يرسم من خياله، أو يستنسخ رسماً من كتاب مصور، ومن الممكن أن يدار نقاش جميل بين الأسرة والطفل حول رسم معين، دون أن ننسى الإثابة والتشجيع التي ترفع من معنويات الطفل، وتحفزه كثيراً».
كائن مستقل
الخبيرة التربوية والنفسية الدكتورة كريمة العيداني، تقول: « لنراقب نحن الكبار بعض عاداتنا. إننا نجد في بعض ألوان سلوكنا ما يمكن أن تكون له علاقة بالخرافة، نخشى مثلاً أن نعبر طريقاً ما لأننا نتشاءم منه أو لأنه لا يعجبنا. نخشى أن نتصرف بشكل معين. لأن هذا التصرف يثير في أعماقنا خوفاً من المجهول. نخشى أن نتصور بأن الأب قد مات لأننا قد نحس بالذنب كأننا السبب في موته. يوجد هذا الخوف عند الطفل منذ العام السادس وحتى الثانية عشر من العمر.وهو خوف يجعل الإنسان جديراً بإنسانيته، فالإنسان في جزء من تاريخه، له علاقة بالخرافة وفي جزء آخر من تاريخه له علاقة بالخوف، وجزء من حاضره أن يمتنع عن «تخيل» الشر. وجزء من واقعه أنه يندفع دائماً نحو الخير، وهكذا ينمو الإنسان ليواجه الخرافة ويدحضها ويستبقي من العادات ما له علاقة بتطوره ونموه، والضمير أساس مهم في عملية نمو الطفل».
وتشير العيداني إلى أن الطفل يحاول بكل وسيلة أن يستقل عن أسرته. ويحاول أن «يسترضي» السماء في أفعاله. ويتقبل وجود الخالق ككائن أكبر من الجميع بما فيهم أسرته. ويبدو أمام الذين في هذه المرحلة ملجأ حميماً للاستقلال عن الأسرة. ويجد الطفل في قواعد الدين ما يؤكد له شخصيته وتبدأ عبادة الله كأساس مهم من أسس تكوين الشخصية المستقلة عن الوالدين. وهكذا نجد أن الطفل خلال رحلة الأعوام الستة التي تبدأ من العام السادس وتنتهي عند العام الثاني عشر، ينمو خلال هذه المرحلة من خلال نمو مشاعر الحب وتعلّم قواعد الأخلاق وتنمية القدرة على الضبط الاجتماعي بدءاً من تعلقه بالأم وانتمائه إلى الأب. ثم خروجاً من دائرة الأم والأب إلى عالم الاستقلال الشخصي، والقدرة على إدراك العالم الخارجي.
إن دور الأب هنا أن يكون صديقاً للابن يوجهه دون قسوة عند الحاجة إلى التوجيه ويوجهه في قسوة إذا تطلب الأمر ذلك. ويجب أن نتعامل مع الطفل خلال هذه الأعوام الستة على أنه شخصية مستقلة. لأن ذلك ينمي في الطفل الإحساس بالمسؤولية والكرامة ومعرفة الصواب من الخطأ. إن الرحلة التي يقطعها الطفل في هذه السنوات الست تمر في الظاهر بالتمرد على قوانين الأسرة، لكنه تمرد يحوي في داخله إحساساً بالمسؤولية الاجتماعية. إنه يتدرب على الدور المطلوب منه في المجتمع. يبحث عن موهبته ويبحث عن إيمانه ويبحث عن الصداقات التي يرتبط بها. وكلما عاملنا الطفل على أنه كائن مستقل. كلما استجاب لما نتمناه منه: نظافته. وقواعد السلوك والقيام بالواجب والقدرة على التعامل مع المجتمع. وكلما دخلنا معه في مناقشات لا نسيطر فيها بالرأي ولكن نشرح له التجربة، كلما ازدادت صداقته لنا وكلما ساعدناه في رحلة الاستقلال عنا. لأن الهدف طوال هذه السنوات الست هو أن يكون مستقلاً عنا له آلة أو جهاز للضبط الداخلي خاص به وهو الضمير.
توظيف اللعب
تشير الخبيرة التعليمية مديحة عزمي، إلى أن اللعب يعمل على إحداث تغييرات مرغوبة في البناء الجسمي وفي التكوين العقلي والنفسي للطفل، لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن يعرف ولي الأمر كيف يوظف اللعب لتحقيق هذا الهدف، وينصح الآباء والأمهات بتوفير الألعاب التي تلائم المرحلة العمرية للطفل، ولا تتعارض مع الثقافة التي يراد للطفل أن يتربى عليها، والتأكد من أنها لا تلحق به أذى. والتخطيط الواعي وتحديد الألعاب التي تعمل على تنمية جانب من جوانب شخصية الطفل الجسمية والعقلية والوجدانية والمهارية والاجتماعية. ونلفت الانتباه إلى أن بعض أولياء الأمور يخطئون إذ يعتقدون بأن اللعب لا فائدة ترجى منه، وأنه مضيعة للوقت وللجهد ، فيمنعون أبناءهم من ممارسة اللعب خوفاً عليهم، وهؤلاء الأطفال المحرومون يكونوا عاجزين عن مواصلة التعلم بصورة جيدة عند التحاقهم بالمدرسة، والأجدر بهم أن لا يحرموا أبناءهم من جني ثمرات اللعب، لأنه يساعدهم على بناء شخصياتهم بناء سوياً متوازناً».
وتضيف عزمي: «إن من أهمية اللعب التربوية والنفسية متعددة، فهو وسيلة من وسائل اكتساب السلوك القويم، ووسيلة من وسائل تطوير السلوك، ووسيلة من وسائل تحرير الطفل من التوتر النفسي، إلى جانب كونه وسيلة من وسائل تطوير التفكير، وتعليم الطفل القوانين والقواعد الأخلاقية والاجتماعية، ووسيلة من وسائل تفاعل المتعلم مع بيئته لأنه وسيلة من وسائل الإعداد للحياة».
تنمية الخيال
توضح التربوية نغم الهاشمي أن الألعاب التعليمية التي يمكن أن يمارسها الأطفال بوساطة الحاسوب لا حصر لها، وقد أصبحت من الكثرة بحيث بات كثير من المربين وأولياء الأمور يتوجسون خيفة من السلبيات التي قد تنجم عن إفراط الأطفال بممارستها، حيث يُستخدم الحاسوب الآن في التعليم على نطاق واسع، لأنه عميق الأثر متعدد الفوائد، ومن خلاله يمكن تعليم الأطفال وتدريبهم على المهارات وتزويدهم بالقيم، فالنشاط الموجّه أو غير الموجّه يقوم به الأطفال من أجل تحقيق المتعة والتسلية، ويستغله الكبار عادة ليسهم في تنمية سلوك وشخصيات أطفالهم بأبعادها المختلفة العقلية والجسمية والوجدانية، وهو يعد من مصادر التعلم المهمة ووسيلة من وسائله».


تحرير الشخصية

ترى الدكتورة عبلة عثمان أن تحرير شخصية الطفل، يقصد بها تنشئة الطفل متمتعاً بشخصية متحررة ومستقلة، تؤمن بقيمة الإنسان وبقدرته على الإبداع، فتنمية إبداع الطفل يجب أن تبدأ من الإيمان بأن لكل إنسان قدراته المبدعة إذا ما أتيحت له الفرص المناسبة. ولا يكمن الابتكار في مجال معين دون غيره من المجالات الحياتية، فالإبداع متخلل في كافة الأنشطة الإنسانية، ومتنوع بتنوع الحياة ذاتها، وبالرغم من ذلك فإن هناك بعض الأنشطة التي تتميز بالإبداع والابتكار أكثر من غيرها، كالمناشط التي يكون فيها الطفل إيجابياً، ومعبرا عن ذاته والعالم الخارجي بطريقته الخاصة. مثلما هو أحال في مجالات الإبداع الفني والأدبي والحركي، وفي اللعب. فالطفل حينما يمارس حقه الطبيعي في التعبير عن نفسه يكتسب الكثير من المكاسب الفرية والإبداعية.

اقرأ أيضا