صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

تعز المنكوبة تئن من الجوع والمرض وقهر الانقلابيين

طفل يمني ينتظر التزود بالمياه لعائلته في تعز المحاصرة (أ ف ب)

طفل يمني ينتظر التزود بالمياه لعائلته في تعز المحاصرة (أ ف ب)

ريم مجاهد (تعز)

«لم تعد حياتنا كما كانت.. لقد تحولت إلى جحيم.. أصبحنا ننام على حزن، لنصحو على فاجعة».. هكذا وصف عبدالحكيم مغلس أحد شباب تعز وضع الحصار والحرب المجنونة من جانب مليشيات الحوثي والمخلوع صالح الانقلابية على المدينة المزدحمة بالسكان التي طالها الدمار والتجويع في ضوء منع دخول المساعدات الغذائية والماء الصالح للشرب والأدوية بما في ذلك أسطوانات الأكسجين التي يحتاجها مرضى الحالات الخطرة. ويمكن اختصار الوضع في المدينة بما قاله رئيس بعثة الصليب الأحمر في اليمن انطوان جراند بـ «أنه مزرٍ بشدة حتى وفق مقاييس الظروف المروعة التي تعم اليمن».

المليشيات تمنع دخول كل شيء
تعد محافظة تعز الأولى من حيث عدد السكان (2.727 مليون نسمة) وفق إحصائية صادرة عام 2009، أي ما نسبته 12.16% من مجموع السكان، وإن كانت بعض الإحصائيات المتداولة تشير إلى أن العدد قد يصل إلى 4 ملايين نسمة، وهذا رقم كبير لمدينة تعاني من نقص المياه وأيضا نسبة بطالة وفقر مرتفعين، لذا فإن الحصار الذي تفرضه المليشيات منذ أشهر تلوح نتائجه المرعبة بمجرد النظر إلى الأرقام.
وتمنع المليشيات دخول كل شيء يمكن أن يسهم في حياة السكان من الغذاء إلى مياه الشرب مرورا بالدواء وكل ما يتعلق بالضروريات الأساسية للحياة.
وقال الصحفي هاني الجنيد: «الوضع الإنساني مزرٍ للغاية، المليشيات تفرض حصارا خانقا على المدينة من كل الاتجاهات ولا تسمح بدخول أي شيء، وهناك بعض التجار الصغار الذين يتمكنون من إدخال بعض المواد الغذائية عبر التهريب، وهذه المواد تباع بأسعار مضاعفة ولا يستطيع المواطن البسيط شراءها.. المليشيات الحوثية تمنع دخول الغاز المنزلي والمواد الغذائية والفواكه ومياه الشرب والعلاج.. الأوضاع المعيشية في غاية التدني والظروف الإنسانية بالغة السوء، وقد طالب برنامج الأغذية العالمي في 30 أكتوبر بتوفير طريق آمن للوصول إلى تعز لإنقاذ آلاف السكان الذين يعانون من جوع شديد».

وضع صحي حرج
في نهاية أغسطس الماضي، وصف أولفييه شاسو رئيس اللجنة الفرعية للصليب الأحمر، الوضع الصحي في تعز بأنه متردٍ للغاية، لافتا إلى أن اللجنة الدولية تتعرض لصعوبات جمة في توزيع الإمدادات الطبية والجراحية المنقذة للحياة على عدد من المستشفيات. أما منظمة الصحة العالمية فقد أكدت في الثاني من سبتمبر أن حالات حمى الضنك زادت من 145 إلى 421، وقال المتحدث باسم المنظمة كريستيان ليندميير: «إن خطر الأمراض المعدية مثل الكوليرا لا يزال مرتفعا أيضا خاصة في ظل سوء أوضاع المياه والصرف الصحي في هذه الفترة».
يبدو هذا محتملا أيضا في ظل وضع السكان غير القادرين على الذهاب إلى المستشفيات بسبب حرب الشوارع وانتشار القناصة في المدينة الذين يصطادون الجميع من الأطفال إلى النساء وطبعا الرجال. وكانت الحكومة اليمنية قد أعلنت تعز «مدينة منكوبة»، إذ إن المستشفيات فقدت جاهزيتها ومقدرتها على استقبال المرضى بسبب انقطاع الكهرباء والمواد النفطية المشغلة الأخرى، وجاء الحصار ليكمل ما تبقى من تدمير للنظام الصحي في المدينة.
وحسب منظمة «مواطنة» الحقوقية في اليمن فإن ما تبقى من مستشفيات المدينة تعيش أوضاعاً قاسية من الاحتضار والتدهور المريع في الخدمات نتيجة انعدام المواد العلاجية والتشغيلية الأساسية فيها والتي تمنع قوات الحوثي وصالح وصولها وتحظر دخولها عبر النقاط والممرات الرئيسية التي تسيطر عليها».
وقد تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لرجال ينقلون أسطوانات الأكسجين حملا على الأكتاف عبر الجبال، بعد تهريبها في محاولة لإيصالها إلى المستشفيات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة الناس. ووفق منظمة «أطباء بلا حدود» فإن المستشفيات التي تدعمها عالجت أكثر من 15,500 جريح من مارس 2015، بينهم 3644 في تعز وحدها، وهذا الرقم يزداد يوما بعد آخر في ظل استمرار الحرب واشتداد المعارك في الأحياء السكنية.

ممارسات «الحوثيين» القذرة
تقول صباح الشرعبي إحدى سكان المدينة: إنه بينما كان مالكو الباصات يتسابقون في مناداة الناس اليوم أصبحنا نقف لساعات في انتظار مرور باص فيه متسع وعندما نجده نبدأ التفكير في ساعات الانتظار في نقاط تفتيش الحوثي اللعينة.. ننتظر لأكثر من ساعتين وكلنا قهر وتعب ونحن نرى تلك المليشيات تقوم بإنزال المواد الغذائية ومنع دخولها للمدينة وما يزيدنا حرقة هم أولئك الأطفال الذين تم تجنيدهم واستخدامهم في هذه النقاط وإعطاؤهم أوامر للعبث بالناس، نقاط يتم فيها الاستهتار والإهانة لكل ما هو إنساني، نقاط لا تفرق بين امرأة ورجل وطفل وشيخ كلهم يعانون الإهانة ويصل الأمر إلى قطعة الثلج التي يمنع دخولها إلى المدينة.
وبينما فقد العديد من الناس أعمالهم ومصادر دخلهم ونزحوا عن منازلهم، يواجه هؤلاء السكان إذلالا من نوع آخر يتمثل في عدم السماح لهم بجلب حاجياتهم الأساسية، واضطرار النساء للخروج علّهن يستطعن القيام بما لا يستطيع الرجال القيام به كونهم أهدافا مباشرة للمليشيات.
ويقول الصحفي هاني الجنيد: «مؤخرا لجأت ربات البيوت للخروج بأنفسهن لجلب احتياجات منازلهن من خارج المدينة المحاصرة.. يقمن بإدخال هذه الاحتياجات تحت عباءتهن، لكن المليشيات تنبهت لهذا الأمر وتقوم منذ أيام بمنع أي امرأة أو رجل بدخول المدينة نهائيا.. تظل النساء في المداخل التي تسيطر عليها المليشيات لساعات دون أن يسمح لهن بالدخول، وعندما يقمن بتسليم ما بحوزتهن يسمح لهن بالدخول ويتم تحذيرهن من أنه في المرة القادمة لن يسمح لهن بالدخول والعودة إلى منازلهن وسيتم اعتقالهن أو تركهن في المداخل.. الحوثيون يمارسون أعمالا قذرة في مداخل المدينة، يقومون بتقطيع أكياس الدقيق ونثرها على الأرض».

النتيجة واحدة للحروب
«النتيجة واحدة للحروب، الدمار الذي يطال الإنسان والحجر.. عندما تجتاح الحرب أي مجتمع فثمة خارطة جديدة ترتسم وأشياء أخرى تتغير معالمها وقصص وروايات تولد في نطاق ذلك المجتمع، تعز هي المدينة التي أقطنها منذ طفولتي ومنذ منتصف أبريل من العام الحالي خيم عليها شبح الحرب والعنف الذي التهمها حيا حيا وشارعا شارعا حتى غرقت كافة جغرافيتها في أمواج محيطها الدامي».. هكذا وصف نور الدين المنصوري نتيجة الحرب، هذه الحرب التي لم يحسب اليمنيون حسابها بعد أن اعتقدوا أنهم مضوا إلى بر الأمان بعد 2011، لكن منذ بداية 2015 تشكلت الخريطة الجديدة لليمن الغارق في الحرب الأهلية.
يقول عبدالحكيم مغلس الذي فقد أخاه في الحرب: «مدينتي الحالمة استبدل حلمها بكابوس فظيع، كابوس حمل الموت إلى أزقتها وشوارعها وأحيائها التي ترفض الموت، نزع البسمة من وجوه البسطاء، وزرع القلق والخوف وملامح الشقاء في وجوههم. غادر الكثير منازلهم، وازدحمت المدارس بأعداد كبيرة من النازحين بعد أن دمرت منازلهم.. تغير كل شيء للأسوأ منذ بدأت الحرب، لم يعد شيء كما كان سابقا، أمي أيضا لم تعد تبتسم بعد أن فقدت أحد أبنائها وتفرقت الأسرة».. وهذا الوصف ينطبق على الكثير من الأسر في تعز، حيث كل يوم رقم جديد من القتلى والجرحى، ومن لم يمت بأدوات الحرب أي رصاص ومدافع ودبابات وصواريخ، يموت بالأمراض المتفشية والظمأ والجوع التي تفتك بالمدينة.. أيضا من لم يمت فقد خسر جزءا من روحه.
«أن تتحدث عن الحرب فهذا لوحده يكفي ليغير كل شيء بداخلك كإنسان».. هكذا يقول وليد النصاري، مضيفا: «أن تتحدث عن الحرب فهذا يعني أن تنبعث آهات بين الحرف والحرف، أصبحنا مجرد آ?ت ترصد كم مات ومن أي فئة من الذكور أم الإناث، كم عدد الجرحى وكم هناك مخيمات وكم نحتاج مزيدا منها».

تعز بين الأمس واليوم
تقول صباح الشرعبي واصفة التغيير الذي حدث في تعز: «كانت أصوات الشباب تبعث فينا الأمل عندما يتجمعون للعب الكرة وكلهم نشاط وأمل واليوم هجروا أماكنهم مجبرين وتركوا المرح وأصبحوا منشغلين بالحرب.. كانت الأسر تجتمع بأفرادها واليوم أصبحت الأسر مشتتة: أب لا يستطيع رؤية أولاده لأنه في جبهة قتال، أطفال أرسلوا للأرياف خوفا على سلامتهم، أمهات يعملن حراسا لبيوتهن، كانت المستشفيات مفتوحة طوال الوقت، أصبحنا لا نجد مشفى نسعف فيه أطفالنا، مدارس المنطقة حولتها المليشيات إلى سجون، صرنا نصحو على أصوات لعينة، منطقتنا باختصار أصبحت منطقة مهجورة حزينة يملؤها الخوف والرعب».
ويعد هذا ملمحا بسيطا من التغيير الرهيب الذي أحدثته الحرب في المدينة، الصور القادمة من هناك توضح مدى الخراب الهائل الذي لحق بالمدينة وكيف دمرت بنيتها التحتية المتواضعة أساسا وكيف أيضا دمر السلم الأهلي فيها. يقول أسامة عبدالعزيز: «اضطرت الأسر ونحن منها للخروج من تلك المنازل ونزحت إلى أماكن أقل حدة في العنف، أصبحت الحياة صعبة جدا خاصة في ظل انعدام الدخل المادي للأسر، الوضع مأساوي فوق المتصور»، لكن رغم كل هذا ففي مدن الحرب تظل دائما هناك رغبة للسلام، وفي مناطق الدمار تصحو رغبة البناء. وتقول ريهام البدر: «لم نجد سوى مستقبل بلا ملامح بلا هوية و? أرض و? وطن، ومع كل ذلك سنمضي باحثين عن أثر من نور يأتي من بين الركام». ويؤيد هذا شاكر عبده علي قائلا: «ستبنى هذه المدينة وستصبح جميلة كما يليق بها».