الاتحاد

الملحق الثقافي

أمين صالح.. أو المتلاعب بالمصائر

ليس من عادة أمين صالح أن يصنّف كتبه، فيجعل أحدها ينتمي إلى القصة أو الرواية، إنه يترك ذلك لقارئ «قصصه» و«رواياته» غالبا. ربما حدث ذلك بسبب عدم اطمئنان المبدع الذي فيه إلى التصنيف الأدبي بالمجمل الذي حدده الدرس النقدي مسبقا. تلك واحدة من ميزات الصنيع الأدبي رجل متعدد المواهب: ناقد سينمائي وسيناريست ومترجم، فضلاً عن كونه شاعراً يرتدي معطف روائي حيناً وقاص في أحيان أخرى.
ما من مناسبة لهذا القول سوى صدور عمله الأخير: «شمالا، إلى بيت يحنّ إلى الجنوب»، الصادر أخيرا عن دار مسعى للنشر والتوزيع في المنامة، والذي فيه يقدم أمين صالح لقارئه عملا أدبيا مكتملا بوصفه رواية ذات بنية سردية صارمة وشخصيات متبلورة وأحداث وتصعيد درامي يجترحه الكاتب بدءا من اللغة، لينتقل من خلالها إلى «اللعب» بالمشاعر والأفكار والصور والخيالات والشخصيات والأحداث التي تتواشج معا في «لعبة» روائية لا تخلو من الأشراك والانعطافات المفاجئة في السرد من ذلك النوع الذي يباغت القارئ إذ تأتي دونما توقع أو حسبان.
بدءا، فإن الإجابة عن سؤال من نوع: ما الذي يريده أمين صالح من «شمالا، إلى بيت يحنّ إلى الجنوب»؟ أو ما هي الدلالة الواسعة والكبرى لهذا العمل؟ تأتي في الصفحات الأخيرة من الكتاب، إذ يعدد الراوي – الكاتب الشخصيات التي ألّفها ليضيف نفسه إليها بوصفه «راوٍ غريب، عاشر الكتابة زمنا حتى صار لا يرى واقعه إلا من منظار خياله... (و) يجد لذة في التلاعب بالمصائر».
رحلة جوّانية
بهذا المعنى، «يلهو» أمين صالح بشخصياته ويقود مصائرها عبر دروب في السرد لا تفضي بل يجعلها تبحث. إذ لم تكن تلك برحلة واقعية لشخصياته نحو «شمالا، إلى بيت يحنّ إلى الجنوب» بل هي رحلة فانتازية تكاد تشبه أن «الطريق إلى البيت، أجمل من البيت»، أي أنها رحلة جوّانية من الممكن للقارئ أن يتخيل مساراتها أثناء القراءة، إنما هي لم تحدث بل غير مرشحة للحدوث على الإطلاق، وأشبه بذلك النوع من الأفلام السينمائية غير الواقعية مئة بالمئة لكن من النوع الذي يجعل المرء يعيشها لحظة في إثر أخرى.
والرواية أشبه ما تكون بلوحات تتعدد بحسب تعدد الشخصيات: الثوري الحالم وزوجته التي تتبع أثره، والبائع المتجول، والواب، والشحاذة الصغيرة، والمشلول، والعجوز، والمرأة الثلاثينية – المصورة الفوتوغرافية، والدليل، فالراوي المتحكم بخيوط لعبة السرد، أي راوي تلك الشخصيات الذي يقودها إلى المجهول دون أن يجعلها تتوقع شيئا، إلى حدّ أنها دوما قلقة وخائفة وأرواحها ترتعد كما لو أنها روح صانعها، وقد تشظت وتعددت.
ومنذ البدء مع الفصلين الأولين اللذين يستهل بهما الروائي عمله، يجد القارئ ما يجذبه ثم يجد نفسه متورطا في أشراك اللغة والحدث. فالأمكنة كلها رمزية وكذلك الشخصيات والأحداث، واللغة تقطر شعرا من النثر. ويحسب المرء أن الشخصيات من فرط «شعريتها» هي من ذلك النوع الذي نصادفه كثيرا في حياتنا اليومية، ذلك النوع الذي لا يهادن في تبني القضايا الخاسرة على المستوى الفردي والعام، ولذلك هي شخصيات يربطنا بها خيط سرّي هو خيط تعاطف إنساني حتى لو كانت مصائرها المقبلة مكشوفة لنا ونطالعها مثلما يطالع المرء باطن الكف.
إنما هي أيضاً، شخصيات قد خرجت إلينا عبر السرد من يقين المتخيَّل، الذي لا يحيد عن صدقيته في وفائه للمشاعر الإنسانية، مثلما لا يحيد عن وفائه للأحلام الكبرى واسعة الدلالة والذاهبة عميقا في وجدان الإنسان وفي رغبته في التحليق على ارتفاعات باهظة.
ربما لذلك لم يكن هناك سوى البحر بكل ما يعنيه التقاءُ الرمل بالماء والجبل – بحسب وصف الراوي على لسانه وألسنة شخصياته ليكون ذلك المكان هو مبتدأ رحلة البحث في الأزرق البعيد، أي أن ذلك الأزرق الذي في الأعلى وفي امتداد الأفق سوف يبدو نقطة واحدة في امتداد الأفق تلتقي فيها السماء بالأرض حيث يقع البيت الذي «يحنّ إلى الجنوب».
شخصيات بلا هوية
إنها شخصيات هامشية وعادية تماما وليس هناك ما يميزها عن سواها، إلى حدّ أن الروائي أمين صالح لم يسمّها أو يمنحها ملامح جسدية خاصة تجعلها فذّة أو نافرة عما يحيط بها بل تبدو كالأطياف أو كأن ألمها الخاص قد أحالها إلى أطياف، إلى أثير لا يُرى لكن قد يشعر به المحيطون كما لو أنه هزة أرضية خفيفة مباغتة تبدأ وتنتهي في لحظة. ولعل الأكثر تعبيرا عن ذلك هو مشهد عري المرأة – الخادمة الجميلة على الجسر.
كذلك فهي ليست شخصيات مبهمة، أو غامضة إلى حدّ من غير الممكن تخيلها، بل لعل كل شخصية من هذه الشخصيات هي «فكرة» مكتملة النضوج، أو هي الطيف وفكرته وقد اختلطا معا بمزيج الألم والعذابات الإنسانية الحارّة، لذلك فهي لا تخلو من المقدرة على الإدهاش إذ تستكملها مخيلة القراءة في أفق التجربة الشخصية الخاصة بالقارئ، سواء أكانت هذه التجربة مخيضة بالفعل أم هي الذاكرة الخاصة بتجربة القراءة.
مع ذلك فهي شخصيات بلا هوية، إذ هي بلا أسماء، غير أن هذه «اللا هويات» لا يغلفها الضباب بل نوع خاص من الضياع الذي يجعلها تضرب في التيه. ويبدو الدليل، في هذا الأفق من التوصيف إذا جاز التعبير، هو أكثر الشخصيات تعقيدا وتركيبا إذ يرافقها – أي الشخصيات - في كل مشهد وحكاية، وفي كل مرة له قصة لا تنفي التي سبقت أو اللاحقة إنما تستكملها وكأنه وجه العملة الآخر للراوي الغريب المتلاعب بالمصائر والذي يبدو أنه الأكثر وضوحا من شخصياته ضياع هوية بوصفه إحدى هذه الشخصيات.
وفي مقابل هامشيتها وضياع هويتها تبدو هذه الشخصيات مصطفاة أو مختارة – بعناية هاتف غامض - ليس عن سابق قصد بل عن سابق مكر، فهي من فرط هامشيتها وعاديتها لا تتوقع أن يتلاعب بمصائرها أحد، بل تستسلم لحلمها من فرط ما أفرط الواقع في سحقها وطحنها لتختار الرحيل إلى مدينة أخرى مبهمة وغير واضحة الملامح مثلما أنها ليست سوى بيت. هكذا عندما يأتي الهاتف من مكان عميق في الذات فإنها تترك كل ما لديها وتذهب سيرا على الأقدام برفقة الدليل الذي يصير فجأة دليلا من لحم ودم ليأخذ كل واحد منهم على حدة فيقود خطاه في دروب غامضة متروك أمرها «لمزاج الريح» بحسب تعبير الراوي – الكاتب.
في غضون ذلك، وأثناء سرد الحكاية ذاتها أو ما هو أقرب إلى ذلك، تبدو البيئة والمجال، اللذان تتحرك فيهما الشخصيات، بمثابة شخصية أخرى متفاعلة مع الحدث وليست ساكنة في المشهد الروائي، أي أنهما ليسا بشيئين جامدين كليا ويصلحان للوصف فحسب بل هما مؤثران في الشخصيات «الآدمية» والمتخيلة معا.
يمنح ذلك الرواية بعدا شعريا آخر دون أن يترك أثرا على روائية الرواية.
وأخيراً إلى البيت أو «إيثاكا» التي وصلوا إليها دفعة واحدة ومرة واحدة. لقد وصلوا جميعاً إلى هناك دون جدوى «طرقوا الباب مرارا دون أن يفتح لهم أحد. ما من أحد يستجيب للطرق، ما من أحد يستقبلهم، فيظل موصدا مثل غيب موصد».
???
للراوي الغريب الآن، المتلاعب بالمصائر، أن يضحك عميقاً من فرط يأسه، فقد وقع هو الآخر في شرك لعبته.

اقرأ أيضا