الرياضي

الاتحاد

أصحاب الأداء الرفيع مدرسة في صناعة البطولات


بعيداً عن حسابات الأرقام والنقاط والأهداف لم تستقبل جماهير كرة الإمارات خبر فوز الوحدة بلقب دوري 2005 بالدهشة، لأن هذا الفريق منذ بداية الرحلة في التاسع عشر من سبتمبر2004 كان يضيف أسبوعاً وراء الآخر الكثير من نقاط الإعجاب في رصيده ويثبت انه الأقوى والأعلى والأسرع في الأداء الرفيع والكرة الهجومية والإصرار على التحدي ولذلك عندما حسمت البطولة في يوم الخميس 5-5-2005 قلنا جميعا في وقت واحد من دون سابق اتفاق:' يستحق الوحدة ' ·
ولكن لماذا يستحق الوحدة ؟
هل لأنه تربـع على القمة 15 أسبوعاً متواصلاً ؟
أم لأنه خدم نفسه بنفسه ؟
أم لأن الجزيرة فاز على العين وحسم الصراع قبل الجولة الأخيرة؟
الإجابة بنعم على كل هذه التساؤلات لن ترسم صورة كاملة عن بطل 2005 لأن بطولات الوحدة لاتصنعها الصدفة ولكنها حصاد سنوات طويلة من التخطيط والعمل والعرق والدراسة حيث تدرك قيادة النادي أن صناعة البطولات لابد أن تمر عبر بوابة الناشئين فقرروا البداية من أول السطر وساروا على نفس الطريق الذي سار عليه كل الأبطال فكان الرهان على المواهب الصغيرة وإعدادها من كافة الجوانب البدنية والفنية والنفسية حتى تصبح مؤهلة للمنافسة بقوة في المستقبل ، فالهدف أكبر من مجرد الفوز ببطولة واحدة ولكن البقاء دائما في القمة فكسب الوحدة في النهاية التحدي والألقاب والإعجاب وبات يملك قاعدة كبيرة تفرز أجيالاً وراء أجيال هدفها واضح وهو البطولات· وخلال وقت قصير ··وقصير جدا مقارنة بالأندية الأخرى أصبح الوحدة احد القوى العظمى في كرة الإمارات وفاز بالدوري 3 مرات في السنوات السبع الأخيرة وقدم للمنتخب العديد من المواهب اخرها إسماعيل مطر الذي توج كأفضل لاعب في العالم قبل عامين في مونديال الشباب وقاد منتخب الإمارات للمركز السابع ·
العصر الذهبي
وقبل أن يبدأ الوحدة العصر الذهبي ويجني ثمار كل هذا العمل والتخطيط كان يقف بعيدا عن المنافسة وحتى ندرك حجم القفزة الهائلة التي حققها علينا أن نعود بالذاكرة للوراء مسافة ليست بعيدة لنقارن بين وضع الفريق في تلك الفترة وما وصل إليه الآن ·
في عام 1995 اي قبل عشر سنوات احتل المركز التاسع وقبل الأخير للعام الثاني على التوالي وهبط النادي الأهلي، وفي عام 1996 دخل دائرة المنافسة ولم يغادرها حتى اليوم حيث احتل المركز الثالث بفارق ثلاث نقاط عن الوصل البطل وفي العام التالي جاء ترتيبه الخامس بفارق 8 نقاط عن العين البطل ثم توج عام 1999 بأول لقب للدوري في تاريخه وعاد في الموسم التالي ليحتل المركز الثالث بفارق ثلاث نقاط عن العين الأول ثم توج عام 2001 بطلا للدوري للمرة الثانية وبفارق 8 نقاط كاملة عن الأهلي ،وفي 2002 جاء في المركز الرابع ثم الثاني عام 2003 والسادس عام 2004 وهذا الموسم توج للمرة الثالثة وهذا التطور الكبير في السنوات العشر الأخيرة يعكس بشكل كبير مدى نجاح عملية البناء وكل جيل يخرج من بين جدران قلعة العنابي يترك بصمة لا تنسى ويعانق الألقاب وقد تحمل جيل فهد مسعود وعبد الرحيم جمعة وحيدر آلو علي وبشير سعيد وعبد السلام جمعة وسعيد خميس وعبدالله سالم والهداف ياسر سالم المسؤولية مبكرا وعاش معظمهم الضغوط قبل أن يكملوا عامهم العشرين من خلال مشاركاتهم بشكل أساسي في رحلة الفوز باللقب الأول موسم 1998 /1999 وكان فهد مسعود في التاسعة عشر وبشير سعيد في الثامنة عشر وحيدر الو علي وعبد الرحيم جمعة في العشرين من العمر وعبد السلام جمعة في الثانية والعشرين وعبدالله سالم 24 عاما ·
وبات هؤلاء النجوم يشكلون العمود الفقري للفريق مع تقاعد النجوم الكبار ورحيل بعضهم وبعد عامين من الفوز باللقب الأول حصدوا الثاني عام 2001 وانضم إليهم إسماعيل مطر وتوفيق عبد الرزاق وكانوا في الثامنة عشر من العمر آنذاك شاركوا مع الفريق الأول بعد أن لمعوا مع الشباب ولعب توفيق عبد الرزاق بشكل أساسي في النصف الأخير من البطولة ولم يلعب إسماعيل مطر سوى بضع دقائق قليلة وكانت مباراته الأولى أمام الشعب كما نال عمر علي عمر الفرصة للمشاركة كبديل في بعض المباريات رغم وجود أسماء كبيرة مثل عبد العزيز أحمد والحاي جمعة وعادل مطر وأديب عبيد وعادل خميس وسعيد خميس ·
وأكدت تلك البطولة على قدرة الجيل الجديد على تحمل المسؤولية بثقة وشجاعة وإذا كانت بطولة 1999 قدمت فهد مسعود وعبد الرحيم وعبد السلام وحيدر آلو علي وبشير سعيد بجانب عبد الله سالم وسعيد خميس وياسر سالم فإن بطولة 2001 أضافت وجوها جديدة لمسيرة الفريق مثل توفيق عبد الرزاق وعمر علي عمر وإسماعيل مطر حتى جاء عام 2005 ليتوج الفريق بطلا للمرة الثالثة بعد أن وصل إلى مرحلة النضج الفني والبدني حيث يصل متوسط أعمار الفريق إلى 26 عاما وأصبح إسماعيل مطر الذي لم يشارك سوى بضع دقائق في 2001 احد أهم الأوراق الرابحة في الفريق اليوم ومعــه كل من توفيق عبد الـــــرزاق وعمر علي ·
ترسانة هجومية
فهذا التواصل بين الأجيال وراء بقاء الفريق في دائرة المنافسة لوجود قاعدة كبيرة تفرز كل عام وجوها جديدة تضيف الكثير لمسيرة الفريق ومع زيادة رصيد الخبرة والثقة تولد الانتصارات وتشعر أن شخصية الفريق لم تتغير بتغير الوجوه فالاستقرار الفني سواء في طريقة اللعب أو التشكيلة لعب دورا مؤثرا في العروض الجيدة التي يقدمها الفريق هذا الموسم وباتت النزعة الهجومية احد الملامح الرئيسية في شخصية الوحدة ليس فقط من هذا الموسم ولكن منذ عدة سنوات سواء مع البوري لاه أو محمد سالم العنزي وأخيرا مع متروفيتش والسبب لا يعود فقط لبراعة الهدافين الأجانب ولكن لوجود ثبات في طريقة اللعب 3-5-2 خلال السنوات الأخيرة وأيضا استقرار في وسط الملعب خلق حالة من الانسجام ساعدت المهاجمين على التألق فخط وسط الوحدة الذي فاز بآخر لقب لبطولة الدوري عام 2001 هو نفسه خط الوسط الذي فاز ببطولة هذا العام ويتكون من فهد مسعود وعبد الرحيم جمعة وعبد السلام جمعة وحيدر آلو علي والعنصر الجديد على هذا الخط هو إسماعيل مطر الذي يقوم بنفس دور كونتي مهاجم وسط خلف رأسي الحربة·
فالوجوه تتغير ولكن تبقى شخصية الفريق داخل الملعب واحدة، وربما هذا مايساعد على التألق والانتصارات خاصة في ظل وجود استقرار إداري خارج الملعب سواء في رسم السياسات وتحديد الأهداف وتوفير الإمكانات، ومع وصول أفراد هذا الجيل إلى مرحلة النضج تجد الفريق يقدم كرة قدم إيجابية ممتعة لأنه يملك الإمكانات التي تؤهله ليفرض شخصيته داخل الملعب بالكرة الهجومية ولذلك لم يكن غريبا على الوحدة أن يحرز لاعبوه 70 هدفا في 25 مباراة بمعدل 2,8 هدف في المباراة الواحدة وهي النسبة الأعلى ليس فقط هذا الموسم وربما منذ مواسم طويلة لأي فريق في الدوري·
فالكرة الهجومية لا تأتي من فراغ ولكنها ترجمة للتفوق والسيطرة والرغبة في المبادرة والتسجيل في كل المباريات فالثقة والخبرة والانسجام نزعت الخوف من قلوب اللاعبين خاصة في وجود خط هجوم شديد الخطورة بقيادة البوسني متروفيتش والإيفواري توني ووراءهما إسماعيل مطر وقد أحرز هذا الثلاثي 43 هدفا منهما 20 هدفا لمترو الذي لم يشارك إلا منذ بداية الأسبوع الثامن فقط مقابل 11 هدفا لكل من مطر و12 لتوني ، وبلاشك أن تألق المهاجمين الأجانب من الملامح المهمة في شخصية بطل الدوري حيث أعتاد الوحدة على الصفقات الناجحة في المواسم الأخيرة سواء البوري لاه او كونتي او العنزي وأخيرا توني ومتروفيتش ·
وقد اكتملت عناصر النجاح للوحدة هذا الموسم منذ بدايته سواء بالتعاقد مع المدرب الألماني راينر هولمان او الأجانب أو العودة القوية لنجوم الفريق أمثال فهد مسعود وحيدر آلو علي ورغم غياب بعض النجوم خلال الموسم مابين الإصابة والإيقاف إلا أن المسيرة لم تتوقف لوجود البديل الجاهز في كل الخطوط وتجد مثلا في الهجوم صالح المنهالي أحد نجوم الموسم الماضي يجلس في مقاعد البدلاء وفي الوسط توفيق عبد الرزاق وكان خط الدفاع من أكثر الخطوط التي عانت من غياب الاستقرار نتيجة إصابة ذياب وعمر علي في بداية الموسم ثم بشير سعيد فظهر علي جمعة الوجه الجديد ليشارك كأساسي مع الفريق هذا الموسم وربما تلك الإصابات أثرت على هذا الخط فدخل مرمى الفريق 32 هدفا منها 21 في الدور الثاني خلال 12 مباراة وبدا يفكر راينر هولمان في مدافع أجنبي قبل المشاركة في البطولة الآسيوية الموسم المقبل ·
وإذا كانت الأهداف التي دخلت مرمى الفريق قد توزعت على الشوطين 16 في كل شوط فإن الفاعلية الهجومية أكثر للوحدة في الشوط الثاني خلال هذا الموسم وأحرز 36 هدفا مقابل 34 في الشوط الأول ·
و مثلث الرعب ' توني ومطر ومترو ' هو الأكثر خطورة وفاعلية في الدوري ومجموع الأهداف التي أحرزها يتجاوز مجموع ما أحرزته أندية بالكامل طوال المسابقة منها الشباب ( 39 هدفا ) والوصل (33 هدفا ) والشعب ( 34 هدفا ) والإمارات (24 هدفا ) ودبي (25 هدفا ) والخليج ( 36 هدفا ) والاتحاد (24 هدفا ) والظفرة ( 34 هدفا ) ويتساوى مع النصر الذي أحرز 43 هدفا ·
ومن المؤكد أن وجود خط وسط يملك قدرات هجومية سواء بالتقدم أو التمرير أو المساندة أحد أسباب تألق هجوم الوحدة ،فوجود فهد مسعود وحيدر وعبد الرحيم وإسماعيل وعبد السلام وتوفيق عبد الرزاق جعل من هذا الخط الأكثر فاعلية هجومية في الدوري هذا الموسم وأحرز 25 هدفا بجانب ما سجله توني ومترو في خط الهجوم 32 هدفاً·
العين والجزيرة
كل هذه الإمكانات الفردية والجماعية والفنية والتكتيكية والإدارية لعبت دورا مهما في بقاء الوحدة على القمة طيلة 18 أسبوعا من بين 25 اي بنسبة 72 في المائة مقابل 12 في المائة للجزيرة حيث صعد للقمة ثلاثة أسابيع و 4 في المائة لكل من العين والأهلي حيث تربع كل منهما على القمة لمدة أسبوع واحد فقط ·
وإذا كان الوحدة فرض كلمته على البطولة من البداية بفضل أدائه الرفيع ومهارات لاعبيه العالية وانتصاراته المتتالية فمن المؤكد أن تراجع مستوى العين حامل اللقب في المواسم الثلاثة الأخيرة هذا الموسم كان من بين الأسباب التي أفسحت الطريق ليتوج الوحدة خاصة وأن العين تعرض لظروف صعبة مابين إقالة ألن بيران المدرب الفرنسي مبكرا بعد الجولة الرابعة عندما خسر الفريق بملعبه أمام الشعب وجاء محمد المنسي بشكل مؤقت ثم تولى ميلان ماتشالا بشكل رسمي في الجولة التاسعة أمام الوحدة ، وبجانب تغيير المدربين لعبت الإصابات دورا مهما في تراجع أداء العين خاصة ابو بكر سانجو وسلطان راشد وفيصل علي وفهد علي وانتقال محمد عمر إلى الجزيرة وفوق كل ذلك تعرض الفريق للكثير من الضغوط والإرهاق نتيجة المشاركة في اربع بطولات حسم واحدة لصالحه وهى كأس الاتحاد وخسر الثانية وهى الدوري ويقاتل الآن في بطولتين الكأس ودوري أبطال آسيا ولم يكن الأداء المتواضع الذي ظهر به الفريق في الجولة الماضية أمام الجزيرة سوى نتاج لكل هذه التراكمات فتشعر أن الفريق غير قادر على اللعب سواء في الدفاع أو الوسط أو حتى خط الهجوم وأهداف الجزيرة التي جاءت من هجمات مرتدة سريعة أكبر دليل على ذلك بسبب بطء التحول من الهجوم للدفاع فالهدف الأول كانت الهجمة للعين انقض علي خصيف حارس الجزيرة على الكرة العرضية ومررها بسرعة إلى دياكيه الذي تقدم بكل حرية في وسط الملعب ومرر داخل منطقة الجزاء لتصطدم بقدم الوهيبي وتذهب إلى حسين سهيل في حراسة علي مسري يحرز الهدف الأول ، ورغم أهمية المباراة للعين والخروج من المنافسة في حالة الخسارة إلا أن ردة الفعل أتسمت بالهدوء أمام دفاع منظم وحارس متألق وأعتقد أن الجزيرة كان قادرا على حسم بطولة الدوري لصالحه قبل عدة جولات إذا لعب كل مبارياته بنفس القوة والحماس الذي شاهدناه أمام العين ·
المهم الهدف الثاني جاء بنفس الطريقة عندما حاول الوهيبي تمرير الكرة داخل منطقة جزاء الجزيرة فخطفها صالح عبيد ومررها إلى دياكيه ومنه إلى حسين سهيل الذي أعادها مرة أخري إلى دياكيه ليحرز الهدف الثاني ليعلن تتويج الوحدة رسميا بعد الفوز على الظفرة 5-2 من دون الانتظار للجولة الأخيرة ويعلن أيضا انتصار اللعب النظيف فالجزيرة كما قال رضاعبد الهادي رد على كل المشككين الذين قالوا إن الجزيرة لن يصمد أمام العين خاصة وأنه خرج من المنافسة، وفي الحقيقة ما حدث في تلك المباراة يجب ألا يمر في صمت فتلك هي أخلاق ومبادئ العين والجزيرة وكل أندية الإمارات دائما فوق مستوي الشبهات وما حدث في استاد محمد بن زايد بمثابة انتصار للكرة واللعب النظيف ودرس مهم جدا من الصعب أن يسقط من ذاكرة دوري الإمارات فالعلاقة القوية التي تربط بين العين والجزيرة لم تكن أبدا على حساب قيم ومبادئ الناديين ولعب الجزيرة أقوى مبارياته هذا الموسم وفاز بجدارة بينما خسر العين بشرف ·
وما حدث في تلك الجولة يذكرنا بما حدث في مارس 2001 عندما فاز الشباب على الأهلي 2-1 ليتوج الوحدة في الجولة قبل الأخيرة ·
العين حامل اللقب رغم كل الظروف التي تعرض لها خرج من المنافسة مرفوع الرأس في الجولة قبل الأخيرة وكان ندا قويا للنهاية ليغلق ملف الدوري ويفتح ملف الآسيوية حيث سيواجه الوحدة السوري الأربعاء المقبل في طريقه لتحقيق اللقب الآسيوي الثاني لكرة الإمارات ولا يشعر الزعيم بالقلق على المستقبل بعد أن توج بألقاب خمس بطولات للمراحل السنية 11و 12 و13 و18 و20 ·
في الجولة 25 انتهت المسابقة وصعد الوحدة إلى منصة التتويج للمرة الثالثة ليكسب الدوري أصحاب الأداء الرفيع ·

اقرأ أيضا

«الفارس» ينجح بـ «السيناريو المكرر»