الاتحاد

الملحق الثقافي

«الحالم».. الواقعية السوريالية

يخرج الروائي الجزائري «سمير قسيمي» في روايته الأخيرة «الحالم» عن مألوف السرد العربي إلى عوالم تولج عمله دائرة التفرّد والتميّز، لتكون «الحالم» رواية مختلفة قد تؤسس لرواية عربية عالمية، بفضل تقنيتها ولغتها السردية المنسابة وكمّ الخيال الذي زخرت به.
احترافية الكاتب في هذا العمل الصادر عن العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف 2012، تجعلنا نواجه ثلاث روايات قوية في رواية واحدة، اختار لها الكاتب اسم «القسم»، لكل واحدة شخوص وحبكة وأسلوب سرد، أظهر فيها قسيمي «عبقرية» فريدة تجعل القارئ يتساءل عما إذا كان نفس الشخص من كتب كل واحدة منها.. عبقرية تظهر ملامحها في قدرة الراوي في التشكل مرة تلو الأخرى بنحو يستعصي حتى على الروائيين الأرسخ في الكتابة.
اختلاف السرد من «قسم» إلى آخر، أسلوبا ولغة وتقنية، أعمل الإيهام في نفسية القارئ ليقتنع أنه بصدد راو منفصم الشخصية، فقد كان الانفصام مركز الدائرة التي وضع فيه قسيمي بطله «خباد رضا» الذي هو في نفس الوقت «ريماس إيمي ساك» الروائي الكبير، والروائي الشاب «سمير قسيمي» والمترجم «سمير قسيمي». فقد وظف الكاتب اسمه توظيفاً دلالياً بين شخوصه من دون خشية أن توقعه هذه المخاطرة في الزج بالعمل في متون السيرة الذاتية.

غرائبية واقعية
في القسم الأول –الرواية الأولى- «مسائل عالقة» يستحضر الكاتب شخوص رواياته السابقة، يبعثها للحياة لتحاول الخروج من عوالم المتخيل/ الرواية إلى عوالم الحقيقة/ الواقع، وفي محاولتها تلك يستولي الراوي على الروائي ويتماهيان معاً، فيستحوذ الراوي على واقع الروائي مستعيناً بالمرايا.
فكرة الانعكاس رغم غرائبيتها مكنت القارئ من التماهي في نص الرواية، مفسرة غير القابل للتفسير، ليجد القارئ نفسه مضطرا – وعن طيب خاطر أيضا إلى اجتياز نفق من الغرائبية الواقعية، أوصله إلى نفس المكان الذي اختاره له الكاتب منذ البداية.. أي نقطة الوصول والانطلاق.. وصول إلى نهاية القسم الأول وانطلاق نحو مجهول ما تبقى من العمل.
هنا يستغل الكاتب مفهوم الانعكاس استغلالا تاما، ليقول لنا ما نعرفه جميعا ونتجاهله دوما «ليس أنت من ينعكس على المرايا بل مقلوبك فحسب»، وبهذه الحيلة يدفع القارئ ليستسيغ فكرة انقلاب «ريما إيمي ساك» إلى «سمير قسيمي» الروائي، وبهذا يطمئنّ القارئ لبرهة من الوقت على ما يحسبه منجزا قرائيا، ولكن سرعان ما تنقلب يقينياته لاحقا بلازمة الرواية «حوار غير ودي لكاتب لا يعرفه أحد»، وهي اللازمة السردية التي وضعها الكاتب لتشكل ما يشبه المفاصل في جسد عمل متعدد الأعضاء.. لازمة سمحت للكاتب بالزج بالقارئ في عوالم القسم الثاني –الرواية الثانية- «المترجم» ولاحقا تزج به في عوالم القسم الثالث والأخير، تماما كما فعل بمقدمته التي زجت بالقارئ إلى المغامرة في قراءة عمل ضخم ورقياً على نفس واحد.
في القسم الثاني ينسج الكاتب قصة حب بين «المترجم» وجميلة بوراس ابنة «ريماس إيمي ساك».. لاحظ أن جميلة لعبت في القسم الأول دور الحبيبة المتوهمة لريماس، ولكنها لاحقا تتقمص دور الحبيبة المقبلة على الموت لمترجم «ريماس» والذي أخذ اسم «سمير قسيمي». في الظاهر هكذا يبدو موضوع هذا القسم، وهو موضوع يصنع متعة القارئ العادي غير المتخصص، لكن القارئ المتخصص سرعان ما يدرك أن المترجم ليس إلا ريماس، ففي النهاية أعمال الكاتب ليست إلا ترجمة لأفكاره، لتصبح جميلة «حبيبة المترجم- ابنة ريماس» المستقبل الذي يعتقد الكاتب أنه «الحلم» الآيل للموت، لكن الموت لن يكون النهاية.. جميلة تكتب مذكراتها وتسعى لنشر آخر أعمال أبيها ريماس وتبعث حب الكتابة من جديد في حبيبها المترجم، ليقول لنا الكاتب إن موتها ليس إلا صفحة جديدة في حياة أبيها وعشيقها، اللذين في النهاية يتماهيان معا تماما كما حدث في نهاية القسم الأول.
هنا يظهر الكاتب بقدرة فريدة في تضمين مواضيعه مواضيع أخرى، فيكتب عملا يحتمل قراءتين: ظاهرة وخفية، ويجد الأسلوب واللغة ليطابق بين القراءتين، وفي هذا يختار الروائي مشهدا يتكرر مع بداية ونهاية كل قسم من أقسام الرواية: مشهد الروائي ممدداً على سريره ينظر إلى نفسه في مرايا خزانة غرفة نومه وعددها ستّ: مرآتان لكل قسم «مرآة للظاهر ومرآة للخفي». ففي الرواية حس فلسفي نادرا ما نجده في الروايات العربية، والأندر ما يحسن توظيفه بهذا النحو.

كتابة قصديّة
ندرك ونحن نستقرئ «الحالم» أن الكاتب رغم توظيفه لـ «الصدفة» في صناعة «التشويق» لا سيما في مقدمة الرواية، لم يسمح لها «أي للصدفة» بالتدخل في مجريات كتابته للرواية.. كل حرف وكل كلمة وكل جملة وكل فقرة وكل فصل كتب بعناية فائقة وبهدف وغايتين محددتين سلفا، فمهما حاول القارئ التنقيب فلن يقع في أي نوع من التناقض.
شكل القسم الأول رواية فنتازية بامتياز، القسم الثاني جاء هادئا بنحو مريب أما القسم الثالث فكان متشابكا معقدا، متقطع المشاهد، ومربكا، ومرتبكا، في الوقت نفسه، يقابل ذلك أعراض الذهان النفسية: انفصال المريض عن واقعه «القسم الأول»، الهدوء المبالغ فيه «القسم الثاني» وعدم القدرة على التركيز «القسم الثالث».. حجة أخرى تظهر براعة الروائي وإحاطته بنفسية الراوي، ودليل آخر على تبحّر قسيمي في الجانب النفسي لشخوصه.
الأكثر من ذلك، يمنطق الروائي عمله كله بمفهوم الانعكاس الذي شكل العمود الفقري للعمل: خباد رضا يفقد عينه اليمنى في الواقع، ريماس إيمي ساك يفقد اليسرى في المتخيل.. البطل «في الحقيقة» يكتب بيمناه، البطل «في المتخيل» يكتب بيسراه.. البطل في الحقيقة جميل الخط، البطل في المتخيل سيئ الخط.. الكاتب في الحقيقة غير ناجح، البطل في المتخيل ناجح جداً.. الراوي في الحقيقة يكتب (03) روايات، الراوي في المتخيل يكتب (30) رواية.

توظيف الحلم
لقد كتب سمير قسيمي رواية نخبة يستمتع بها ويستسيغها القارئ غير المتخصص، وفي هذه النقطة تظهر عبقرية النص وصاحبه، عبر استعانته بضروب مختلفة من السرد، وبلغة مختلفة المستويات وبحبكات شتى صنعت في تلاقيها حبكة الرواية القوية. ولأن الحلم ظاهرة غير عقلانية ونفسية، فقد كانت «الحالم» كذلك، إذ أحسن الكاتب توظيف خصائص الحلم وما قد يعنيه من غرائبية وفوضى ولا منطق في النص، محافظا في الوقت نفسه على خيط الواقعية الذي نسج به الرواية من أولها إلى آخرها. فقد أصاب الناشر في ديباجة الرواية حين قدمها على أنها تحاول الإجابة على سؤال «هل يستحق الحلم ما نبذل من أجله».. الرواية أجابت على السؤال وعرجت على مواضيع أخرى رشحتها لتكون «رواية خام» وعملا أنموذجا لكل راغب في تعلم فن كتابة الرواية، وكأنها كُتبت لتظهر قدرة كاتبها واحترافيته، وكأنها تحد وضعه قسيمي لزملائه من عشاق السرد.
إلا أن اعتناء الكاتب بالتفاصيل وقدرته على الإحاطة بها بهذا الشكل الفارق أغرقا القارئ فيها، حتى بالكاد يدرك قارئ العمل مهما بلغ حدسه مآلات الأحداث، وعبثا يحاول التوقع، فالكاتب يشكل الأحداث على مائدة اللامتوقع وينحتها بحرفية عالية، موظفاً ضروباً شتى من السرد البسيط، المعقد، المتشابك والمتوحش، عبر لغة عالية، تضعه في مصاف الروائيين العرب من ذوي النزعة العالمية، فالحالم لم تكن رواية فحسب، هي تجربة روائية لوحدها، تحيل إلى نمط عالمي يحتاج إليه السرد العربي ليستمر ويتطور، كما أنها تجربة تغري بالمزيد في كتابة سمير قسيمي الذي ولا شك أنه أصبح بفضل هذه الرواية وروايتيه النوعيتين: «هلابيل» و«يوم رائع للموت» ظاهرة روائية تستحق الوقوف عندها، إجلالاً واعترافاً بريادة نوعية تبعث التفاؤل في مستقبل الرواية العربية.

اقرأ أيضا