الاتحاد

الملحق الثقافي

أسئلة على قيد الحياة

من قارعة الحياة ومما قد يصادفه أو يطرأ عليه، ما يدهشه كشاعر وما يترك أثرا في حساسيته الجمالية وعلاقته مع اللغة وتنامي العبارة بمفردات يخلق نسيجها الخاص، يلتقط الشاعر عصام خليل في مجموعته الشعرية الأولى «الخروج إلى البيت» الأسئلة التي لا تزال قادرة على الحياة، أسئلة الوجود التي لا يتركها الشاعر تعبر بسهولة دون أن يتوقف عندها، يختبرها مجدداً، ويقترح عليها شكلا جديدا أو يجلسنا على كراسي المفارقة نحدق في المشهد الجديد. ليس شرطا أن تكون تلك الأسئلة الكبرى التي ذهب بنا إليها في نص «حواء» أو «العرجون» أو «جثة» ولكن ما قد يكون خفيا وخفيفاً، يمر بنا عابرا دون أن ننتبه إلى تفاصيله أو نتمعن في ما خلفه، كما في نص «أمام المقهى»، وتلك التي تمر فيعرف الشارع وجلاس المقهى على مختلف مشاربهم وطبقاتهم وثقافتهم شيئاً جديداً عن الحياة لمجرد مرورها، وتلك العربة الفاخرة التي وقفت كعلامة تعجب في الأحداق:
«نبلع ريقنا فتعود الدومينو للحياة، هكذا يستوي الصعاليك على حلم بعد حلم».

شعرية المفارقة
هذا ما يستمر في عدد من النصوص التي تتكئ على المفارقة، مسقطا فيها تلك الأسئلة التي نعثر عليها، قادما بالشعر ليكون فيصلا في الكثير مما يعتري الحياة وليكون فضاء لا يحد، بل القصيدة هي التي ُتبقي الأسئلة في فلك الدهشة والقلق:
«عين من كراتشي تجرحك بسلطة الكحل، تؤذي بالرفض، بالرجل النائم، هي له. عد إلى كهفك يا ضال وتنتهي القصيدة»، هذا المقطع من نص «لم أعد أكتب» الذي يقول فيه: «جسدانا يتعاطفان مع قبلة مؤقتة/ يتهتكان في جمال واضح/ لكني لا أكتب». وفي نص «جثة»، يقول متلاحماً مع فكرة القصيدة الخلاص:
«فالموت مؤكد بشهود ثقات جرجروا في الجنازة العظيمة.. خلف جثة الشاعر». هكذا يمضي عصام خليل بأسئلة الغربة والوطن والموت، ذاهبا في هموم الناس وأحزانهم، ومن ذاته القصوى يستلّ أنينهم، يلاحظ عن كثب ويسجل تلويحته حتى لو بحسرة:
«ماتوا وهم ينظرون إلى أنفسهم بحسرة
ماتوا وهم ينظرون إلى القاهرة بأسى أكبر،
ماتوا من الأمام والخلف
ومن كل جانب
والحسرة أمرّ من الوصف»
لا يكتفي الشاعر بذلك، بل يمعن فيهم وفينا وفي هول الروح ومصابها:«هم أنفسهم لن يصدقوا نعيهم في رسالة»، وهذا ما نجده كذلك في نص «بعد المغرب» النص الذي يهز معارفنا بالأشياء، يدهشنا ويعرينا أمام أنفسنا تماما، في لحظة قد يطرأ في البال أنها تخص الشاعر وحده.

تنوع تجريبي
وعصام خليل يكتب بتقنية مطواعة مع هذه المضامين يختار قصيدة النثر، لأن ذلك الهامش الدقيق بحاجة إلى نص بلا قوانين نهائية ولا مغلقة، حالة السؤال ومراقبة الشاعر بالكاميرا التي قد تقتنص كل هذه المفارقات تستدعي التنوع التجريبي بما فيه من رمزية ومعايير جمالية مختلفة، غير مرتبطة بإطار معين ولكن بشيفرات ودوال ومدلولات، لنعد إلى نص «بعد المغرب»، لنقرأ فيه شيئا من رؤية عصام الفنية، يقول النص في بدايته:
«وجدت امرأة بباب المسجد أحوجها الكسر والأولاد، خشخشت ملابسي حتى خيوط ولا أمل..». يستخدم عصام تقنية سردية قصصية في نصه لكن ولأنه لا يريد أن يكتب قصة، ولم يكن يستهدف الحكي والسرد، ما يلبث أن يذهب إلى قصدية الكتابة وخلق المفارقة بهذا الانحراف عن النثري الذي يحدد جمالياته مدى وعينا الجمالي واستحضار تكثيفه ومشهديته، لنقرأ:
وجدت امرأة بباب المسجد أحوجها الكسر والأولاد، خشخشت ملابسي حتى خيوط ولا أمل.. وعن أي شيء سأكتب بعد المغرب؟ عن تحولات النهار ومخلوقات الشفق؟ عن العباءة وبذر اللحم! أبداً، المغرب وقت الخيانة، فيه يسرح الليل آلاتنا الجبارة، فيه نهنأ بالتوحش». لم نعد مع نهاية النص نعرف شيئا عن تلك المرأة تماما، وهذه هي القصيدة ينجو بها الشاعر من ورطة الحكي ومن التفاصيل القصصية والسياق السردي الصرف، وكأنما هي إشارة إلى هذا الإنسان الذي يستمر في أخطائه، وكأنما لا مخاوف في الحياة ولا دروس ولا ما يمكن أن تؤخذ منه العبرة المضيئة، هنا تحول الانحراف تدريجيا إلى أن أصبح بدرجة عالية منزاحا عبر لعبة الآليات الجمالية التي تخص كل شاعر ورؤيته، تلك اللعبة التي تحوي على عدد من الجماليات التي لا تشكل أفقا نهائيا وإنما تمثل شكلا جديدا في كل مرة من التفاصيل الدقيقة والمفارقة والسوداوية والذاتية الفردية والإيحاء والهامش والمجانية والتشخيص السوريالي، كما في نص المهاجر، وهو نص جميل يحمل هو الآخر ضمن دلالاته شيئا من السؤال الوجودي، من دون تلك اللغة المتكهنة أو النبيّة بل ببساطة استخدام محيطاته وما حوله، فنقرأ مفردات مثل: المنفضة والجينز وساحة الشرطة وغيرها في نصوص كـ «عمال الهرم»، و«قارئة الفنجان» و«شريط فيديو» و«يوميات الغرفة» و«رحلة نيلية» وغيرها...
في مجموعته الأولى «الخروج إلى البيت» قدم الشاعر عصام خليل رؤيته وموقفه من خلال حساسيته الشعرية الخاصة به.

اقرأ أيضا