الاتحاد

الملحق الثقافي

في الثقافة.. لا بد من الشارقة

حيثما اتجهت، لابد من شارقة في الطريق، موقعها الجغرافي بين مختلف إمارات الدولة يجعلها كذلك
من المنطقة الغربية إلى رأس الخيمة، لكن للشارقة طقسها الخاص ومميزاتها التي لا تشترك فيها مع أحد، فهي ساحة ثقافية حاضنة للإبداع، حريصة على خلق تميزها، وهذه الخصوصية باتت اليوم سمة بارزة لها، ليس داخل دولة الأمارات فقط وإنما خارجها، فحيثما كان هنالك إبداع كانت الشارقة تنثر أريجها ليضوع في مختلف الأرجاء.

الشارقة (الاتحاد)

كوردة في إناء، تسابق الشارقة الحدائق وتفرض حضورها غير عابئة بالزخم من حولها، متوثبة للقول إنها ستظل كما هي يانعة تستلهم حضورها الابداعي من فكر الإنسان حيثما كان، لكنها تعود دائما إلى ثوابتها العربية الإسلامية التي تتخذ منها المرجع الذي منه تنطلق وفي غماره تسبح.
تتالت إنجازات الشارقة الثقافية فبعثت المؤسسات المختصة والمتاحف ومعاهد الفنون المختلفة، والمراكز الثقافية للأطفال بالمدينة والمناطق التابعة لها، إضافة إلى الحرص على بعث الجمعيات الثقافية المختصة، فكان من نتائج ذلك أن انطلق تنظيم المعارض والفعاليات والمؤتمرات التي أصبحت اليوم سمة مميزة لإمارة لم تتوقف عن الحراك والفعل الثقافي.
بالتوازي مع ذلك جعلت الشارقة من التعليم أولوية، إذ تعتبر اليوم واحدة من أهم مراكزه ليس في الإمارات فقط بل في الشرق الأوسط عموما من خلال مدينة جامعية مهيبة متعددة الاختصاصات، وهو ما جعل منظمة اليونسكو تختار الشارقة عاصمة للثقافة العربية في العام 1998، كما اختارتها الإيسيسكو لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية 2014، لتتوج مجهوداتها بأوسمة دولية رفيعة دفعتها إلى المزيد من النشاط المبني على رؤية وتوجيه من حاكمها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي المثقف والمؤلف والمحقق والباحث.
استعادت الشارقة منذ تسعينيات القرن الماضي وهجها التراثي، إذ أعادت للمباني القديمة روحها التراثية من خلال برنامج ضخم كان قلب الشارقة فضاءه الطبيعي، وغير بعيد عن الحصن والبحر علت بيوت الأجداد لتعانق السماء ويعلو منها عبق الماضي بكل بساطته وجماله ومفرداته التي لا تمحوها الأيام، فالذاكرة تخلد البيوت القديمة ببراجيلها العالية التي طالما جلبت نسائم تقلق مضجع القيظ والمثابات التراثية التي علا صرحها، ووظفت لتكون فضاء يتسع للفعل الثقافي بكل حقوله وأجناسه، فكانت ملجأ الجمعيات على اختلافها، و مقرا للمتاحف والمراكز والإدارات الثقافية، فلم يخل بيت من حركة ولم يرتب إلا على شاكلته الأولى باستحضار شخوصه وأدواته حتى يمثل ذاكرة حيّة على الدوام.
هذه المنطقة التراثية صنعت من الماضي امتدادا في الصيرورة التي لم تذهب أدراج الغبار، بل إنها وفي سياق متصل مع ما حولها تريد أن تسابق الحداثة لترسخ حضورها وتنثر أريجها بين الأرجاء، ففي هذه الساحة الشاسعة يتذكر أهل الشارقة والإمارات مدرسة الإصلاح والكتاب ومؤدب الصبيان وكل صنوف الموروث الشعبي الممزوج برائحة الماضي، يقفون عند بيوت أعيان المنطقة على غرار بيت خالد بن إبراهيم وبيت الشيخ سعيد بن حمد القاسمي وبيت الشامسي والمدفع وغيرها.. أيام لا نفط يضخ وليس إلا البحر يهب قليلا من اللؤلؤ ويأخذ كثيرا من الأرواح التي تغوص في أعماقه بحثا عن مورد رزق عائم، قد يأتي وقد لا يأتي.
الشارقة التي تشير الوثائق التاريخية إلى أن عمرها تجاوز 6000عام تستعيد اليوم قليلا من شكلها الطبيعي بلا طلاء ولا تزويق، هذا الشكل الذي طالما أستقطب أبناء الجيل الجديد الذين رأوا فيه شيئا من عمل أجدادهم الذين رسّخوا في ذاكرتهم الجمعية حب الأرض والاعتزاز بالماضي والتعلق بالجذور، فلم تكن منطقة التراث إلا صورة طبقا للأصل لما كان عليه الأهل أيام شظف العيش وقساوة الطبيعة وقلة ذات اليد، وفي إعادة إحيائها تذكير بأن من لا ماض له لا حاضر له ولا مستقبل، وأن المعاصرة لا تعني بالضرورة الاندماج الكلي في روح العصر، بل لابد من المواءمة بين هذا وذاك لخلق شخصية متوازنة، شخصية تؤسس للغد بآليات ذاتية المنشأ مع الاستفادة من آخر التطورات من حولها .

معمار له تاريخ
المباني الحكومية والإدارات الكبرى والساحات والمساجد تحتفل في الشارقة بالماضي من خلال الأشكال المعمارية العربية الإسلامية التي باتت اليوم منارات مضيئة تثير البهجة في قلوب الناظرين، سواء من العرب المسلمين، أو من طرف غيرهم من الأجناس والأعراق الذين فتحت لهم أرض الإمارات أبوابها مشرعة لكي يسهموا في الإضافة كل من موقعه.إلا أن الشارقة لم تسبح ضد التيار كما يظهر للوهلة الأولى، بل إن هذا الجهد في الحفاظ على الذاكرة من التلف والنسيان توازى مع تهيئة فضاء القصبة ليكون محطة ترفيهية سياحية ثقافية من أكثر الأماكن جلبا للزوار على مدار العام، إذ تعتبر قناة القصباء المائية من المعالم السياحية والحضارية في إمارة الشارقة، حيث تربط بين بحيرة خالد وبحيرة الخان بطول كيلومتر واحد، وهي تمثل تحفة معمارية فريدة من نوعها ومركز استقطاب للزوار من كل مكان، بما توفره من فضاءات ترفيهية وما تحتويه من عمارة تراثية إسلامية، كما تحتضن القصباء مباني الجمعيات والمنظمات والمؤسسات التعليمية والعلمية والثقافية والاجتماعية، وقد تم إنشاء 3 جسور فوق القناة، كما تم إحداث «عين الإمارات »وهي جزء من مشروع القناة الترفيهي، حيث تمثل هذه العين تحفة فريدة من نوعها ومعلما بارزا، إذ تعلو القناة بمسافة 60 مترا، وتعتبر قناة القصباء من أروع الممرات المائية في الوطن العربي والعالم، كما تمثل شريانا حيويا يربط بين بحيرتين، وتستعمل القوارب التراثية المميزة للتنقل بحرا، أما المشاة فإنهم يتمتعون بصريا بمتعة خاصة من سحر الجداريات المتاخمة للدرج المخصص للمشاة للصعود أو النزول من الجسر بغية العبور إلى الناحية الأخرى .
اللوحات هناك يغلب عليها اللون الأزرق البحري المنسجم مع طبيعة المكان، والممتع للأنظار، كما يوجد الأخضر والأبيض والبني في تناغم تام مع الفضاء المفتوح، كما تزينت القصباء بلوحات الخط العربي التي حملت العبر والحكم والدعوات الإسلامية للتأكيد على الهوية العربية الإسلامية التي تميز إمارة الشارقة، أضف إلى ذلك صوامع المساجد والقباب كالكعبة المشرفة والقدس، مما يؤكد على عراقة الانتماء والرسوخ الحضاري .
قناة القصباء التي يحلو للبعض نعتها بفينيسيا الشارقة تعتبر ملاذاً للكثير من الهاربين نحو الهدوء والسكينة بعيداً عن الضجيج، وبحثا عن الراحة النفسية والذهنية التي يوفرها المكان لزواره من الداخل والخارج، وهي التي باتت قبلة مئات الآلاف من الزوار.

رؤية استشرافية
رسالة الشارقة تحرص على الاستشراف والرؤية بعيدة المدى ،حيث تقرأ الأمور بشكل فاحص ودقيق للوصول إلى نتيجة مفادها أنه لا بد أن ننظر اليوم إلى المستقبل كما لو أنه غدا صباحا، لأن من لا يفكر على هذه الشاكلة يضيع بين التفاصيل والهوامش، فمشروع الشارقة الثقافي والريادي في المنطقة لم يقتصر على تأسيس الفكر البناء وتداعياته في الفعل الثقافي العام، ولا على المنتج الذي طال سلوكيات الفرد وتعاطيه مع المشهد وإنتاجه، واستحداثه لتصاريف أسست لفعل ثقافي مستدام، بل شمل المسرح، الفنون، التراث، الشعر، وصناعة الكتاب، والتنقيب والآثار والترميم واللقاءات مع المفكرين والنقاد والمبدعين، لإثراء المشهد ولتجسيد فكرة التعاطي الفاعل مع إنسانية الفرد وتطلعاته لمنتج إنساني فاعل في الحياة.
لقد باتت الشارقة حضن الثقافة الدافئ حين صارت مجالات فكرية وفنية كثيرة تشكو اليتم الثقافي في أجزاء كثيرة من الوطن العربي بسبب انعدام الدعم المادي لها من قبل بعض السياسات الثقافية العربية، وصار رواد هذه الفنون يجدون في الشارقة حضنا دافئا وحصنا حاميا من الاندثار، إذ يتأكد القاصي والداني من ضخامة وحداثة البنية التحتية المرصودة للعروض الثقافية والفنية والمسرحية والورشات على اختلافها، فهذه الإمارة هندسها عقل ثقافي حامل لوعي أصيل وجديد في آن، وذلك وفق استراتيجية تصبو إلى حماية الثقافة العربية وترعى إسهامها في الزمن المعلوم الذي يريد أن يأتي على الجانب الثقافي ويطمس كل الهويات ويخضعها للتنميط والتشابه والتناسخ.
لقد تراكم الفعل النوعي فكانت الشارقة بدور نشرها، ومعارض كتبها، وفنونها التشكيلية، ومهرجاناتها المسرحية، ومتاحفها العريقة، ومؤتمراتها وندواتها ومبانيها التاريخية، وشوارعها النابضة بالمحبة، فمن الذي يحرص في هذا الزمان المنشغل بالماديات أن يؤثث البيوت بالمكتبات، والشوارع بالجداريات، ويستقطب المفكرين والمبدعين والفلاسفة، ويكرم أصحاب الإنجاز ضمن خطة واضحة يتم تنفيذها واضعة العقل البشري هدفا رئيسيا في كل المعادلات؟.
تمارس الشارقة الفعل الثقافي كما تمارس الحياة، حتى أصبح عملا يوميا وسلوكا إنسانيا، والأهم من ذلك أنه صار حاجة للإشباع والتشبع، يتوازى فيه غذاء الجسد بغذاء الروح، ليرسم معنى إنسانيا لحياة الفرد والجماعة، فالتمازج والتداخل القصدي (المخطّط و المبرمج) بين المقومات الحضارية والتاريخية للمعمار العربي الإسلامي بتمظهراته الفنية والجمالية والرمزية المختلفة ومورفولوجيا الفضاء المديني المعاصر والحديث ضمن فضاء إمارة الشارقة هو فعل ثقافي تاريخي بامتياز، فضمن الفضاء المديني «ينكشف تاريخ الجماعة وحاضرها مثلما أحلامها وآمالها».
وفي تصورنا، فإن استيعاب التنمية المدينية للشارقة للمعادلة الثقافية الصعبة التي نجحت في جعل معالم وفضاءات ومواقع مدينة الشارقة جسرا واصلا بين الماضي التراثي والحاضر الحداثي / وبين المحلي الخصوصي والكوني التماثلي/ وبين الفريد والأليف / وبين الذاتي والجماعي، لم ينبثق عن عمل عرضي أو مصادفة بقدر ما هو ترجمة مجالية (فضائية) لعقلية وخلفية سوسيو - ثقافية للفاعلين الرئيسيين في التنمية المدينية والتي تقترن بمفهوم التنمية الثقافية المتأصلة، أي نمط تنمية ثقافية يأخذ بملامح ومواصفات العصرنة والحداثة (التأقلم مع المستجدات العالمية والارتباط الكوني الإنساني)، ومقومات الهوية المترسخة في السلوك والوجدان ولكن أيضا المتمظهر رمزيا وثقافيا في الأبعاد المجالية أو الفضائية والأبعاد الجمالية والفنية والمعمارية في توزيع الفضاء المديني الشارقي كما نقرؤه ونلمحه ونؤوّله عبر أسواقها (سوق العرصة) أو المشاريع المعمارية الجديدة (مثل: مشروع مليحة أو مشروع جزيرة صير بونعير )، حيث أن نموذج التنمية الحضرية في إمارة الشارقة يعكس حرصا شديدا على تكريس جمالياته في هوية الإمارة الثقافية، فالمساجد مبنية وفق طرز إسلامية عديدة تستدعي التاريخ والهوية أي الذاكرة الجماعية، فمنها ما يعود إلى الفترة الأموية، ومنها ما يرجع إلى الحقبة الأندلسية وغيرها، حيث القباب والزخارف والخطوط تزين بناء المساجد من الداخل والخارج مثلما الأسواق والمباني الحكومية والمنازل التقليدية منها والحديثة، وهكذا يتحول الفضاء المديني إلى مشهد ثقافي يحكي ويحاكي: يحكي الذي كان والمتواصل ضمن الحاضر المديني (فضاءاته الدينية والتجارية والترفيهية والثقافية والسياحية) ويحاكي معالم الحداثة والتطور العالمي في إرادة تقرأ بوضوح في ذلك التمازج، لا التجاور، بين الحداثة والأصالة العربية الإسلامية في تصور ورؤية تعطي للبعد الرمزي والثقافي محورية في أي عمل تنموي (المشروعات السياحية التطويرية والتي منها مشروع واجهة المجاز المائية التي تم افتتاحها نهاية 2011، ومشروع قلب الشارقة الجاري العمل عليه حالياً، ومشروع منتجع خورفكان، ومشروع كلباء للسياحة البيئية، إضافة إلى مشروع جزيرة الحصن في دبا الحصن، ومشروع البداير).

الفضاء كلغة أليفة
تجعل المقاربة التنموية للفضاء المديني الشارقي المدينة متحفا للذاكرة الجمعية (العربية الإسلامية) والمحلية (الإماراتية الشارقية) بكل مضامينها الحياتية واليومية والثقافية والرمزية والعقائدية،من ناحية، وشاهدة على الماضي بكل تمظهراته والذي يتواصل في الحاضر المديني والمعاش اليومي لمجتمع الشارقة عبر المحافظة على التراث الإماراتي العريق بحصونه (حصن الشارقة) أو أسواقه العتيقة أو مساجده التاريخية أو فضاءاته وطقوسه الاحتفالية ومتاحفه و فضاءاته السياحية والترفيهية، ذلك أن الفضاء «تعبير» يستند إلى تجربة خصوصية بالفضاء لكل مجتمع معين في المكان والزمان، قد تغلق غربة كل منا ضمن فضائه المعاش إذا ما لم تصنع من الفضاء لغة أليفة للتواصل مع الذات ومع الذاكرة مثلما مع كلية الرأسمال الرمزي لشاغليه، وقد تصوغ جسرا ثقافيا ورمزيا يستحضر عبره ومن خلاله كل منا تاريخه وماضيه وذاكرته يوميا عبر الشواهد الحضارية المتجسدة في المعمار والآثار والأشخاص والتظاهرات والطقوس الاحتفالية المتحركة في حاضره ضمن تمازج عقلاني وموجه مع القوالب والأنماط الحديثة والعصرية، وهو ما نقرأه ونقرّه للشارقة وللقائمين عليها.

اقرأ أيضا